تمتلك مصر مساحات شاسعة من المسطحات المائية التي تتجاوز 13 مليون فدان، وتتوزع هذه المسطحات على مصادر طبيعية كالبحار مثل: البحر الأحمر، والبحر المتوسط، وكذلك البحيرات مثل: المنزلة، والبرلس، وإدكو، وقارون، ومريوط، والبردويل، وكذلك البحيرات المرة، وهناك مصادر المياة العذبة، والتي تتضمن: نهر النيل، والترع، والمصارف. كما تتضمن هذه المسطحات مصادر اصطناعية، كبحيرة ناصر، والريان، وكذلك مئات المزارع السمكية المنتشرة في أنحاء الجمهورية.

ووفقًا لهذه المساحة الكبيرة من المسطحات المائية؛ فإنها تؤهل مصر لتصبح دولة مُصدرة بجدارة للأسماك والكائنات البحرية، إلا أنها على العكس من ذلك، حيث تقوم باستيراد كميات كبيرة من الأسماك لسد الفجوة الغذائية، بما يتجاوز 250 ألف طن سنويًّا.

الإنتاج السمكي العالمي

على صعيد الإنتاج العالمي من الأسماك، فإنه وفقًا لبيانات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة FAO، في تقريرها عن حالة الموارد السمكية والأحياء المائية لعام 2016، فإن الإنتاج العالمي من الأسماك في عام 2014 قد بلغ 167.2 مليون طن، ساهمت المصايد الطبيعية (من المحيطات والبحار والبحيرات والأنهار الطبيعية) في إنتاج 93.4 مليون طن، وتصدرت الصين إنتاج هذا القطاع، يليها إندونيسيا، ثم الولايات المتحدة، وروسيا.

بينما بلغت تربية الأحياء المائية (البحيرات الصناعية والمزارع السمكية) 73.8 مليون طن، وتصدرت الصين أيضًا الإنتاج في هذا القطاع، ثم جاءت الهند، ويليها فيتنام، وبنجلادش، ومصر، كبلدان رئيسية في إنتاج هذا القطاع.

كما تم تقدير من يعملون في قطاعي مصايد الأسماك، وتربية الأحياء المائية، بحوالي 56.6 مليون شخص في عام 2014، ومنهم 84% في آسيا وحدها، تليها أفريقيا 10%، وأمريكا اللاتينية، ومنطقة البحر الكاريبي 4%. ويعمل بإنتاج الأحياء المائية في مصر حوالي 580 ألف عامل.

ويقدر إجمالي عدد سفن الصيد في العالم في عام 2014 بحوالي 4.6 مليون سفينة، وكان الأسطول في آسيا، هو الأكبر عددًا، إذ يتألف من 35 مليون سفينة، تشكل حوالي 75% من الأسطول في العالم، ثم تأتي أفريقيا 15%، و10% لباقي دول العالم.

ووفقًا لتقرير الفاو، فإن التجارة الدولية تلعب دورًا رئيسيًّا في قطاعي مصايد الأسماك، وتربية الأحياء المائية، فهي تساهم في خلق فرص العمل، وتوفير الغذاء، وتوفير الدخل، وتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية، وأيضًا في تحقيق الأمن الغذائي والتغذية. وتمثل الأسماك والمنتجات السمكية أحد أكثر قطاعات الغذاء العالمي تداولًا في التجارة. وفي العديد من البلدان والمناطق الساحلية والنهرية، تعد صادرات الأسماك والمنتجات السمكية ضرورية للاقتصاد، إذ تمثل أكثر من 40% من القيمة الإجمالية للسلع المتداولة في بعض البلدان الجزرية، وتمثل على الصعيد العالمي أكثر من 9% من مجموع الصادرات الزراعية من حيث القيمة، و1% من التجارة في السلع.

والصين هي المنتج الرئيسي للأسماك في العالم، وأكبر مُصدر للأسماك والمنتجات السمكية، وهي أيضًا بلد مستورد رئيسي، وفي عام 2015، سجلت النرويج، وهي المصدر الرئيسي الثاني، قيمًا قياسية للصادرات، وفي عام 2014، أصبحت فيتنام البلد المصدر الرئيسي الثالث، متجاوزة تايلاند. أما بالنسبة لأكبر الدول المستوردة، فكان الاتحاد الأوروبي، في عامي 2014، 2015، هو السوق الأكبر لواردات الأسماك، وبفارق واسع، يليه سوق الولايات المتحدة، وسوق اليابان.

وينتج العملاق الصيني أكثر من ثلث الإنتاج العالمي، بحوالي 67 مليون طن. وتنتج مصر حوالي مليون و400 ألف طن سنويًّا.

وتعد الثروة السمكية، مصدرًا كبيرًا من مصادر الدخل القومي، حيث تبلغ قيمة الإنتاج السمكي في مصر حوالي ملياري دولار.

صيد الأسماك في إندونيسيا

استيراد رغم الإمكانيات

في حواره بأحد البرامج التليفزيونية على أحد القنوات الفضائية، قال محمد الفقي رئيس الاتحاد التعاوني للثروة السمكية، إن مصر تمتلك 13 مليون فدان مسطحات مائية، ومع ذلك تستورد الأسماك. كما أن الاستثمارات في قطاع الاستزراع السمكي تبلغ 11 مليار جنيه، وقيمة الإنتاج 22 مليار جنيه سنويًّا.

وأوضح الفقي، إن قطاع الاستزراع السمكي في مصر، يعاني من غياب إدارة المصايد، وتطبيق القانون في مواجهة المخالفات، والصيد الجائر والسريع، وتلوث المياه بالمواد البترولية.

تتفوق العديد من الدول في الإنتاج السمكي على مصر، رغم إن هذه الدول تمتلك مساحات أقل من المسطحات المائية بالمقارنة مع المساحة التي تمتلكها مصر، بحيث أصبح الإنتاج السمكي، يمثل مصدرًا رئيسيًّا من مصادر الدخل القومي، وتوفير النقد الأجنبي لهذه الدول.

والواقع إن هناك إهدارًا كبيرًا للإمكانات السمكية التي تمتلكها مصر، ما يفوت عليها الفرصة في توظيف آلالاف العاملين في هذه الصناعة، بالإضافة إلى المساهمة بشكل أساسي في مصادر النقد الأجنبي جنبًا إلى جنب مع المصادر الشهيرة لتدفقات العملة الصعبة مثل: قناة السويس، والسياحة، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج.

كما يؤدي هذا الإهدار في الموارد التي تتميز بها مصر، إلى تضييع الفرصة من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأسماك، وتحقيق الأمن الغذائي المصري، بدلًا من الاستيراد؛ مما يساهم في تحقيق عجز في الميزان التجاري في مصر، واستنزاف موارد النقد الأجنبي لتلبية هذه الواردات.

مراكب تصطاد في بحيرة ناصر

الفساد يدمر الثروة السمكية

من أهم الأسباب، التي أدت بالثروة السمكية في مصر إلى هذا المستوى المتردي من الإنتاج، وتدمير هذه الصناعة الواعدة، هو الفساد.

فكم قضايا الفساد التي تم الكشف عنها، يوحي بأننا أمام بؤرة فساد كبيرة، أدت وما زالت تؤدي إلى إهدار المال العام، وتضييع كنز من الكنوز الطبيعية لمصر، بحسب العديد من المراقبين.

ففي تقرير للبنك المركزي، كُشف عن صرف 14 مليون جنيه مكافآت وبدلات غداء لمستشارين بمشروع استزراع سمكي. وكذلك حصول قيادات الثروة السمكية على 2.8 مليون جنيه مكافآت شهرية، بنسبة 33% من قيمة منحة إيطالية. والكثير من المكافآت، والتلاعب في المناقصات، وشراء سيارات ووظائف وهمية.

كما تضمنت وقائع فساد، إهدار حوالي 50 مليون جنيه، في هيئة الثروة السمكية بسبب تحميل موازنة الهيئة مبالغ لم يتم القيام بأيه أعمال مقابلها، ومخالفات في تحصيل مزادات مبيعات الأسماك، وتأجير مزارع، والتغافل عن مصادرة التأمين النهائي المستحق على المستأجرين نتيجة لمخالفات، وعدم الاستفادة من مساحات أراضي ملك الهيئة، وغيرها من المخالفات.

وكشف نقيب الصيادين بأسوان، عن تسبب هيئة الثروة السمكية بأسوان، في إهدار المال العام بمبالغ تجاوزت ثماني ملايين جنيه بسبب فقد 850 ألف زريعة.

وكذلك كشف أحد تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات، وتحقيقات النيابة، عن تورط مسؤولين بالهيئة في توريد لانش «هوفر كرافت» لبحيرة البردويل بمحافظة شمال سيناء، بقيمة مالية تصل إلى مليون جنيه، وذلك بالتعاون مع مقاول من الباطن.

كما قضى حكم لمحكمة القضاء الإداري في شهر أبريل (نيسان) الماضي، بخصوص بحيرة إدكو، إن البحيرة تحولت إلى مساحة مستباحة يسيطر عليها عددٌ من كبار عائلات المدينة الساحلية، ورموز الحزب الوطني المنحل، حتى وصل حجم التعدي على البحيرة إلى خمسة آلالاف فدان تم تحويلها إلى مزارع سمكية لصالح عدد محدود من كبار رجال الأعمال.

وكشف البلاغ رقم 19101 عرائض النيابة العامة المقدم في السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، عن قيام مسؤولين بوزارة الزراعة بتسهيل الاستيلاء على أرض بقيمة 756 مليون جنيه، من بحيرة المنزلة بمنطقة شطا بدمياط، التابعة لهيئة الثروة السمكية، حيث تم الحصول عليها بالاستيلاء على مساحة 45 فدانًا من أراضي الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية التابعة لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، في بحيرة المنزلة بمحافظة دمياط.

كما كشفت مباحث الأموال العامة بمديرية أمن الإسكندرية، قضية فساد كبيرة بشركة تابعة للهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، أضرت بالمال العام، وأسندت أبراج سكنية على قطعة أرض قيمتها 200 مليون جنيه، إلى شركة غير متخصصة بالمخالفة لقانون المناقصات لتحصل على 20% من الأرباح.

هذا غيض من فيض. عشرات من قضايا الفساد بإهدار المال العام تم الكشف عنها، بخلاف الأُخر التي تعبث بمقدرات الدولة المصرية في الخفاء.

ري المزارع السمكية بمياه الصرف بحكم القانون

بحسب دراسة عن أسباب رفض الاتحاد الأوروبي استيراد الأسماك من مصر؛ فإن الاتحاد الأوروبي قد توقف عن استيراد الأسماك المصرية منذ عام 1996، لأسباب عديدة أهمها تلوث الأسماك المصرية بملوثات عديدة، بدءًا من استخدام الثلج المصنع من النشادر «الأمونيا»، في حفظ ونقل وتداول الأسماك؛ مما يؤدي إلى الإصابة بالفشل الكلوي، واستخدام طاولات خشبية -بدلًا من الطاولات البلاستيكية الصحية– لنقل الأسماك إلى المراكب، والتي بمجرد رؤية المستوردين الأجانب لها، فإنهم يمتنعون عن استيراد الأسماك.

كما أكد الدكتور محمد فتحي عثمان، رئيس الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية الأسبق، إن «الدول الأوروبية تحظر استيراد الأسماك من مصر، لأنها تعيش في مياه ملوثة بمياه الصرف الصحي؛ مما أدى لتلوث لحومها». وذلك لأن المادة 84 من القانون رقم 124 لسنة 1983، تمنع استخدام مياه الري في الاستزراع السمكي، ليصبح البديل هو استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي الملوثة.

وأكد المهندس محمد علي طه، رئيس الإدارة المركزية للإنتاج والتشغيل بالهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، لبرامج على إحدى الفضائيات، أن القانون يحظر ري المزارع السمكية من المياه العذبة، وإنما ينبغي ريها من المصرف، وأكد أن مياه المصرف، قد تكون من مصرف صحي أو صناعي أو زراعي.

وتحتوي مخلفات الصرف الصحي على ميكروبات التسمم الغذائي، وهذه الميكروبات لها القدرة على التكاثر. والتلوث بالمعادن الثقيلة، وأهمها الكادميوم والرصاص والزئبق، وحسب المواصفات القياسية المصرية فإن الأسماك الطازجة والمجمدة يجب ألا تحتوي على أكثر من 0.1 رصاص، و0.1 كادميوم بالملليجرام/كجم، بينما تكون خالية تمامًا من الزئبق، ورغم ذلك تتجاوز هذه النسب بكثير. والتلوث بالمبيدات الحشرية التي تنزل مع ماء الصرف، وتتركز في الأعشاب البحرية والأحياء الدقيقة ومنها الأسماك، بالإضافة إلى ما تأخذه الأسماك مباشرةً من الماء.

نفوق أحد الأسماك بسبب التلوث

بحيرة ناصر نموذجًا

على سبيل المثال، تعد بحيرة ناصر، هي ثاني أكبر بحيرة صناعية في العالم بعد بحيرة فولتا، وتبلغ‮ ‬مساحتها 500 ‬كيلومتر، ويبلغ‮ ‬طول شواطئها ‮سبعة ‬آلاف كيلومتر، فضلًا‮ ‬عن تمتع هذا المسطح المائي الضخم، بأنقى وأصلح بيئة طبيعية لإنتاج الأسماك، ورغم توافر كل ذلك فلم تحقق البحيرة المرجو منها، بل على العكس، يتراجع إنتاجها عامًا بعد آخر، ويرجع ذلك لسوء الإدارة، والإهمال الكبير، وعدم تطبيق القانون‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

ففي شهر أغسطس (آب) الماضي، قال إبراهيم محلب، مستشار رئيس الجمهورية للمشروعات القومية، في مؤتمر صحفي عقده بمحافظة أسوان: «إننا قادرون على تحقيق الاكتفاء الذاتي لمصر بالكامل من الثروة السمكية لبحيرة ناصر عقب الانتهاء من الخطط التي تم وضعها لتنمية البحيرة».

وفي أغسطس (آب) الماضي أيضًا، تقدم النائب عامر الحناوي عن حزب المصريين الأحرار، بطلب إحاطة إلى لجنة الزراعة والري بالبرلمان، للدكتور عصام فايد وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، ورئيس هيئة بحيرة السد العالي بأسوان، بشأن نقص إنتاج بحيرة ناصر من الأسماك بنسبة 80%.

وكان الحناوي قد أكد في بيان له، أن إنتاج البحيرة من الأسماك انخفض إلى 80% من إنتاجها، بعدما كانت أكبر مجمع مائي لإنتاج الأسماك النيللية العذبة، مشيرًا إلى أن البحيرة تعاني من الإهمال، علاوة على وجود ما يقرب من 18 ألف تمساح يقومون بالتهام أطنان من الأسماك.

مراكب في بحيرة ناصر

قيمة صادرات الدول الأجنبية من الأسماك

تولي الدول التي لديها إمكانات طبيعية للإنتاج السمكي، العناية الكاملة بهذا القطاع الحيوي؛ حيث إن المأكولات البحرية تعتبر جزءًا مهمًا من النظام الغذائي للإنسان. كما يعتبر إنتاج وصناعة الأسماك من المصادر الرئيسية التي تضفي قيمة اقتصادية كبيرة للدول.

وفيما يلي قائمة لأكبر 10 دول تصدر كميات كبيرة من المنتجات الغذائية البحرية، بما في ذلك الأسماك والقشريات والرخويات وغيرها، وقيمة صادراتها.

10- إندونيسيا: 3.11 مليار دولار أمريكي.

9- هولندا: 3.13 مليار دولار.

8- السويد: 3.7 مليار دولار.

7- تشيلي: 4 مليار دولار.

6- كندا: 4.2 مليار دولار.

5- الهند: 4.6 مليار دولار.

4- الولايات المتحدة: 5.1 مليار دولار.

3- فيتنام: 5.8 مليار دولار.

2- النرويج: 8.8 مليار دولار.

1- الصين: 14.1 مليار دولار.

ويمكن لمصر إذا ما استغلت قدراتها السمكية الاستغلال الأمثل، من خلال مواجهة حقيقية للفساد المتجذر في قطاع الثروة السمكية، بالإضافة إلى استخدام الأساليب الحديثة في الصيد والاستزراع السمكي، وتطبيق القانون بصرامة دون محاباة، وري المزارع بالمياه العذبة، وحظر ريها بمياه الصرف، يمكن لها أن تدخل هذه القائمة وتنافس فيها أيضًا.

كما يمكن لقطاع الثروة السمكية، أن يتخطى إيرادات قنوات تدفق النقد الأجنبي الشهيرة بسهولة، مثل قناة السويس، والسياحة.

على سبيل المثال، في العام الماضي، حققت إيرادات قناة السويس حوالي 5 مليارات دولار فقط، رغم إنفاق مليارات الجنيهات في عملية توسعة القناة منذ عام تقريبًا. أما الإنتاج السمكي لمصر الآن، فيبلغ حوالي ملياري دولار، على الرغم من كم الفساد الكبير الذي ينتشر بقوة في هذا القطاع، بالإضافة إلى أساليب الإدارة التي يراها العديد من المراقبين بالية، وسوء الاستغلال الذي يقود هذا القطاع الآن.

عرض التعليقات
تحميل المزيد