وصف الكاتب السياسي دانيال دريزنر- أستاذ العلوم السياسية في جامعة تافتس في مقال له بصحيفة واشنطن بوست– وصف سياسة فرض العقوبات التي لا تزال تنتهجها الإدارة الأمريكية بأنها سياسة قد عفّى عليها الزمن كأداة من أدوات السياسة الخارجية، متسائلًا في الوقت ذاته عن جدوى العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة مؤخرًا على روسيا كرد فعل على التحركات العسكرية في أوكرانيا واستيلائها على شبه جزيرة القرم وضمها للأراضي الروسية في ظل ما تروّجه الإدارة الأمريكية على لسان مساعد وزير الخزانة الأمريكي داني جلاسر الذي أدلى بتصريحات لمجلة النيوزويك كشف من خلالها عن أن إدارة الرئيس الأمريكي أوباما تبحث كيفية توسيع نطاق العقوبات التي فرضتها على موسكو.

وتساءل الكاتب عن مأرب الإدارة الأمريكية من الاستمرار في تبني سياسة العقوبات، رافضًا في الوقت ذاته ما يروجه البعض من أن العقوبات هي الخيار الأوسط بين الحلول الدبلوماسية والعسكرية أو أن تكون بمثابة آمال جديدة لإحياء النفوذ الأمريكي العالمي.

وطرح الكاتب خمس نقاط تكشف من وجهة نظره زيف العقوبات الأمريكية وانعدام تأثيرها، أوردها كما يلي:

 

1.   العقوبات لم تنجح

على النقيض من مواقفهم المناهضة لفرض العقوبات قبل خمسة عشر عامًا، بدّل القائمون على السياسة الخارجية الأمريكية مثل ديك تشيني وريتشارد هاس من مواقفهم التي تغيرت نتيجة للشحن الزائد خلال الحرب على الإرهاب وبالتالي دعم العقوبات الذي تبناه كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي وهو ما بدا واضحًا في كتاب لجوان زاراتي نائب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بعنوان “حرب الخزانة” أشار فيه إلى أن الولايات المتحدة إنما تستخدم العقوبات لمواجهة تهديدات الأمن القومي.

وبالرغم من أن نجاح العقوبات يتوقف على مدى ما تحققه من تبعات اقتصادية سلبية على الدولة المستهدفة بالإضافة إلى تقديم الحكومات التي فرضت ضدها العقوبات لتنازلات سياسية محددة، إلا أن التبعات الاقتصادية قد لا تؤدي وحدها إلى تقديم مثل هذه التنازلات خاصة إذا كانت تتعلق بتنازلات إقليمية أو تغيير للأنظمة.

ففي الخريف الماضي، اعترف الرئيس الإيراني حسن روحاني علنًا ​​أن آثار العقوبات الدولية على اقتصاد البلاد كانت شديدة للدرجة التي تقتضي معها إجراء مفاوضات سريعة لمناقشة البرنامج النووي الإيراني ما دفع البعض من منتقدي سياسات الإدارة الأمركية أن يطالبوا بالإبقاء على العقوبات الاقتصادية على طهران كما هي لما لها من تأثير قوي لتحقيق تغيير في النظام الإيراني.

وبطبيعة الحال لا يمكن التعويل على العقوبات في تحقيق الديمقراطية في إيران أو إجبار روسيا على التخلي عن شبه جزيرة القرم خاصة في ظل الدراسات الأكاديمية  المعنية بشأن العقوبات والتي تتحدث عن أن العقوبات لا تفضي إلى مزيد من التنازلات من قبل الحكومات المستهدفة إلا في حالة واحدة من بين ثلاث أو أربع حالات.

2.   العقوبات تؤذي الأفراد أكثر مما تؤذي الحكومات

ويعد هذا التصور أحد أقوى التصورات التي خلفتها تجربة فرض العقوبات الاقتصادية من قبل الأمم المتحدة على العراق بعد الغزو العراقي للكويت في عام 1990 حيث كان للحظر التجاري الشامل آثاره المدمرة على المجتمع العراقي والمواطنين العراقيين بدرجة أكبر من تلك الآثار التي وقعت على النظام العراقي بقيادة صدام حسين وظهر ذلك واضحًا في ارتفاع أسعار المواد الغذائية 250 ضعفًا خلال الخمس سنوات الأولى من فرض العقوبات مع ارتفاع نسبة الوفيات بين الأطفال الرضع.

وبالرغم من هول تلك العقوبات لم تكترث وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك مادلين أولبرايت بل وأكدت في تصريحات لها على أن الثمن المستحق من وراء العقوبات يستحق العناء حتى لو أسفرت العقوبات عن مقتل نصف مليون طفل عراقي.

بيد أنه ووفقًا لبيانات معهد بيترسون للاقتصاد الدولي فقد مثلت الحالة العراقية حالة استثنائية، فالأغلبية الساحقة من العقوبات الاقتصادية لا تدوم أكثر من عشر سنوات ومعظم العقوبات تنتهي في أقل من عام، كما أنه وتبعًا للآثار الإنسانية التي خلفتها الحالة العراقية تبنت الأمم المتحدة والولايات المتحدة ما يطلق عليه “بالعقوبات الذكية” بهدف تقليص حدة الآثار الإنسانية بحيث تتنوع العقوبات الذكية بين حظر للسفر وتجميد للأصول وحظر للأسلحة.

 

3.   بقدر ما تكون العقوبات مؤلمة بقدر ما تكون ناجعة

من المعلوم أنه بقدر ما تكون العقوبات مؤلمة بقدر ما تسفر عن مزيد من المكاسب وهو ما يدفعنا إلى القول بأنه إذا كانت فكرة فرض العقوبات على روسيا تهدف بالأساس إلى دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نحو إعادة حساب التكاليف التي سيتكبدها جراء التحركات العسكرية في أوكرانيا فيجب إذن أن يصاحب ذلك عملية تضخيم لتلك التكاليف.

ومع استدعاء الحالة العراقية بالتوازي مع تطبيق مزيد من العقوبات القصوى ضد روسيا وإيران، يمكننا القول بأن صدام حسين نجح وببراعة في تحويل اللوم على الحكومات الغربية جراء فرض العقوبات الاقتصادية مستغلًا في ذلك التبعات الإنسانية التي خلفتها تلك العقوبات و التي أثارت ردود فعل واسعة ضدها.

4.   فرض العقوبات على موسكو سيفرض تكاليف أكبر خارج موسكو

تكون الاقتصاديات التي تعتمد على سلعة واحدة فقط أو سلعتين أكثر عرضة من غيرها للاكتواء بنيران العقوبات وهو ما ظهر واضحًا في ساحل العاج حيث كان حظر صادرات الكاكاو أحد الأسباب الفاعلة في الإطاحة بالرئيس لوران غباغبو عام 2011 الذي وجهت إليه اتهامات من قبل المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، كما أنه وفي ظل اعتماد طهران على عائدات النفط، فإن الحظر الجزئي لصادراتها من النفط قد يضر باقتصادها.

وبالرغم من أن عائدات الطاقة الروسية مثلت في عام 2012 نصف الميزانية وسبعين بالمائة من الصادرات الروسية، إلا أن الأمور تبدو مختلفة عن الوضع الإيراني بالنظر إلى إستخدام الطاقة في فرض العقوبات، نظرًا
لاعتماد الحكومات الأوروبية على الطاقة الروسية بدرجة تفوق ما تعتمد عليه من الصادرات الإيرانية، وهو ما مثل أحد مصادر الخلاف بين الولايات المتحدة وأوروبا على فرض عقوبات على بوتين، بالإضافة إلى ما يراه البعض من بصمة روسية على الاقتصاد العالمي ما يعني أن فرض العقوبات على موسكو سيفرض تكاليف أكبر خارج موسكو.

5.   نجاح العقوبات مرهون بمشاركة الولايات المتحدة

تعتبر مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية في فرض العقوبات أمرًا ضروريًا خاصة وأن الولايات المتحدة هي بؤرة الأسواق المالية العالمية حتى أن موسكو ذاتها كانت قد استغلت عامل الوصول إلى الأسواق لانتزاع تنازلات من دول الجوار كما هو الحال مع الإطاحة بالحكومة في قيرغيزستان عام 2010 نتيجة لفرض العقوبات التي آتت ثمارها أيضًا في إجبار أرمينيا على رفض اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي عام 2013 وهو ما تكرر بدوره مع نظام يانكوفيتش في أوكرانيا الذي رفض الانضمام لاتفاقية الشراكة قبل أن يتم الإطاحة به بالتزامن مع الاحتجاجات التي اندلعت في أوكرانيا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد