جميعنا قد سمع عن انقراض الديناصورات في مرحلة ما من حياته، لكن المثير للاهتمام أن انقراض الديناصورات كان حدثًا مهمًّا ضمن عدة أحداث أخرى مر بها كوكب الأرض خلال 4.6 بليون سنة إلا أنه لم يكن الانقراض الوحيد، فكوكب الأرض له تاريخ طويل من التغيرات والتحولات الجذرية التي غيرت شكل الحياة عليه بالكامل، واليوم سنتعرف إلى الانقراضات الخمس الكبيرة في تاريخ كوكبنا، ولكن علينا أولًا أن نبدأ بتعريف الانقراض فما الانقراض؟ وماذا يعني؟ وما الفرق بين الانقراض العادي والانقراض الكبير؟

يعرف الانقراض بأنه الاختفاء الكامل للأنواع الحية بعد موت آخر أفراد ذلك النوع، وعادة ما يستغرق الانقراض الكامل للأنواع فترات طويلة للغاية من الوقت، ولا يحدث مرة واحدة بل على فترات، وهو ما يعرف بالانقراض العادي، وهو حركة طبيعية تسببها ظروف الكائنات الحية وبيئتها المعيشية، أما الانقراض الكبير فهو حدث استثنائي يتميز أولًا بأنه جماعي بشكل كبير، ويحدث في وقت واحد أو متزامن بأماكن مختلفة، كما أن ضحاياه يكونون عددًا كبيرًا من الكائنات الحية الموجودة على اختلافها.

وتتعدد مسببات الانقراضات الكبيرة فمنها التغيرات المناخية الحادة، والكوارث الجيولوجية مثل الانفجارات البركانية المتعددة، وكذلك اصطدام النيازك بسطح الأرض. وقد مرت الأرض خلال آخر نصف بليون سنة بخمس انقراضات كبيرة أدت لتغير شكل الحياة بها في كل مرة وظهور كائنات وأشكال حياة جديدة ومختلفة عما سبقها، سنتعرف إليها الآن.

1- عصر الثلج المميت.. الانقراض الأوردوفيشي

كانت الفترة الأوردو فوشية، فترة تغيرات دراماتيكية للحياة على الأرض، فعلى مدى 30 مليون عام، ازدهر تنوع الكائنات الحية، إلا أنه مع انتهاء تلك الفترة، حدث أول انقراض جماعي كبير معروف، إذ حبس التجلد الهائل (تحول الماء إلى جليد) كميات هائلة من الماء في غطاء جليدي غطى أجزاء كبيرة من كتلة اليابسة القطبية الجنوبية، ولا يعرف العلماء على وجه الدقة المتسبب الرئيسي في هذا الانقراض الأول، إلا أن إحدى الفرضيات النظرية المتداولة تقول بأنه ربما كان السبب في الهجوم الجليدي ظهور وتكون جبال الأبلاش في أمريكا الشمالية، والتي امتصت كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي مما تسبب في تبريد الكوكب بشكل كبير.

أدت ظاهرة التجلد على هذا النطاق الواسع إلى تجميد نسب عالية من مياه العالم، وخفض مستويات البحار العالمية بشكل كبير، مما أدى إلى تجريد العديد من الموائل الحيوية للكائنات، وترتب عليه تدمير سلاسل الغذاء وتقليل فرص نجاح الكائنات في التكاثر والإنجاب، وفقًا لدراسة نشرت في دورية خاصة بعلوم المحيطات «Oceanology».

ومع ذلك، لا يتفق جميع العلماء مع هذا التفسير؛ إذ تشير النظريات البديلة إلى أن التسمم المعدني ربما يكون قد تسرب إلى مياه المحيطات خلال فترة نضوب الأكسجين، مما أدى إلى القضاء على الحياة البحرية.

بينما يقترح بعض العلماء الآخرين أن انفجار أشعة جاما من مستعر – هو انفجار نووي كارثي ينتج من جذب نجم قزم أبيض لغاز الهيدروجين إلى سطحه- أحدث ثقبًا هائلًا في طبقة الأوزون؛ مما سمح للأشعة فوق البنفسجية القاتلة بقتل الحياة في الأسفل، وفقًا لدورية «الفيزيائيون الأمريكيون»، وآخر النظريات الحديثة في تفسير سبب حدوث أول انقراض كبير على سطح الكوكب نشرها الباحثان دايفيد بوند وستيفين جراسبي من جامعة هوول الإنجليزية في دورية «الجيولوجيا» الأمريكية  في السنة الماضية 2020 مقترحين أن الانفجارات البركانية العنيفة ربما كانت هي السبب في هذا الانقراض الكبير.

– رسم توضيحي يصور الكاميروسيرا – إحدى الكائنات البحرية – التي تبرز من الوحل نتيجة لانخفاض مستوى البحار والمحيطات خلال حدث الانقراض الأوردوفيشي، المصدر: ويكبيديا 

لقد تركزت معظم أشكال الحياة في تلك الفترة السحيقة في المحيطات أو المياة بشكل عام، وعليه فمنذ حوالي 445 مليون سنة فقد كوكبنا ما بين 60 إلى 70% من الأنواع الحية التي كانت موجودة على سطحه بسبب التجمد والانخفاض الشديد لمستوى سطح البحار والمحيطات.

وتؤدي الانقراضات الجماعية إلى زيادة معدل التطور، فالأنواع القليلة التي تمكنت من البقاء على قيد الحياة بعد حدوث الانقراض الجماعي، لديها منافسة أقل على الغذاء والمأوى وأحيانًا الرفقاء، إذا كانوا من آخر أفراد جنسهم الذين ما زالوا على قيد الحياة، ويمكن أن يؤدي الوصول إلى هذا الفائض من الموارد لتلبية الاحتياجات الأساسية ومن ثم زيادة التكاثر، ومن ثم يظل المزيد من الأبناء على قيد الحياة لتمرير جيناتها إلى الجيل التالي.

2- عصر الأسماك.. الانقراض الديفوني المتأخر

شهدت الفترة الديفونية، التي غالبًا ما يشار إليها باسم «عصر الأسماك»، صعود وهبوط العديد من الأنواع البحرية في عصور ما قبل التاريخ، وعلى الرغم من أن الحيوانات كانت قد بدأت في التطور على اليابسة بحلول هذا الوقت، فإن غالبية أشكال الحياة سبحت عبر المحيطات، وكان ذلك حتى تسببت النباتات الوعائية، مثل الأشجار والزهور، في انقراض جماعي ثانٍ على الأرجح، وفقًا لدراسة نُشرت بدورية الجمعية الجيولوجية الأمريكية عام 1995.

مع تطور جذور النباتات، حوَّلت عن غير قصد الأرض التي عاشت عليها، وحولت الصخور والأنقاض إلى تربة، ثم دخلت هذه التربة الغنية بالمغذيات في محيطات العالم، مما تسبب في ازدهار الطحالب على نطاق هائل، وشكلت هذه الأزهار الطحلبية ما يمكن تسميته بـ«مناطق ميتة» عملاقة، وهي مناطق تسحب فيها الطحالب الأكسجين من الماء، مما يؤدي إلى خنق الحياة البحرية وإلحاق الفوضى بسلاسل الغذاء البحرية، ومن ثم ماتت الأنواع التي لم تكن قادرة على التكيف مع انخفاض مستويات الأكسجين ونقص الغذاء، وما زالت هذه النظرية موضع نقاش بين العلماء والمتخصصين.

ووفقًا لدراسة نشرت في مجلة «الجيولوجيا» حول تفسير أسباب الانقراض الكبير الثاني، يعتقد بعض العلماء أن الانفجارات البركانية كانت مسؤولة عن انخفاض مستويات الأكسجين في المحيط. وقد كانت سمكة قرش مدرعة يبلغ طولها نحو 11 مترًا أحد أشهر ضحايا هذا الانقراض الكبير؛ إذ اختفت تمامًا من محيطات العالم، وكانت تمتلك ما يشبه خوذة من الصفائح العظمية تغطي رأسها بالكامل وتشكل نتوءًا يشبه الأنياب على فكها، وهي سمكة عملاقة مفترسة تسمى دونكليستوس أو عظمية دانكل.

– نموذج محاكاة جمجمة عظمية دانكل، متحف فيينا للتاريخ الطبيعي، ويكيبيديا-

تجدر الإشارة إلى أن النقاش بين العلماء والمتخصصين ما زال قائمًا حول الأسباب التي أدت إلى الانقراض الديفوني، وتراوحت الأسباب ما بين نقص الأكسجين، أو التجمد السريع، وثورات البراكين وأخيرًا ضربات النيازك، وقد خسر كوكبنا من 75 إلى 80% من أشكال الحياة عليه خلال هذا الانقراض الثاني الكبير.

3- الموت العظيم.. انقراض العصر البرمي

يعد هذا الانقراض أكبر حدث يصيب الأرض على الإطلاق؛ إذ قضى على حوالي 90% من جميع أنواع الكائنات على الكوكب من بينها الزواحف والحشرات والبرمائيات التي كانت تجوب الأرض، وترجع أسباب هذا الانقراض الضخم إلى فترة مضطربة من انتشار البراكين الثائرة.

في نهاية ذلك العصر، اندلعت في منطقة سيبريا عدة براكين متفجرة أدت إلى إطلاق كمية كبيرة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، نتج منه احتباس حراري أدى لارتفاع درجة حرارة الأرض ونتيجة لذلك تغيرت أنماط الطقس وارتفعت مستويات سطح البحر كما هبطت الأمطار الحمضية على اليابسة لتقتل الحياة فيها.

ووفقًا لبيان متحف «سام نوبل» التابع لمتحف أوكلاهوما للتاريخ الطبيعي، أدى ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون المذابة في مياه المحيطات، إلى تسمم الحياة البحرية وحرمانها من المياه الغنية بالأكسجين.

في ذلك الوقت، كان العالم يتألف من قارة عظمى واحدة تسمى بانجيا، والتي يعتقد بعض العلماء أنها ساهمت أيضًا في نقص الحركة في محيطات العالم؛ مما خلق تجمعًا عالميًّا من المياه الراكدة التي أدت إلى استمرار تراكم ثاني أكسيد الكربون، كما أدى ارتفاع درجات حرارة البحر إلى خفض مستويات الأكسجين في الماء.

كانت الشعاب المرجانية، الأكثر تضررًا من أشكال الحياة البحرية؛ فقد استغرق الأمر حوالي 14 مليون سنة لإعادة الشعاب المرجانية إلى سابق مجدها، وقد قضى انقراض العصر البرمي – الترياسي على نحو 96% من أشكال الحياة البحرية ونحو 70% من أشكال الحياة على اليابسة، ومن هنا جاءت تسميته بالموت العظيم.

– أحفورة ليستر صوروس، منقرض ضمن انقراض الموت العظيم – متحف علم الأحافير، توبنجن، ألمانيا، المصدر: ويكيبيديا 

4- انقراض العصر الترياسي- الجوراسي  

استغرقت الكائنات الحية وقتًا طويلاً للتعافي من الموت العظيم، ولكن بمجرد حدوث ذلك سرعان ما تنوعت الكائنات الحية بنشاط، وبدأت مخلوقات ذات بنية شعاب مرجانية بالسيطرة، وغطت النباتات المورقة الأرض؛ مما مهد الطريق لمجموعة من الزواحف تسمى الأركوصورات: أسلاف الطيور، والتماسيح، والتيروصورات، والديناصورات غير الطافية، ولكن منذ نحو 201 مليون سنة، تعرضت الحياة على الأرض لخطر ألا وهو انقراض العصر الترياسي – الجوراسي

في نهاية العصر الترياسي، ونتيجة لموجة ضخمة من الانفجارات البركانية، ارتفعت درجة حرارة الأرض بمعدل يتراوح بين 5 و11 درجة فهرنهايت، مدفوعة بمضاعفة مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بمقدار أربعة أضعاف، وربما كان السبب في ذلك هو كميات هائلة من الغازات الدفيئة من منطقة ماجماتيك الوسطى الأطلسية، وهي منطقة نارية كبيرة في وسط بانجيا، القارة العظمى في ذلك الوقت كما ذكرنا، وتنقسم الآن بقايا تدفقات الحمم البركانية القديمة هذه عبر شرق أمريكا الجنوبية، وشرق أمريكا الشمالية، وغرب أفريقيا.

أدى الارتفاع في ثاني أكسيد الكربون إلى تحمض المحيطات؛ مما صعب على الكائنات البحرية بناء أصدافها من كربونات الكالسيوم، أما على الأرض، فقد كانت الفقاريات المهيمنة هي التمساحيات، والتي كانت أكبر وأكثر تنوعًا مما هي عليه اليوم، وقد مات الكثير منهم، إلا أنه في أعقابهم تعددت أنواع الديناصورات الأولى التي كانت بدورها كائنات صغيرة ورشيقة آنذاك بالنسبة لمحيطها البيئي؛ مما ساهم في نجاتها.

.

– رسم توضيحي لشكل قارة بانجيا العظمى التي كانت تضم القارات، المصدر: ويكيبيديا- 

هناك نظريات بديلة تشرح هذا الانقراض الجماعي، مشيرة إلى أن ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون أطلق غاز الميثان المحاصر من التربة الصقيعية، وهو ما يؤدي إلى سلسلة مماثلة من الأحداث. وفي نهاية هذا الانقراض الثالث الكبير فقدت الحياة على الأرض نحو 80% من الكائنات الحية.

– رسم توضيحي لتمساح كابيتو صوريا، من منقرضات في العصر الترياسي الجوراسي، المصدر: ويكيبيديا.

5- عصر انقراض الديناصورات

يعرف أيضًا بانقراض ما بين العصرين الطباشيري والباليوجينى، وهو أشهر الانقراضات الخمس الكبيرة وآخرها. فيما يُعرف اليوم بمدينة يوكاتان بالمكسيك ومنذ نحو 66 مليون سنة، سقط كويكب يزيد عرضه على 13 كيلومترًا ويسير بسرعة حوالي 72 ألف كم/ ساعة؛ مما أحدث ثقبًا يبلغ عرضه 180 كم وعمقه 19 كم، سُمي فوهة تشيكشولوب، وكان من شأن التأثير الناتج من هذا الاصطدام أن يحرق كل الأرض المحيطة به، ويمتد لحرق الأراضي المجاورة على بعد 1450 كم، وينهي هيمنة الديناصورات التي استمرت لمدة 180 مليون سنة على الأرض.

أعقب هذا الاصطدام الضخم شهور من السماء السوداء بسبب الحطام والغبار المتساقط، الذي منع النباتات من امتصاص ضوء الشمس؛ مما أدى لموت معظمها وهو ما أخل بالسلسلة الغذائية للديناصورات، كما تسبب هذا السقوط المروع في انخفاض درجات الحرارة العالمية مما أدخل الأرض في شتاء بارد وطويل.

يقدر العلماء أن معظم حالات الانقراض على الأرض في ذلك الوقت كانت ستحدث في غضون أشهر فقط بعد الاصطدام نتيجة لوقته وحجم تأثيره، ومع ذلك، فقد نجت العديد من الأنواع التي يمكن أن تطير أو تختبئ أو تغوص في أعماق المحيطات، وعلى سبيل المثال، أحد أهم الناجين كانوا الأحفاد الحقيقيين الوحيدين للديناصورات، ألا وهي طيور العصر الحديث، إذ يعتقد العلماء أن أكثر من 10 آلاف نوع قد انحدرت من الناجين من ذلك الاصطدام قبل نحو 66 مليون سنة.

– صورة تخيلية حديثة للكويكب العملاق الذي اصطدم بالأرض، المصدر: ويكيبيديا.

فيما تقدم نتعلم أن كوكبنا قوي ومثابر، فبرغم هذه الانقراضات الخمس الكبرى التي اختفت فيها كافة أشكال الحياة البحرية والبرية، أو كادت أن تختفي، فإن الأرض سرعان ما كانت تتعافى وتناضل كائناتها المتنوعة والمختلفة من أجل إيجاد سبل جديدة للبقاء والحياة، وربما يكون ذلك خير دليل على مثابرة الكائنات الحية وقوتها، مما يمنحنا أملًا في مستقبل إنساني أفضل في ظل كل التحديات البيئية التي تحيط بنا.

علوم

منذ 11 شهر
كلنا نعرف انقراضها.. لكن ماذا نعرف عن الانقراض الذي جلب الديناصورات للوجود؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد