هناك بعض الحقائق الثابتة التي نراها يوميًّا ونعدها من المسلمات. الشمس ترسل لنا الضوء والحرارة، لا يوجد ما هو أسرع من سرعة الضوء، الماء والأكسجين ضروريان لحياة الكائنات متعددة الخلايا. لكن يبدو أن بعض هذه المسلمات تحتاج إلى إعادة النظر فيها، وخصوصًا الرابط بين الأكسجين والكائنات الحية.

لماذا نقول هذا الكلام، ونهدم هذه الحقيقة؟ ببساطة، لأن العلماء اكتشفوا في وقت سابق من هذا العام أن طفيليًّا يشبه قنديل البحر لا يحتوي على جينوم الميتوكوندريا، ليكون بهذا هو أول كائن متعدد الخلايا يكتشف العلماء عدم وجود هذا الجينوم فيه. هذا يعني أن هذا الكائن لا يتنفس. في الواقع، يعيش هذا الكائن حياة خالية تمامًا من الاعتماد على الأكسجين.

هذا الاكتشاف لا يغير فقط فهمنا لكيفية عمل الحياة هنا على كوكب الأرض، بل قد يكون له أيضًا آثار على عمليات البحث عن حياة خارج كوكب الأرض. الآن لا يحتاج العلماء للتأكد من وجود الأكسجين في كوكب ما، حتى نعتقد بإمكانية وجود حياة عليه، وبالتالي ستتغير عمليات البحث هذه تغيرًا جذريًّا

قصة الميتوكوندريا.. وسيلة الكائنات الحية للتنفس

نحتاج هنا للعودة إلى بعض ما درسه بعضنا في فترة الثانوية العامة. عندما نتحدث عن مصطلح «التنفس»، يأتي إلى أذهاننا عملية استنشاق الأكسجين وطرد ثاني أكسيد الكربون عبر الرئتين. هذا غير صحيح. هذه العملية تسمى في علم البيولوجيا «تبادل الغازات» أو الشهيق والزفير. بينما عملية التنفس لها معنى مختلف تمامًا. تبادل الغازات عملية فيزيائية، بينما التنفس عملية كيميائية.

«التنفس» أو «التنفس الخلوي» هو مجموعة من التفاعلات الأيضية والعمليات التي تحدث في خلايا الكائنات الحية للحصول على الطاقة من خلال حرق المغذيات عبر جزيئات الأكسجين. بكلمات أخرى فإن التنفس هو عملية أكسدة للمركبات التي نتناولها في طعامنا من أجل الحصول على الطاقة اللازمة لعمل خلايا الجسم.

بدأت الحياة في تطوير القدرة على استقلاب الأكسجين – أي التنفس – في وقت ما قبل 1.45 مليار سنة. في ذلك الوقت ابتلعت مجموعة من كائنات تشبه البكتيريا، لكنها أكبر حجمًا تسمى «العتائق»، حفنة من البكتيريا الصغيرة، وبطريقة ما كان المنزل الجديد لهذه البكتيريا مفيدًا لكلا الطرفين، وظل الاثنان باقيين معًا بتوافق تام.

أدت هذه العلاقة التكافلية إلى تطور الكائنين معًا، وفي نهاية المطاف، تحولت هذه البكتيريا المحصورة إلى عضيات (تصغير عضو) تسمى الميتوكوندريا. وتقترح هذه الفرضية الأوسع انتشارًا بين العلماء، أن الميتوكوندريا كانت في الأصل خلايا بدائية النواة، قادرة على تنفيذ آليات الأكسدة التي لم تكن ممكنة في ذلك الوقت للخلايا حقيقية النواة. يدعم هذه النظرية كون الميتوكوندريا تحمل الكثير من خصائص البكتيريا.

وتحتوي كل خلية في جسم الإنسان – باستثناء خلايا الدم الحمراء – على أعداد كبيرة من الميتوكوندريا، وهذه ضرورية لعملية التنفس.

كيف تحدث عملية التنفس؟

عملية التنفس تحدث من خلال تحويل الطاقة الكيميائية في جزيئات الأكسجين والمغذيات إلى مادة تسمى أدينوزين ثلاثي الفوسفات (ATP)، وهي مركبات يمكن تشبيهها بعملات الطاقة، بمعنى أن هذه المركبات هي التي تحمل الطاقة، ويجري استهلاكها في العمليات المختلفة التي تحتاج للطاقة، كل عملية تحتاج لعدد محدد من هذه العملات.

عملية إنتاج الطاقة هذه تحدث عبر سلسلة تفاعلات هادمة، والتي تنقسم فيها الجزيئات الكبيرة إلى جزيئات أصغر، وتنطلق الطاقة لأن الروابط الضعيفة عالية الطاقة، ولاسيما في الأكسجين الجزيئي، تستبدل بها روابط أقوى في المركبات الناتجة. ويحدث التفاعل الكلي في سلسلة من الخطوات البيوكيميائية، بعضها تفاعلات أكسدة واختزال.

وعلى الرغم من أن التنفس الخلوي هو من الناحية الفنية تفاعل احتراق، فمن الواضح أنه لا يشبه عمليات الاحتراق التي تحدث في الطبيعة؛ لأن هذا التفاعل الذي يحدث داخل الخلايا يحدث عبر الإطلاق البطيء المتحكم فيه للطاقة، وهذه الطاقة لا تطلق مباشرة، بل يجري تخزينها في عملات الطاقة (ATP). ولأن عملية التنفس تحدث في وجود الأكسجين، يطلق عليه العلماء اسم التنفس الهوائي، أو التمثيل الغذائي الهوائي.

أول كائن متعدد الخلايا لا يحتاج إلى أكسجين من أجل البقاء!

نحن نعلم كذلك أن هناك تعديلات تسمح لبعض الكائنات الحية بالازدهار في ظروف منخفضة الأكسجين، أو في حالة نقص الأكسجة. إذ طورت بعض الكائنات الحية «وحيدة الخلية» عضيات مرتبطة بالميتوكوندريا من أجل عملية التمثيل الغذائي اللاهوائي (أي دون وجود أكسجين). لكن احتمال وجود كائنات حية متعددة الخلايا تتنفس بصورة لاهوائية بشكل حصري، كان موضوعًا مثيرًا للجدل بين العلماء.

استمر الجدل قائمًا حول إمكانية وجود مثل هذه الكائنات، حتى قرر فريق من الباحثين من جامعة تل أبيب إلقاء نظرة أخرى على أحد الطفيليات الشائعة الموجودة بسمك السلمون، ويسمى «Henneguya salminicola».

ينتمي هذا الكائن إلى شعبة اللاسعات ضمن مملكة الحيوانات، وبالتالي هي كائنات حقيقية النواة، وهي الشعبة نفسها التي تنتمي لها الشعاب المرجانية، وقنديل البحر، وشقائق النعمان. تخلق هذه الطفيليات نوعًا من الحويصلات أو الكيسات القبيحة في لحم السمك، إلا أن الطفيليات ليست ضارة، وسوف تعيش مع سمك السلمون طوال دورة حياتها دون مشكلات.

يمكن لهذا الطفيلي الصغير، بعيدًا داخل مضيفه، أن ينجو من ظروف نقص الأكسجة تمامًا. ولكن من الصعب معرفة كيف يفعل ذلك بالضبط دون النظر إلى الحمض النووي للمخلوق، وهذا ما فعله الباحثون. فقد استخدموا تسلسلًا عميقًا وميكروسكوبًا مشعًّا لإجراء دراسة أقرب لهذا الطفيلي، ووجدوا أنه فقد الجينوم الميتوكوندري، بمعنى آخر فَقَد الجينات داخل حمضه النووي المسؤولة عن تخليق الميتوكوندريا. بالإضافة إلى ذلك، وجد الباحثون أنه فقد أيضًا القدرة على التنفس الهوائي، وتقريبًا جميع الجينات المشاركة في عمليات نسخ وتكرار الميتوكوندريا.

ومثل الكائنات وحيدة الخلية، فقد طور هذا الطفيلي عضيات ذات صلة بالميتوكوندريا، لكنها غير عادية أيضًا؛ إذ لديها ثنايا في الغشاء الداخلي لا تُرى عادةً. تظهر هذه النتائج أن هناك، أخيرًا، كائنًا متعدد الخلايا لا يحتاج إلى الأكسجين من أجل البقاء.

لماذا لا يمكنه التنفس؟

كيف يبقى هذا الكائن بالضبط على قيد الحياة؟ إجابة هذا السؤال تمثل شيئًا من الغموض. قد يكون بإمكانه استخراج مركبات الأدينوزين ثلاثي الفوسفات (ATP) من مضيفه، ولكن هذا لم يتحدد بعد بشكل قاطع. لكن خسارة هذا الطفيلي للميتوكوندريا تتفق تمامًا مع الاتجاه العام في هذه المخلوقات، التبسيط الجيني. على مدى سنوات عديدة، تحولوا بشكل أساسي من سلف يعيش في قنديل البحر إلى طفيلي أبسط بكثير نراه اليوم.

علوم

منذ شهرين
ماذا لو اختفت الفيروسات من كوكب الأرض؟ «الوجه الطيب» للكائنات الشريرة

لقد فقد هذا الطفيلي معظم جينوم قنديل البحر الأصلي، لكنه حافظ – بشكل غريب – على بنية معقدة تشبه خلايا قناديل البحر. إنهم لا يستخدمون هذه اللدغة، ولكنهم يتمسكون بمضيفهم، هذا تكيف تطوري من احتياجات حياة قناديل البحر إلى حياة الطفيليات. ويمكن أن يساعد هذا الاكتشاف مصايد الأسماك على تكييف استراتيجياتها للتعامل مع الطفيلي. فعلى الرغم من أنه غير ضار للبشر، فلا أحد يريد شراء سمك السلمون المليء بقنديل البحر الغريب الصغير.

فهم الحياة والبحث عن كائنات في الفضاء

ربما تكون الأهمية الأكبر لهذا الاكتشاف هو مساعدتنا على فهم كيفية عمل الحياة. يؤكد هذا الاكتشاف أن التكيف مع البيئة اللاهوائية ليس فريدًا في حقيقيات النوى أحادية الخلية، ولكنه تطور أيضًا في حيوان طفيلي متعدد الخلايا. وبالتالي يوفر هذا الطفيلي الفريد فرصة لفهم الانتقال التطوري من التمثيل الغذائي الهوائي إلى التمثيل الغذائي اللاهوائي الحصري.

هذا يعني أن العلماء يمكن أن يغيروا حتى نظرتهم إلى أشكال الحياة التي يبحثون عنها خارج كوكب الأرض. الآن لا داعي لوجود الأكسجين على سطح كوكب ما للشك في إمكانية وجود حياة على سطحه أو أسفل قشرته. ربما توجد أشكال معقدة من الحياة التي لا تعتمد على الأكسجين اعتمادًا أساسيًّا للحصول على الطاقة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد