بعد انتهاء المناظرة الرئاسية الأولى التي عُقدت مساء يوم 29 سبتمبر (أيلول) بتوقيت واشنطن، بين الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، ومرشح الحزب الديمقراطي ونائب الرئيس السابق، جو بايدن؛ يبقى 33 يومًا على يوم الانتخابات، الذي يصفه البعض بأنَّه سيحدد «مستقبل الولايات المتحدة».

وبالرغم من أن عقد المناظرات الرئاسية ليس شرطًا دستوريًّا، بل عادة بدأت في منتصف الثمانينيات منذ عهد الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن، وعادةً ما تطرح أثناء المناظرة أكثر الموضوعات جدلًا على الساحة الأمريكية؛ فإن استطلاع رأي عقدته جامعة مونموث، أظهر أن 87% من الناخبين من «غير المرجح» أن تؤثر المناظرة في خيارهم.

في هذا التقرير، نقدم تحليلًا لما جرى في المناظرة ونقيِّم أداء كل من المتناظرين.

الحرب الكلامية.. تفاصيل وأهمية المناظرة لكلا المرشحين

عُقدت المناظرة بين المرشحين في مدينة كليفلاند في ولاية أوهايو، وأدارها المذيع الأمريكي، كريس والاس، مقدم برنامج «فوكز نيوز سنداي»، الذي أعلن قبل المناظرة عن الموضوعات التي سوف تطرح. فقد قسَّمها والاس إلى ستة أجزاء كل جزء سيأخذ 15 دقيقة، والتي يلاحظ أنَّ جميعها قضايا داخلية بحتة، فلم يُناقش أثناء المناظرة أي ملف في السياسة الخارجية:

  1. سجلات ترامب وبايدن.
  2. قضية المحكمة العليا.
  3. فيروس كورونا المستجد.
  4. مسألة الاقتصاد.
  5. قضية العرق والعنف.
  6. نزاهة الانتخابات.

صممت القاعة والقواعد لهذا الحدث، وفق معايير الوقاية من فيروس كورونا، فقد أعلن البروتوكول عن أن المرشحان لن يصافحا بعضهما بعضًا، وأن الحضور سيكون قرابة 80 شخصًا، جميعهم أجروا فحص كورونا، مع التزام الحضور والمرشحين بالمسافة الاجتماعية الآمنة. وهذا ما حدث بالفعل.

أهمية هذه المناظرة بالنسبة لترامب وبايدن هي مخاطبة المواطن الأمريكي مباشرة، وعرض وجهات نظرهما، والحديث عن الإنجازات. فبالنسبة لترامب كان من المهم أن يستعرض ما لديه من نقاط قوى، خاصةً بعد إدارته لملف جائحة فيروس كورونا. أما بالنسبة لبايدن، فالمناظرة كانت تجربة خطيرة خاصةً أنّه يواجه خصمًا غير متوقع، ولكنّ أهميتها تكمن في الحفاظ على موقعه الحالي الذي تشير استطلاعات الرأي إلى نسبة قبول له أعلى من منافسه.

دخل بايدن وهو يعلم تحديدًا ما لم يجب عليه الوقوع فيه؛ «فخ الشجار». فبايدن يدرك جيدًا خطأ هيلاري كلينتون في مناظراتها مع ترامب عام 2016، فقد استطاع ترامب سحب كلينتون إلى مربعه، وتحويل المناظرة إلى مسألة شخصية بعيدة عن سياسات كل مرشح. وقد شدد مستشارو بايدن عليه بعدم الرد على استفزازات ترامب ما لم تكن محورية في خطابه، وصرح بايدن الشهر الحالي: «آمل لا أقع في فخ الشجار».

Embed from Getty Images
أثناء المناظرة الرئاسية الأولى بين بايدن وترامب 29 سبتمبر 2020  

ومنذ يونيو (حزيران) 2019، أجرى بايدن خلال الانتخابات الحزبية 11 مناظرة؛ على عكس ترامب الذي لم يخضع لمناظرة واحدة منذ أربع سنوات. وقبل هذه المناظرة، كان لدى ترامب خبرة أكبر مع مدير المناظرة كريس والاس، فقد أجرى معه حوارًا في يوليو (تموز) الماضي، وكان هو الذي أدار مناظرة لاس فيجاس عام 2016، باختلاف بايدن الذي رفض جميع طلبات والاس لعقد أيِّ حوار إعلامي.

وخلال الفترة الماضية، كان فريق ترامب الرئاسي يضغط على لجنة المناظرات الرئاسية لعقد مناظرات أكثر قبل عقد الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني)، ولكنَّ جهودهم لم تنجح، الأمر الذي يشير إلى أهمية المناظرات، بوصفها مسرحًا لترامب، وبأنه رجل استعراضي ستكون المناظرات بالنسبة إليه مساحة مهمة لجذب المزيد من الأصوات.

لكنَّ هُنالك نحسًا يصيب بعض الرؤساء الأمريكيين عند العودة مرة أخرى إلى مسرح المناظرات. فقد سحق ميت رومني الرئيس أوباما، في أول مناظرة بينهما عام 2012، ومن المفارقات أنَّ بايدن هو من أعاد الأمور إلى المسار الصحيح في مناظرة نائبي المرشحين، وحدث ذلك أيضًا مع جورج دبليو بوش، ورونالد ريجان، وجيمي كارتر عندما سُحقوا أمام منافسيهم في المناظرة الأولى.

المناظرة التاريخية المزعجة.. من الذي انتصر على الآخر؟

ليس سهلًا تحديد من انتصر على الآخر في المناظرة، خاصةً عندما لا تُحترم القواعد، ويعتمد مقاطعة الآخر أسلوبًا للتناظر. ففي استطلاعٍ رأيٍ نشر عقب انتهاء المناظرة سئل سؤال: «ما شعورك أثناء متابعة المناظرة؟» أجاب 69% بأنَّهم شعروا بالانزعاج، و31% شعروا بالاستمتاع، أما 19% من المتابعين شعروا باليأس، وأخيرًا 17% أصبحوا مُطَّلعين (Informed).

اعتمد ترامب أثناء المناظرة أسلوبين: الأول المقاطعة المستمرة لبايدن خاصةً عندما يتحدث بايدن عن الحقائق، واستفز هذا الأسلوب بايدن في إحدى لقطات المناظرة فقال: «هل يمكنك أن تخرس؟».

واعتمد ترامب بشكل متكرر وصف بايدن بالـ«شيوعي»، وبأنه داعم لـ«اليسار المتطرف»، واستفزازه بالهجوم على ابنه هنتر بسبب تعاملاته التجارية الخارجية في موسكو والصين، وتعاطيه للمخدرات. وقد تمكن ترامب بالفعل من استفزاز بايدن فقط عندما تحدث عن ابنه هنتر، لكنَّ جواب بايدن كان ذكيًّا وعاطفيًّا أيضًا، فقد تحدث أولًا عن ابنه بو بايدن، الذي خدم في غزو العراق ووصفه بالـ«وطني»، ومن ثم تحدث عن ابنه هنتر ومشكلة تعاطيه للمخدرات «التي يعاني منها كثير من الأمريكان» وأنّه «فخورٌ» بابنه لأنّه استطاع الإقلاع والتعافي من الإدمان.

أما جو بايدن، فقد كان تركيزه أثناء المناظرة على ملف جائحة كورونا وسوء إدارة ترامب لهذا الملف، وذكر إخفاقاته المستمرة. واستهدف بايدن من هذا الملف مخاطبة جميع شرائح المجتمع الأمريكي المتضررة. ووجه بايدن اتهامًا لترامب بأنَّه كان على علمٍ منذ فبراير (شباط)، ولكنَّه لم يفعل شيئًا حيال انتشار الفيروس، واتهمه أيضًا بأنَّه ليس لديه خطة يعتمد عليها في التخلص من الجائحة، أو التقليل من الخسائر.

استهدف بايدن في أثناء المناظرة، الشريحة التقدمية الحرجة التي تقف خلف السيناتور، بيرني ساندرز، فقد اعتمد بايدن ذكر ملفين بشكل واضح، الأول: اللامساواة الناتجة من فيروس كورونا والاغتناء الفاحش لطبقة المليارديرات أثناء فترة الجائحة، وتبعات الجائحة على المواطن العادي وطبقة العُمال.

والثاني عندما سُئل عن التغير المناخي ذكر بايدن خطته التفصيلية للتخلص من التغير المناخي للوصول إلى 0% انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2035.

بينما اتهم ترامب بايدن بأنَّ خطته هي «الخطة الخضراء الجديدة – New Green Deal»، التي «ستكلف البلاد 100 تريليون دولار وتتخلص من الأبقار»، محاولًا إلباس خطة بايدن بخطة بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا كورتيز.

ولجذب أصوات المجتمع الأفريقي في أمريكا، صرَّح بايدن بأنَّه يعتقد بوجود «نظام غير عادل» للتعامل مع السود، وأنه سيعمل مع أجهزة الشرطة والنشطاء المدنيين لمعالجة القضية.

وفي الحديث عن النقاش الذي جرى عن «المسألة العرقية»، لم يقدم ترامب للمواطن الأفريقي أيَّ ضمانات، أو حتى على الأقل طمأنات لجذب أصواتهم في الانتخابات القادمة. مما يبدو أنه فقد الأمل لجذبهم بعد تصريحاته أثناء التظاهرات الأخيرة لمقتل جورج فلويد وآخرين على يد الشرطة الأمريكية.

واعتمد ترامب على طمأنة المواطن الأبيض، خاصةً الجنوبي، من خلال تأكيد «تطبيق القانون» وخطاب «القانون النظام»، وذكر بعض الأضرار الناتجة من المظاهرات؛ واتهم بايدن بأنَّه لا يريد تطبيق القانون بسبب أنَّه سيخسر دعم اليسار المتطرف. وقال ترامب في محاولة لطمأنة المواطن الأمريكي باحتمالية توفر لقاح كورونا في أكتوبر (تشرين الأول) القادم، لكنّ بايدن ومعه مدير الجلسة كريس والاس، أشارا خلال حديثهما إلى أن معظم العُلماء أكدُّوا أنَّ هذا من غير الممكن.

ما الذي تقوله لغة الجسد عن المناظرة؟

في الحديث عن الخطاب ولغة الجسد، كان بايدن يعتمد إبراز الحقائق، سواءً التي تخصه أو التي تضر ترامب. واستطاع عدة مرات أثناء حديثه من النظر إلى الكاميرا مباشرةً لتمرير رسائل عاطفية إلى المواطن الأمريكي البسيط، وفي معظم الأحيان عندما كان يستفزه ترامب، كان يرسم ابتسامة عريضة ساخرة تعكس استهتارًا بما يقول الطرف الآخر، وقد سبق وأن اعتمد بايدن هذا الأسلوب في مناظراته السابقة، خاصةً في 2012 مع الجمهوري ريان باول.

أما ترامب، فقد كان يملأ وجهه الغضب، وفي معظم الوقت ينظر سواءً إلى بايدن أو لمدير الجلسة، ويحاول باستمرار مقاطعة ما لا يعجبه من الحديث، وكانت لغة جسده تبدو وكأنَّه مُحاط من عدوين، بايدن ووالاس، ويحاول شن هجوم مستمر عليهما. فقد اضطر والاس رفع صوته مرارًا ليطلب من ترامب عدم المقاطعة.

وعقب المناظرة غرَّد ترامب بصورة تضع صورة والاس وبايدن على أنَّهما كانا منافسَيه أثناء المناظرة، وغرَّد حساب حملة ترامب بأنَّ والاس قاطع ترامب 76 مرة، وقاطع بايدن فقط 15 مرة.

وبقي ثلاث مناظرات مجدولة الشهر القادم قبل عقد الانتخابات، واحدة منهم بين نائبَي المرشحين، كامالا هاريس، ومايك بنس، وستعقد في 7 أكتوبر. وتتبعها مناظرتان بين بايدن وترامب مجدولتان في 15 و22 أكتوبر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد