لم يُبد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اهتمامًا كبيرًا بأفريقيا، خلال السنوات الأولى من رئاسته (2000– 2006)، لكن العقوبات التي فرضتها الدول الغربية بعد ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، دفعت موسكو إلى البحث عن أصدقاء جدد وفرص مختلفة، كما أشار لوك هاردينج وجيسون بيرك في صحيفة «الجارديان» البريطانية.

كانت زيارة بوتين إلى المغرب في 7 سبتمبر (أيلول) 2006 حدثًا استثنائيًا من عدة نواحٍ؛ ليس فقط بوصفها أول زيارة لرئيس روسي إلى هذا البلد منذ سقوط اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية في عام 1991، إذ لم يسبقها إلا زيارة رئيس الاتحاد السوفيتي ليونيد بريجنيف عام 1961، ولكن أيضًا لأن بوتين كان نادرًا ما ييمم وجهه شطر أفريقيا، باستثناء الجزائر التي زارها قبل هذه الزيارة بستة أشهر يوم 10 مارس (آذار) 2006، ومصر التي زارها في العام السابق يومي 26 و27 أبريل (نيسان) 2005، حسبما رصد جوزفين ديديت في تقرير نشرته مجلة «جون أفريك» الصادرة في العاصمة الفرنسية باريس.

منذ ذلك الحين، زار بوتين ليبيا (2008) ومصر (2015 و2017)، وذهب إلى جوهانسبرج في يوليو (تموز) 2018؛ لحضور أعمال القمة العاشرة لبلدان مجموعة بريكس (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا)؛ وهناك أطلق فكرته الكبرى، بتنظيم أول قمة روسية أفريقية في تاريخ بلاده، تستضيفها مدينة سوتشي، على ساحل البحر الأسود، في 24 أكتوبر (تشرين الأول).

وتبذل روسيا ما في وسعها لتعظيم الاستفادة من القمة غير المسبوقة، وتتوقع محافظة كراسنودار وصندوق روسكونجرس، المسؤولان عن الخدمات اللوجستية للقمة الروسية الأفريقية، استقبال ما لا يقل عن 10 آلاف شخص، من بينهم آلاف من رجال الأعمال، والعديد من القادة الأفارقة، من 35 دولة أكدت مشاركتها رسميًّا حتى الآن.

«ستراتفور»: لتنافس أمريكا والصين.. هذه خطة روسيا لتقوية نفوذها في أفريقيا

 

من هم كبار المسؤولين الروس الذين يعتمد عليهم بوتين لإنجاح القمة؟

من المقرر أن تُعقَد القمة كل سنتين أو ثلاث سنوات، بحسب المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وبلدان أفريقيا، ميخائيل بوجدانوف، الذي كثّف زياراته إلى القارة منذ بداية العام الحالي؛ ليعزز الجهود التي يبذلها وزير الخارجية سيرجي لافروف، من أجل تهيئة الظروف الدبلوماسية والتجارية لتعزيز التعاون بين الجانبين.

سافر بوجدانوف إلى مصر، وكينيا، وتنزانيا، وجمهورية أفريقيا الوسطى، والسودان – إذ يعاد بناء العلاقات بعد الإطاحة بعمر البشير- وحضر أيضًا حفل تنصيب رئيس مدغشقر، أندري راجولينا، ورئيس موريتانيا، محمد ولد الغزواني، فيما أجرى لافروف جولة في المغرب العربي، واستقبله الملك محمد السادس.

بمرسوم رئاسي، كلَّف بوتين مستشاره الخاص لشؤون السياسة الخارجية، يوري أوشاكوف، بالإشراف على تجهيزات القمة، ورغم أنه ليس متخصصًا في أفريقيا، فإن الرئيس الروسي يمنحه ثقته.

ولأهمية الاجتماع الأول للجنة المنظمة، التي شكلت بموجب مرسوم رئاسي، انعقد الاجتماع بمشاركة ممثلي الاتحاد الروسي ووزارات الخارجية، والمالية، والتنمية الاقتصادية، والصناعة والتجارة، وإدارة إقليم كراسنودار، ومركز التصدير الروسي، ومؤسسة روسكونجرس وغيرها.

وسيشارك في القمة أيضًا مسؤول كبير آخر، هو أندريه كمارسكي، والذي سبق وأن شارك خلال شهر يناير (كانون الثاني) في مؤتمر استضافته الخرطوم، حول الصراع في جمهورية أفريقيا الوسطى.

ويضم الفريق الروسي أيضًا عددًا من السفراء (السابقين والحاليين) المخضرمين، من بينهم رئيس «مركز التصدير الروسي»، أندريه سلبنيف، وأعضاء «معهد الدراسات الأفريقية»، التابع لـ«الأكاديمية الروسية للعلوم»، الذي تشارك مديرته، إيرينا أبراموفا، شخصيًّا في الاجتماعات التمهيدية للقمة، ولها باع طويل في الجهود التي تستهدف ضمان عدم تخلُّف موسكو كثيرًا عن الصين، بحسب تقرير جوزفين ديديت، الذي أعادت «دورية أفريكان ريبورت» نشره بتاريخ 19 أغسطس (آب) 2019.

يشارك في تجهيزات القمة أيضًا شخصيات مرموقة أخرى مثل مدير «معهد الدرسات الأفريقية» التابع لـ«أكاديمية العلوم الروسية»، ألكسي فاسيليف، وهو مؤرخ ومستعرب روسي، وباحث في شؤون الشرقين الأوسط والأدنى، إلى جانب الخبير السياسي يفغيني كوريندياسوف، الذي شغل منصب سفير الاتحاد السوفيتي وروسيا في عدة دول أفريقية، والسفير الروسي لدى اليونان، أندري ماسلوف؛ وثلاثتهم من منسقي التقرير المعنون «روسيا- أفريقيا: رؤية مشتركة 2030»، الذي سيُعرَض في سوتشي، وسيكون بمثابة أساس للمناقشات المستقبلية.

أول قمة روسية أفريقية.. المصالح المتبادلة تُقَرِّب البعيد

  • المصالح الروسية

دفعت العقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب على موسكو، بعد ضم شبه جزيرة القرم والصراع المكتوم مع أوكرانيا، إلى اهتمام روسيا بالدول الأفريقية الـ54 التي تمثل حوالي ثلث الأصوات في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبالتالي تشكل كتلة تصويتية مفيدة لروسيا. وقد برزت هذه الأهمية في عام 2014، حين امتنعت 58 دولة عن التصويت على القرار الذي يدين ضم شبه جزيرة القرم، من بينها مصر، والجزائر، وجنوب أفريقيا، ومالي، ورواندا، والسنغال، والجابون.

كما ازدهرت مبيعات الأسلحة الروسية للقارة بفضل الحرب في سوريا، فوفقًا لـ«معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام (SIPRI)» أصبح الروس أكبر موردي الأسلحة إلى أفريقيا (35٪) -الجزائر في المقدمة، تليها المغرب ومصر ونيجيريا- متقدمين على الصين (17٪)، والولايات المتحدة (9.6٪)، وفرنسا (6.9٪).

ونقلت صحيفة «الجارديان» البريطانية في يونيو (حزيران) عن وثائق روسية «سرية للغاية» ملامح الجهود الروسية التي يقودها رجل الأعمال الروسي يفغيني بريجوزين – الشهير بطباخ بوتين ومؤسس شركة «فاجنر» الأمنية الخاصة- في أفريقيا بالتنسيق مع كبار المسؤولين في وزارتي الخارجية والدفاع؛ بهدف تحويل القارة إلى مركز استراتيجي، وتجنب اندلاع انتفاضات «موالية للغرب».

رحلة الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين لجنوب أفريقيا في 2006

تمكنت موسكو من خلال أنشطة بريجوزين من توثيق علاقاتها مع السودان، ومدغشقر، وجمهورية أفريقيا الوسطى (في المستوى الخامس، والذي يشير إلى أعلى مستويات التسلل)، وجنوب أفريقيا، وزيمبابوي وليبيا، وجنوب السودان، وتشاد، وجمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا.

وذكرت الوثائق المسربة أن روسيا تخطط للعمل في دول أفريقية أخرى مثل مالي، أوغندا، غينيا الاستوائية، ومصر. وصدرت هذه التسريبات عن مركز الملفات، برئاسة قطب النفط الروسي السابق، والمعارض للكرملين، ميخائيل خودوركوفسكي، الذي كان أحد أعضاء النخبة الأوليغارشية قبل أن يزج به بوتين في السجن، وهو الآن يعيش منفيًا في لندن.

  • المصالح الأفريقية

في المقابل، تتطلع العديد من الحكومات الأفريقية إلى تنويع شراكاتها، وتعرب عن اهتمامها بالاستماع لما لدى الدب الروسي؛ الذي يحتج بأنه لم يستعمر أفريقيا، وبالتالي فلا يمكن أن يتصرف بطريقة مُحبِطة، مثلما تتعامل القوى الغربية، كما يمتنع عن التدخل ذي الصبغة الأخلاقية، حتى لا يُنَفِّر الحلفاء الحاليين أو المحتملين.

ومنذ عام 2015، يمَّم عدد من رؤساء الدول الأفريقية وجوههم شطر روسيا، بدءًا برئيس زيمبابوي روبرت موجابي (2015)، والعاهل المغربي محمد السادس (2016)، والرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، والرئيس الغيني آلفا كوندي (2017)، ورئيس جمهورية أفريقيا الوسطى فاستن توديرا (2018)، والرئيس السنغالي ماكي سال، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (2018)، ورئيس زيمبابوي الحالي إيمرسون منانجاجوا، ورئيس أنجولا جواو لورنسو، ورئيس الكونغو دينيس ساسو نغيسو (2019).

وخلال السنوات الأربع الماضية، أبرمت روسيا حوالي 20 اتفاقية تعاون عسكري مع دول القارة، غينيا، وجمهورية أفريقيا الوسطى في عام 2017، ومصر، وبوركينا فاسو، وجمهورية الكونغو الديمقراطية في عام 2018، والسودان، ومالي، وجمهورية الكونغو في عام 2019.

كذلك وقعت موسكو مذكرة مع الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي (16 دولة في الجنوب الأفريقي)، ويوجد المستشارون العسكريون الروس في غينيا بيساو، ويتمتع رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى فاستن توديرا بعلاقات وثيقة مع روسيا، تُوِّجَت بإبرام اتفاق سوتشي في أكتوبر 2017 لاستغلال الماس، والذهب، واليورانيوم مقابل الدعم العسكري.

وبفضل الخبرة المكتسبة من حرب الشيشان، ترى دول أفريقية في روسيا شريكًا مؤهلًا للتعاون في «مكافحة الإرهاب»، خاصة في المناطق التي تواجه التهديد ذاته، خاصة نيجيريا، ودول المغرب العربي، والساحل. كما تمتلك روسيا العديد من الأدوات التي تمكنها من تعزيز نفوذها في القارة، مثل: صور الأقمار الصناعية، والتعاون الأمني، ​​وتبادل المعلومات الاستخباراتية.

مناطحة اقتصادية.. الدب الروسي يسعى للحاق بركب العمالقة في أفريقيا

«لفترة طويلة، فشلت سياسة روسيا الخارجية تجاه أفريقيا في إثبات نفسها بطرق عملية، لكن الاتحاد الروسي لديه القدرة على مساعدة أفريقيا في التغلب على هذه التحديات، والاستفادة من الموارد الهائلة في القارة»، على حد قول سفير زيمبابوي في روسيا، الميجور جنرال (متقاعد) نيكولاس مايك سانجو.

ويأمل بوتين والكرملين أن تشهد قمة سوتشي المرتقبة توقيع المزيد من العقود، لرفع مستوى التبادل التجاري؛ فبرغم كل شيء، ما تزال موسكو قزمًا اقتصاديًّا يبلغ حجم تجارته مع القارة 17 مليار دولار في السنة، مقارنة بـ200 مليار دولار يستحوذ عليها العملاق الصيني.

الرئيسان الروسي والصيني

ويلفت رئيس مجلس التجارة الخارجية وتطوير العلاقات الاقتصادية الدولية بروسيا، مكسيم تشيريشنيف، إلى أن المشروعات الزراعية والتقنية المتقدمة، والطب، والتكنولوجيات الموفرة للطاقة، واللوجستيات، ومشاريع البنية التحتية توفر آفاقًا حقيقية لتعزيز التعاون الاقتصادي بين روسيا وأفريقيا.

ويريد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن تؤدي بلاده دورًا رائدًا في أفريقيا، من جنوب الصحراء الكبرى إلى بلاد المغرب في الشمال، كما فعلت أثناء الحرب الباردة. وتماشيًا مع الرغبة الرئاسية، صرح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره في ساحل العاج، مارسيل آمون، بأن القمة الروسية الأفريقية ستعطي دفعة لتنمية العلاقات بين الجانبين، وتصوغ جدول أعمال لمزيد من التعاون بينهما.

وذكر الموقع الرسمي للرئاسة الروسية أن القمة ستولي اهتمامًا خاصًا بالحالة الراهنة، وآفاق علاقات روسيا مع الدول الأفريقية، وتوسيع التعاون السياسي والاقتصادي والفني والثقافي. ومن المزمع مناقشة مجموعة واسعة من القضايا على جدول الأعمال الدولي، بما في ذلك الاستجابة المشتركة للتحديات والتهديدات الجديدة، وتعزيز الاستقرار الإقليمي. وفي نهاية الاجتماع، سيتوافق المشاركون على بيان سياسي حول المجالات الرئيسية للتعاون الروسي الأفريقي.

«ستراتفور»: بعد انتقال «داعش» إلى هناك.. من سيحارب «الإرهاب» في أفريقيا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد