قصف بالصواريخ، بالبراميل المتفجرة، بالأسلحة الكيميائية والغازات السامة القاتلة، بالأسلحة الخفيفة، بكل أنواع الأسلحة، هذا ما يتلقاه السوريون القابعون في سوريا، والذين ما زالوا داخلها.

وبإعلان الولايات المتحدة الأمريكية في الساعات الأولى من صباح اليوم إطلاق أول غارة أمريكية رسمية موجهة إلى نظام الأسد، في تطور خطير للأحداث والوضع في سوريا، ليصبح الأمر أكثر تعقيدًا، خاصةً أنه يأتي في ظل تحالف وتقارب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع الرئيس السوري بشار الأسد، وأيضًا بتقارب الرئيس لروسي فلاديمير بوتين مع كليهما، ولا أحد يعرف إلى أين قد يتجه الأمر.

اقرأ أيضًا: ترامب يضرب الأسد على خطى «فرانك أندروود».. 5 أسئلة تشرح لك كل شيء

المدنيون دائمًا هم الضحية

هجوم من نظام الأسد، من روسيا، من إيران، من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وحديثًا من الولايات المتحدة بطريقة مباشرة. اللعبة الدولية دائمًا يزعم أطرافها بأنهم يعلمون هدفهم بالتحديد، ولكن هذا ليس ضرويًّا؛ فالمدنيون دائمًا هم الأكثر تضررًا في كل الحالات، سواء بغارات خاطئة، أو مقصودة، دائمًا هم الضحية.

هم الضحية الأكبر لعدة أسباب؛ أولًا لأن كل هذا يحدث في موطنهم، الذي هو من المفترض أن يكون مقر الأمن والأمان والحماية لهم ولأبنائهم وعائلاتهم، بدل التشرد والهجرة، ومحاولات اللجوء من بلدٍ لآخر، في ظل موجات كبيرة من العنصرية التي يوجهونها في مختلف البلدان، منتقلين من دولة إلى أخرى، في محاولة لإيجاد ملجأ خالٍ من القصف والدمار، والموت، والجثث، والأشلاء.

وثاني الأسباب هو المتاجرة بنكستهم في المحافل الدولية، وبزعم عدد من الدول أنهم يدافعون عنهم، وأنهم يضربون ويقصفون مواقع في سوريا من أجلهم، بينما هم لا يعلمون من يقصف من تحديدًا؛ لأن الضحايا دائمًا منهم، وليس من أي طرف آخر؛ فقليل من تنظيم داعش، وقليل من نظام الأسد، والكثير والكثير من المدنيين.

ترامب يقصف مواقع الأسد: وَعَدَ فلم يُخلف بل أسرع

البداية كانت من مجزرة خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي في شمال سوريا، والتي قام فيها النظام السوري بإطلاق غازات السارين السامة على المنطقة، وبرغم نفي النظام السوري حينها مسؤوليته عن هذه المجزرة، إلا أن روسيا أعلنت في اليوم التالي للمجزرة، الأربعاء، أن النظام السوري هو صاحب الهجمة، ولكنها بررت فعلته أنها كانت هجمة على مواقع للمعارضة السورية، رافضةً اتهام دمشق بها، وداعيةً إلى تحقيق مُعمَّق للمجزرة.

وبرغم عقد مجلس الأمن الدولي لاجتماع بخصوص مجزرة خان شيخون، وفي إطار تبنيه لمشروع قرار غربي حولها، إلا أنه فضَّل تأجيل التصويت على المشروع بعد تهديدات من روسيا باستخدام حق الفيتو عليه، نظرًا لكونها أحد الأعضاء الخمسة الدائمين في المجلس، والذين يحق لهم وحدهم استخدام الفيتو.

ولكن بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في رده على المجزرة، بأنه عازمًا على اتخاذ خطوات عسكرية قوية وجادة لحسم الحرب الدامية الدائرة على الأراضي السورية، خاصةً بعد أن حقق الروس وحلفاؤهم الإيرانيون انتصارات ملموسة على الأرض، والتي شهدت قمتها باستردادهم لمدينة حلب، أحد أهم المدن السورية.

وأدان ترامب مجزرة خان شيخون بغاز السارين، والتي راح ضحيتها 100 مواطن، بجانب إصابة 350 آخرين، غالبيتهم من النساء والأطفال الذين لا حول لهم ولا قوة، إذ أكد أن موقفه من الأسد تغير كثيرًا بعدها، محملًا إياه مسؤولية ارتكاب الهجمات الكيماوية، ومؤكدًا أنه لا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية الصمت على الهجمات الكيماوية، ولا يمكنها قبول ما يفعله الأسد، واصفًا أفعاله بالفظيعة، وبأنها إهانة رهيبة للإنسانية، على حد قوله.

وعد ترامب بالتدخل في سوريا جاء على لسان السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، نيكي هايلي، وذلك خلال الاجتماع الطارئ لمجلس الأمن بشأن المجزرة، لتؤكد أنه عندما تفشل الأمم المتحدة باستمرار في مهمتها القاضية بتحرك جماعي، فهناك أوقات في حياة الدول نجبر فيها على التحرك بأنفسنا، وذلك في إشارة إلى استعداد الولايات المتحدة للتدخل الأحادي في سوريا.

كما قال في وقتٍ لاحق، نائب الرئيس الأمريكي، مايك بينس، إن كل الخيارات متاحة أمام بلاده، دون أن يذكر أي تفاصيل.

ترامب عديم الخبرة المتسرع دائمًا

ومن المعروف عن دونالد ترامب صفة التسرع؛ فدائمًا ما يتخذ القرارات دون التشاور مع غيره من المستشارين المختلفين، مثلما حدث في قرار حظر دخول المسلمين للولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك يمكننا فهم الغارة الجوية الأمريكية على سوريا، وكيفما تمت بسرعة شديدة بعد مجزرة خان شيخون بعدد قليل من الساعات والأيام.

صفة أخرى تعيب دونالد ترامب في موقعه الحالي في نظر بعض المراقبين، هو انعدم خبرته السياسية، فهو لم يتول أية مراكز سياسية من قبل، وإنما كانت رؤيته السياسية دائمًا نابعة من منظور المصلحة الشخصية، وذلك نظرًا لكونه رجل أعمال في المقام الأول.

ونتيجةً لذلك، فإن عددًا من المحللين يرون أن ترامب حاليًا في طور تكوين أفكاره السياسية الخالصة، الخاصة بالسياسة الخارجية وغيرها، والتي قد تختلف عن أفكاره وقت الحملة الرئاسية عامي 2015، و2016، ولذلك فهو متذبذب بشدة في الوقت الحالي، وقد يتخذ إجراءات متناقضة مع أفكاره وقت الحملة، ومن ضمنها رأيه في حل الأزمة السورية.

كيف تحولت رؤية ترامب تجاه الأزمة السورية؟

وتمثلت رؤية دونالد ترامب لحل الأزمة السورية في عدة نقاط، أبرزها التوقف عن دعم المعارضة السورية بأي شكل من الأشكال، وذلك بالرغم من طلبها المساعدة منه، بالإضافة إلى التحالف ودعم نظام بشَّار الأسد، عن طريق التحالف مع الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، وبالرغم من تأكيد الرئيس المنتخب دونالد ترامب على أنه «لا يحب بشَّار الأسد مطلقًا» إلا أنه يرى أن «تعزيز نظامه هو الطريق الأفضل للقضاء على التطرف الذي ازدهر في فوضى الحرب الأهلية، والذي يهدد بتبعاته الولايات المتحدة».

وبالتالي فأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية، منذ فوز دونالد ترامب بالرئاسة، طرفًا جديدًا داعمًا لنظام الأسد في الفترة المقبلة، جنبًا إلى جنب مع إيران وروسيا، برغم خلافت رامب الشديد مع إيران.

ولكن بإعلان الهجوم الصاروخي للولايات المتحدة على سوريا، فيتغير الوضع تمامًا مع رؤية ترامب لحل الأزمة وقتما كان مرشحًا للرئاسة.

ماذا عن الخطوة القادمة؟

التفاصيل التي أعلنتها الولايات المتحدة حتى الآن، والتي لا نملك سواها، هي أن الجيش الأمريكي شن هجومًا صاروخيًّا مكونًا من عدد يترواح بين 50 و60 صاروخًا، وذلك على مطار الشعيرات العسكري، الذي يبعد 31 كيلومترًا عن جنوب شرق مدينة حمص، وسط سوريا، والذي يضم عددًا كبيرًا من الطائرات العسكرية الخاصة بنظام الأسد، بالإضافة إلى عدد من صواريخ أرض- جو.

وبين تأييدات عربية ودولية للخطوة الأمريكية، تقابلها دعوات بالرفض والتنديد من دول مثل روسيا وإيران؛ إذ اتهمت الأولى الولايات المتحدة بأن الضربة تمثل انتهاكًا للقانون الدولي، وتمثل هجمة على دولة ذات سيادة، فإننا لا نعلم تحديدًا كيف ستؤول الأحداث الفترة القادمة.

وفي ظل إشارة عدة مواقع إخبارية إلى أن الولايات المتحدة قامت بالتنسيق مع أطراف داعمة للأسد بخصوص الضربة، مثل التنسيق مع روسيا، والتنسيق مع الصين. وبرغم الإدانة الشديدة الروسية للضربة، إلا أنه يوجد عدة توقعات بشأن هذا الأمر.

التوقع الأبرز هو قرب نهاية نظام الأسد، فيرى البعض أن الولايات المتحدة برئيسها الحالي هي أفضل حليف لروسيا من الأسد نفسه، وبالتالي فقد نرى في الفترة القادمة بدايةً لتخلي روسيا عن الأسد، أو ربما حدوث هذا في الخفاء دون إعلان واضح، وفي ظل هذا التوقع، فإن نظام الأسد إلى جانب دعم إيران، لن يصبح كافيًا، وقادرًا على استمرار الأسد مثلما كانت روسيا بجانبه.

التوقع الثاني هو استمرار خريطة داعمي الأسد كما هي، ولكن بدون الولايات المتحدة بالطبع، ولكن انضمام ترامب إلى خريطة معارضي الأسد، وليس فقط بالقول، بل بالفعل أيضًا، وخاصةً في ظل تأييد عربي ودولي لخطواته، ومباركات بالضربة الجوية، فقد نرى في المستقبل تحالفًا بقيادة الولايات المتحدة للقضاء على نظام الأسد، وبعضوية عدد كبير من الدول العربية والأجنبية، وإلى جانب توقعات بمشاركة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في هذه الحالة، وهو ما قد يساهم بشكل كبير في القضاء على الأسد، حتى في ظل وجود روسيا وإيران بجانبه.

ولكن تبقى كل هذه مجرد احتمالات واقتراحات متساوية النسبة، لا يوجد احتمال أقرب للحدوث من الآخر، وستكشف لنا الفترة القادمة ما سيحدث بالتأكيد.

عرض التعليقات
s