العلماء الآن في طريقهم إلى ما قد يكون أكبر ثورة في مجال «الحوسبة» خلال هذا القرن، وذلك بعد أن بنوا أول كمبيوتر كمي تمت برمجته بالكامل

العلماء الآن في طريقهم إلى ما قد يكون أكبر ثورة في مجال «الحوسبة» خلال هذا القرن، وذلك بعد أن بنوا أول كمبيوتر كمي تمت برمجته بالكامل، واستخدامه لأنواع الحسابات التي يمكن أن تسمح لهذه «التكنولوجيا»، بإسقاط الفهم الحالي المتعلق بتكنولوجيا الحوسبة.

ويستخدم كمبيوتر الكمي نظام «الكو بايت»، بدلًا من نظام «البايت الثنائي»، وهو ما يعني أن الأمور لا يمكن أن تكون فقط على إحدى صورتين (0 ، 1)، ولكن يمكن أن تكون في مدى معين بين هاتين الصورتين. ويأمل العلماء أنه من خلال تسخير هذه القوة، سيصبح بإمكانهم جعل أجهزة الكمبيوتر أسرع بكثير جدًا من أجهزة الكمبيوتر التقليدية الموجودة بين أيدينا الآن، واستخدامها في حل بعض من أكبر مشاكل البشرية.

دراسة جديدة

الدراسة الجديدة هي الأولى من نوعها، التي أظهرت أن هذه الحواسيب يمكن برمجتها وإعادة برمجتها، واستخدامها في حل «الخوارزميات البسيطة».

في مركز هذا الجهاز الجديد توجد خمس ذرات مشحونة كهربائيًا، أو أيونات. هذه الذرات محاصرة بواسطة مجال مغناطيسي، وتجبرها آشعة الليزر – المسلطة تحديدًا وبدقة على هذه الذرات فقط – على الاهتزاز. ويمكن استخدام آشعة «الليزر» هذه لمعالجة «الأيونات»، مستغلة في ذلك حقيقة أن الذرات قادرة على أن تكون في أكثر من صورة أو حالة في نفس الوقت، هذا هو جوهر الحوسبة الكمية. على هذا النحو، يمكن للعالم استخدام هذه المعالجة بطرق أخرى، هي في الأساس مستحيلة بالنسبة لأجهزة الكمبيوتر العادية.

في الاختبارات والتجارب، كان هذا الكمبيوتر الكمي قادرًا على القيام بعملية حسابية في خطوة واحدة فقط، وهي العملية التي تحتاج إلى أكثر من خطوة لحلها في الحواسيب التقليدية. وأظهر اختبار آخر عملية إكمال هذا الكمبيوتر لعملية حسابية، من شأنها أن تسمح له باختراق أنواع تشفير آمنة للغاية، والتي يعتقد عادة أن اختراقها مستحيل.

ويقول العلماء إن العمل المنجز يمكن زيادته إلى ما بعد الخمسة (كو بايتات)، التي يتكون منها الآن. ويشير هؤلاء العلماء إلى النظام، باعتباره «وحدة»؛ نظرًا لأنه يمكن برمجته وتوصيله حواسيب كمية أخرى، مما يسمح بمرونة الاستخدام.

وقال عالم الفيزياء الكمية الأمريكي، «البروفيسور كريستوفر مونرو»، الذي قاد فريق البحث في جامعة «ميريلاند»، إن عددًا قليلًا جدًا من الناس يعرفون ما تقوم به أجهزة «أيفون» فعلًا في المستوى المادي. وأضاف «تجربتنا أوجدت كوبايتات (بايت كمي) عالية الجودة، تصل إلى مستوى أعلى من الأداء الوظيفي، من خلال السماح لهم ببرمجتها وإعادة تكوينها في مجال البرمجيات».

شريحة لحاسوب كمي

ما هو الحاسوب الكمي؟

الحوسبة الكمية، هي التكنولوجيا التي يتوقع الكثير من العلماء ورجال الأعمال والشركات الكبيرة، أن تقدم وتمدنا بنقلة نوعية كبيرة في المستقبل. الحوسبة الكمية هذه هي التي تحدث عنها رئيس الوزراء الكندي «جاستن ترودو»، في أحد الفيديوهات التي شهدت انتشارًا واسعًا يوم 16 أبريل (نيسان) 2016، والذي أوضح فيه المفهوم بشكل بسيط.

في ذلك الوقت كان ترودو في زيارة لمعهد «بيريميتر» (Perimeter) للفيزياء النظرية في مقاطعة «أونتاريو»، وهو واحد من المراكز الرائدة حول العالم، التي تعنى بدراسة الحوسبة الكمية وتطويرها. «ترودو» ذكر أن النظام الرقمي المستخدم حاليًا في جميع الإلكترونيات يعتمد على النظام الثنائي المكون من الرقمين (صفر وواحد) فقط، بينما في النظام الكمي، فإننا سنعتمد على الدمج بين مفهوم الجزيئات ومفهوم الموجات، فيما يعرف بمبدأ عدم التأكد لـ«هايزنبرغ» الذي تعتمد عليه «ميكانيكا الكم»، وهو ما سيساعدنا على إنتاج حواسيب صغيرة بشكل ملحوظ.

مفهوم الحوسبة الكمية هو أمر جديد نسبيًا؛ إذ يعود تاريخ طرحها إلى عدد من الأفكار خلال فترة الثمانينات من القرن الماضي، وذلك من قبل العالم «ريتشارد فاينمان»، عالم الفيزياء النظرية الأمريكية المميز، والحائز على «جائزة نوبل». فقد تصور «فاينمان» أن هذا المفهوم يمكن أن يؤدي إلى زيادة في سرعة الحواسيب الكمية بشكل ملحوظ وكبير، لكن هذا المفهوم كان في نطاق الفيزياء النظرية، والذي كان يحتاج إلى جهد عقلي كبير لتحويله إلى تطبيق عملي.

مع أجهزة الكمبيوتر العادية، أو أجهزة الكمبيوتر التقليدية كما يطلق عليها الآن، لا يوجد لدينا سوى خيارين، عمل وإطفاء (on and off) لمعالجة المعلومات. وبالتالي فإن أصغر وحدة يمكن إضافة المعلومات والبيانات إليها، والتي يطلق عليها اسم «بيت- bit»، إما أن تكون «1» أو «0». وتعتمد القوة الحسابية للكمبيوتر العادي هنا على عدد الترانزستورات الثنائية – مفاتيح التشغيل الصغيرة – التي تأتي ضمن «المعالج» (prosessor)

عملية حصار الذرات أو الأيونات بواسطة المجال المغناطيسي

ميكانيكا الكم تغير العالم

وتمثل ميكانيكا الكم المنطقة الحدسية غير المفهومة للعلم، وهي التي حيرت عقول بعض من خيرة العلماء، ولأن ميكانيكا الكم تحمل مفهومًا أساسيًا، يتمثل في مبدأ عدم التأكد ومبدأ الاحتمالات، علّق عالم الفيزياء الأشهر، «ألبرت أينشتاين»، قائلًا «الله لا يلعب النرد مع الكون»، في إشارة لفكرة الاحتمالات هذه. هذا الأمر أيضًا هو ما جعلنا نلاحظ أن السياسيين ربما لن يتحدثوا كثيرًا عن هذا الأمر، ويبدو أن ترودو كان استثناءً ملحوظًا لهذه القاعدة.

في عالم ما تحت الذرة الغامض، الخاص بميكانيكا الكم، يمكن للجسيمات أن تتصرف مثل الموجات؛ إذ إنها يمكن أن تتواجد في صورة جسيمات أو موجة أو جسيم وموجة معًا. وهذا هو ما يعرف في ميكانيكا الكم باسم التراكب. ونتيجة لهذا التراكب يمكن أن يكون «البايت» (سنسميه كيوبايت في حالة الحواسيب الكمية) إما 0 أو 1 أو 0 و1 معًا. وهذا يعني أنه يمكن أن يكوّن معادلتين في نفس الوقت. ويمكن بالتالي لاثنين من كيوبايت تكوين أربع معادلات. ويمكن لثلاثة «كيوبايت» تكوين ثماني معادلات، وهكذا يحدث التوسع بشكل متسارع. هذا الأمر سيؤدي إلى بعض الأعداد الكبيرة بشكل لا يصدق، ناهيك عن بعض المفاهيم العلمية التي تفوق استيعاب عقولنا.

في هذه اللحظة، وفي وقتنا الحالي، فإن هذه المفاهيم المذهلة أصبحت على وشك التحول إلى واقع، وذلك في مختبر كبير في منطقة «برنابي» بضواحي مدينة فانكوفر الكندية. هذا المختبر بدأ بالفعل في الدراسات، ومحاولة إنشاء أول حاسوب كمي. هناك في هذه المنشأة، وتحديدًا في أحد الأجهزة الكمية التي تشبه الثلاجة السوداء، يعتقد أنه يتواجد صورة الكون المتعدد.

هذا المختبر ينتمي لشركة صغيرة تدعى «D-wave»، ويضم 140 من الموظفين ذوي المهارات العالية، التي تعلن فخرها للعالم بأنها قامت ببناء أول حاسوب كمي على الإطلاق، وهو هذا الجهاز المذهل الشبيه بالثلاجة. هذا الحاسوب لا يشبه الثلاجة في الشكل فقط، لكنه أيضًا أكثر أجهزة التبريد تبريدًا على الإطلاق؛ إذ إنّه يُمكّن رقاقات «النيوبيوم» الكمبيوترية على العمل في بيئة ذات درجة حرارة أقل بقليل من سالب 273 درجة مئوية، وهي درجة تقل قليلًا عن قيمة الصفر المطلق المعروفة في الفيزياء.

هذه البيئة فائقة التبريد ضرورية، للحفاظ على نشاط كم متناسق في التراكب والتشابك، وهي الحالة التي تبدأ فيها الجسيمات في التفاعل – في ظروف غامضة – بشكل تشاركي مستقل، مما يساعد على ربط الكيوبايت بميكانيكا الكم، بغض النظر عن مكانها في الفضاء. أي تسرب للحرارة أو للضوء من شأنه إفساد العملية، وبالتالي توقف فعالية جهاز الكمبيوتر.

في الحقيقة، فإن الكيفية والسبب وراء التصاق فيزياء الكم بمثل هذا الغموض والخيال العلمي المثير، هي لا تزال مسألة تكهنات، لكن النظرية الأكثر شيوعًا تتمثل في أن الحالات والصور الكمية المختلفة، تتواجد في أكوان مختلفة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد