أصدرت قبل أيام منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة دليلا للإسعافات الأولية النفسية، يتألف من 68 صفحة. يورد الدليل، الذي أعده مجموعة من الخبراء في الميدان واتفقت حوله المنظمات الدولية العاملة في المجال، مختلف المعلومات والأساليب الناجعة التي قد يحتاجها الأفراد بشكل عام لتقديم المساعدة النفسية الأولية لضحايا الأزمات والحوادث.
سنحاول في هذا التقرير تلخيص أهم ما جاء فيه، لما له من أهمية خصوصا بالنسبة لشعوب المنطقة العربية والإفريقية الحافلة بالحروب والكوارث والحوادث.

أولا ماذا نقصد بالإسعافات الأولية النفسية؟

قد يحدث أحيانا أن تجد نفسك شاهدا على فاجعة أصابت مجتمعك المحلي أو بلدك أو المكان الذي توجد فيه، ربما تكون حربا، وربما كارثة طبيعية مثل الزلازل والفيضانات والحرائق، أو حتى حوادث مرور أو وقائع عنف متبادل، فيفقد بعض الناس بيوتهم وأحبتهم، وقد يضيع آخرون وسط الموت والدمار والعنف، فنجد أنفسنا مرتبكين، أو لا نعرف ماذا نفعل لنساعد أولئك الأشخاص المتضررين.
ومن هنا تأتي الحاجة لمعرفة الطريقة المثلى لمساعدة الآخرين المتأثرين بالفاجعة في أسرع وقت ممكن، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن والمصابين بعاهات جسدية أو نفسية والمهمشين، بدون أن نكون بالضرورة تابعين لمنظمة إغاثية ما أو جمعية محلية.

 

 

 

 

a

تعرف اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات الإغاثية الإسعافات النفسية الأولية بأنها “تصف استجابة إنسانية داعمة لأشخاص يتعرضون للمعاناة وقد يكونون بحاجة إلى الدعم”، وهي تمثل جزءا فقط من أشكال الإغاثة لضحايا الأزمات بجانب فرق الإنقاذ والتطبيب وأجهزة الأمن والخدمات الاجتماعية،تنطوي المساعدة النفسية الأولية على ما يلي:
1- مساعدة المتضررين على تلبية حاجاتهم الأساسية، ويشمل ذلك التطبيب والغذاء والماء والمأوى والكساء.

2- تقديم المعلومات الدقيقة لهم لما حدث، ولكيفية استفادتهم من الخدمات المتوافرة.
3- إشعارهم بالأمن وحمايتهم من التعرض لمزيد من الأذى والضرر.

4- الاستماع إلى قصصهم وحاجاتهم لتخفيف حجم الضرر النفسي الذي حل بهم ومساندتهم.

كيف يمكنني أن أقدم المساعدة الأولية النفسية لفاجعة قد أحضرها؟

قد تتواجدون في أماكن تشهد حربا أو كوارث طبيعية، أو قد تصادفون حوادث سير أو عنف، فيكون من اللازم علينا تخفيف حجم الضرر على المتأثرين، وذلك بتقديم المساعدة النفسية الأولية التي لا تتطلب مهارة متخصصة.
و من أجل ذلك، ينبغي أن نتذكر ثلاث عمليات أساسية نقوم بها، حتى نقدم المساعدة بشكل سليم وفعال.

تقييم الوضع

عادة ما تحدث الأزمات فجأة أمام أعيننا، فلا تتاح الفرصة للتحضير أو الاستعداد لها، إلا أننا نحتاج ولو للحظات للالتقاط أنفاسنا إزاء ما يحدث أمامنا أو في مكان قريب من موضعنا، ولمسح سريع لما حدث، حتى نكون هادئين وآمنين، إذ حينها فقط نفكر بشكل سليم مما يجعلنا نتصرف على نحو فعال، لمنع تعريض حياتنا للخطر أو تعريض المتضررين لأذى أكثر بدون قصد. ومن ثمة ينبغي أن نفكر في هذه الأسئلة قبل التصرف.

  • ما هو حجم الأخطار المحدقة بمكان الواقعة؟ في حالة عدم التأكد من أمان الموقع ينصح بعدم الذهاب إلى هناك وتقديم ما يمكن من مساعدة عن بعد بطريقة ما.
  • من هم الأشخاص الذين يحتاجون لمساعدة عاجلة؟ قد نجد الكثير من المتضررين من الأزمة، لذا فعلينا أن نختار بشكل سريع من لهم الأولوية، وهم المصابين بجروح خطيرة الذين ينبغي فورا إحالتهم لفرق التطبيب، ثم الأطفال وكبار السن والنساء والمجموعات المهمشة والأقليات المعرضة للإهمال أو الاضطهاد وقت الحادث.

b

  • كيف يمكنني تقديم المساعدة بشكل أفضل وفعال لأقصى درجة ممكنة؟ علينا أن نفكر قبل التصرف بالطرق المثلى لتوفير الدعم للمتضررين، ولتنظيم مهمتنا إن كنا نعمل في فريق، وجمع المعلومات اللازمة عن الخدمات وأشكال الدعم المتوفرة وطريقة الاتصال بها.

    ربط المتضررين بخدمات الدعم العاجلة

    يحتاج المتأثرين بالفاجعة إلى خدمات أساسية عاجلة، فلا يتمكنون من الوصول إليها إما بسبب الإصابة أو الإجهاد أو حتى قلة معرفتهم، وهنا يأتي دور الأفراد الذين يقدمون مساعدة أولية نفسية، حيث يربطونهم بتلك الخدمات التي يحتاجون إليها، وهي كما يلي:

  • الغذاء والماء والتطبيب والمأوى والصرف الصحي، كلها حاجات أساسية بالنسبة لضحايا الحروب والكوارث، الذين قد لا يتمكنون من الوصول إلى المراكز الحكومية أو الجمعوية التي تقدم هذه الخدمات، فينبغي إيصالهم لهذه المراكز التي قمنا قبلا بجمع المعلومات حولها وطريقة الوصول إليها.
  • عادة ما يكون الأطفال في أعقاب الفواجع منسيين من قبل أهلهم؛ نتيجة الصدمة أو الإجهاد، فيحتاجون لاهتمام خاص، من رعاية صحية وزجاجات حليب وتبديل الملابس.
  • اشرحوا للناس النازحين من الكوارث أو الحروب كيفية التسجيل لتلقي المساعدة الغذائية والمعونات المادية والحصول على المأوى، وسؤالهم عما يحتاجونه وما قد يحسن حالهم، ومساعدتهم على تلبية ذلك.
  • قدموا المعلومات للناس المتأثرين حول ما جرى حولهم ارتباطا بالأزمة والخطط التي تنوي فعلها أجهزة الحكومة أو المنظمات الإغاثية، كما ينبغي تزويدهم بمعلومات الاتصال بمختلف مراكز الخدمات، في حالة تعذر إحالتهم إليها مباشرة.
  • اربطوا الأشخاص بأحبتهم وعائلاتهم، فخلال الأزمات يضيع الأطفال أو بعض أفراد العائلة وسط الفوضى والحشود، فساعدوهم على جمع شملهم بإحالتهم لمراكز تتبع أثر الأقرباء، أو وفروا لهم سبل الاتصال بمن يرغبون.

الاستماع إلى قصص الضحايا

للتو عصفت أزمة بسكان بلدة قريبة منك، قد يكون زلزالا مدمرا أو فيضانا جارفا أو حربا أو أحداث عنف، فتوجهت إلى مكان المتضررين بعد أن تم إجلاؤهم من قبل فرق الإنقاذ، سترى أشخاصا مرتبكين للغاية ولا يعرفون ماذا يفعلون، وآخرين قلقين ومرعوبين، وقد تشاهد أناسا مصدومين لدرجة البلادة، إنهم في هذه اللحظات يحتاجون، بعد تقديم الاحتياجات الأساسية لهم من تطبيب وغذاء ومأوى ومعلومات عن الخدمات، لدعم نفسي عاجل، فربما تتحول الصدمة لدى البعض إلى جرح عميق في حياتهم مستقبلا.
إن أفضل طريقة لتقديم مساعدة نفسية بسيطة لهم هي الهدوء والاستماع الجيد والتواصل معهم بشكل سليم، وعليه ينبغي مراعاة الملاحظات الآتية:

  • حاولوا أن تكونوا هادئين ومتماسكين مهما كان حجم الدمار والضحايا، ومخاطبتهم باحترام وبدون إظهار الانفعال أو التأثر على مستوى نبرة الصوت وقسمات الوجه، حيث سيساعدهم ذلك على الإحساس بالهدوء والأمن.
  • شجعوا الأشخاص المتضررين على سرد ما وقع لهم دون أن تعقبوا على حكيهم، وسؤالهم بعدها فيما يحتاجونه لمساعدتهم، واسألوهم عن مخاوفهم لعمل ما يلزم لتأمينهم.
  • أخبروهم بأنكم تتعاطفون مع قصتهم، وتفهموا ما قد يصدر عنهم من كلام أو سلوكيات قد لا تروق لكم، فقد تجتاحهم مشاعر الغضب أو التأثر أو البلادة بسبب الحدث، فحاولوا مساعدتهم على اجتياز تلك الحالة بهدوئكم، وإحالتهم إلى ما عليهم فعله لتخفيف حالتهم مثل شرب الماء أو أخذ قسط من النوم والراحة أو التمشي قليلا مثلا.
  • لا تحكموا على ما يقولونه بالسلب أو الإيجاب فقط أظهروا الإنصات، ولا تلوموهم على أشياء لم يفعلوها أو أشياء كان عليهم فعلها، وأظهروا جانب الأمل في مستقبل حياتهم بدون مبالغة.
  • تكلموا وتصرفوا ببساطة وبطرق تأخذ بالاعتبار ثقافة الشخص وعمره وجنسه وتقاليده وديانته، وساعدوهم على ربطهم بالجانب الروحي في معتقدهم إن رغبوا في ذلك، فالمعتقدات الدينية لها دور كبير في تخفيف الضرر النفسي على الناس أثناء الأزمات خصوصا.

ملاحظات قبل أن تقدم على المساعدة

هذه ملاحظات، تذكروها أثناء إقدامكم على تقديم المساعدة الأولية النفسية لضحايا الأزمات:

  • من الأفضل العمل على شكل فريق، سواء بالانضمام إلى منظمة إغاثية تعمل في مكان الأزمة، أو بالانتظام في مجموعة من مجتمعك المحلي، حيث سيتم تقسيم العمل والتنسيق فيما بينكم طوال الوقت، هذا الأمر سيسهل مهمتكم ويجعلها أكثر فعالية.
  • في أول لقاء لك بأحد المتأثرين، عرفه باسمك وبأنك أتيت هنا للمساعدة، ثم دعه يتجه معك إلى زاوية بالمكان تحفظ خصوصيته، واستمع لقصته ثم تحدث معه باحترام إن كان يحتاج لأمر ما.
  • لا تخبروا الشخص بمعلومة غير دقيقة أو غير متأكدين منها، فقد تتسببون في ضياعه.
  • قبل أن تتجهوا لمكان الأزمة الذي قد يكون مليئا بالمشاهد المروعة مثل الأشلاء والموتى والمصابين والخراب، تأكدوا أنكم مستعدين نفسيا ومعرفيا بما فيه الكفاية لتقديم المساعدة للآخرين، وإلا فلا تتجهوا للمكان، ولا تنسوا الاعتناء بأنفسكم أولا خلال أداء مهمتكم بعدم تعريض ذواتكم للخطر أو الإهمال فتصبحوا رقما إضافيا للضحايا المحتاجين للمساعدة.
  • لا تستغلوا مساعدتكم للآخرين لتأثير على معتقدهم الديني أو للحصول على المال أو منفعة ما منهم، لذا قم بتحييد معتقداتك ومصالحك جانبا قبل التوجه لمساعدتهم.

c

  • لا تميزوا بين من يحتاج للمساعدة على أساس الدين أو المذهب أو العرق أو المكان، فلكل إنسان الحق في المساعدة.
  • لا تكونوا متطفلين أو لحوحين، وتفهموا رغبة الشخص في حالة عدم رغبته بسرد قصته.
  • كونوا أشخاصا صادقين ومتواضعين ومتعاطفين وجديرين بالثقة، فلا تدلوا بوعود زائفة أو معلومات غير حقيقية، ولا تحاولوا تقمص أدوار ليس لديكم خبرة بها، أو أن تحلوا جميع مشاكل المتضرر، فقط اربطوا الناس المتأثرين بمراكز الخدمات الإغاثية (الطبية والاجتماعية والنفسية والأمنية وفرق الإنقاذ) واستمعوا لقصصهم بتعاطف، وقوموا بما يمكنكم فعله لمساعدتهم، واتركوا ما لا تستطيعون القيام به.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد