فاطمة نادي 16
فاطمة نادي 16

3,994

«لقد أتينا في سلام»، العبارة الأولى التي نطق بها قائد الأسطول المريخي الذي جاء إلى الأرض في فيلم الخيال العلمي «هجمات من المريخ» (Mars Attacks). في البداية بدت الزيارة سلمية، وجرت الأمور على ما يُرام، لكن لم تنقض سوى دقائق معدودة حتى أشهر بعدها المريخيون أسلحة الليزر، وشرعوا في إطلاق النيران على الأرضيين معلنين بداية غزو فضائي.

كان هذا ما تخيله فيلم الغزو الفضائي الناجح لعام 1996 عما سيحدث إذا زارت كائنات فضائية الأرض، لكنه لم يكن الوحيد في تصوره ذاك؛ إذ تلته عدة أفلام وروايات تنبأت بأحداث مماثلة. نتناول في السطور التالية أبرز المعتقدات الشائعة حول الكائنات الفضائية بين ما تروجه لنا «هوليوود» وما يعتقده العلماء، ونبحر في أمواج الجدل المثار حول إمكانية وجودها بالفعل، ولماذا يهمنا البحث عنها حتى إن لم تكن موجودة في الأساس؟!

الكائنات الفضائية بين الخيال العلمي والواقع

في حين تتوقع «هوليوود» نشوب حرب بين سكان الأرض والغزاة من الكواكب الأخرى، يملك العلم وجهة نظر مختلفة. في كتابه الجديد (Aliens: The World’s Leading Scientists on the (Search for Extraterrestrial Life؛ يروي عالم فيزياء الكم «جيم الخليلي» (Jim Al-Khalili) إجابات نخبة من الخبراء والمتخصصين في علوم الفلك حول العالم عن معتقداتهم ورؤيتهم للشكل الذي يمكن أن يكون عليه التواصل بين البشر والفضائيين، خاصةً بعد اكتشاف بعثات «ناسا» آلاف الكواكب الجديدة التي وسعت مفهومنا عن عدد العوالم القابلة للسكن بخلاف الأرض.

من أشهر المعتقدات الشائعة في أفلام الخيال العلمي أن الكائنات الفضائية سوف تأكل البشر! هذا ما صورته أفلام مثل (The Blob) و(Critters)، فما رأي العلماء في ذلك؟

يُجيب عن ذلك عالم الأحياء الفلكية «لويس دارتنيل» (Lewis Dartnell): لكي يصبح الفضائيون قادرين على التغذّي على البشر؛ يجب أن تكون أجسامهم قادرة على معالجة جزيئاتنا، مثل الأحماض الأمينية والسكريات، وهذا يتطلب أن يشبهونا في كيمياء أجسامنا الحيوية، الأمر الذي يبدو مستبعدًا بالنسبة لفصائل تنحدر من عوالم مختلفة عنا مثلهم، إذا وجدوا.

تتناول بعض الأفلام أيضًا إمكانية حدوث تزاوج بين البشر والفضائيين، كما يظهر في أفلام مثل (Alien: Covenant) (Guardians of the Galaxy Vol. 2) التي تظهر فيها شخصيات هجينة تُعد مزيجًا من نسل البشر والكائنات الفضائية. يستبعد «دارتنيل» حدوث ذلك أيضًا؛ نظرًا لعدم  إمكانية حدوث تكاثر بين البشر والشمبانزي، الذي يُعد أقرب فصيل تطوري للإنسان؛ لذلك فإنه من غير المحتمل – إلى حد كبير – إمكانية حدوث ذلك مع الفضائيين.

ومن المعتقدات الشائعة كذلك غزو سكان الفضاء للأرض طمعًا في نهب مواردها، كما في حالة الفضائيين في فيلم (Independence Day) الشهير، لكن – مرة أخرى – يستبعد «دارتنيل» هذا التصور؛ ويُرجع السبب إلى أن معظم المعادن التي تملكها الأرض موجودة في مركزها، وليس قشرتها؛ ومن ثم فإذا سعى جيراننا الفضائيون في الحصول على المعادن أو المياه، فستكون الكويكبات أهدافًا أفضل بكثير للتعدين، وستكون الأقمار الجليدية، مثل كوكب المشتري «يوروبا»، أماكن أسهل لتخزين المياه.

5 مرات خدعنا فيها الفضائيون

تتصدر عناوينَ الأخبار – من الحين إلى الآخر – أنباءٌ عن التقاط إشارات لاسلكية غريبة وغامضة قادمة من الفضاء الخارجي. تُثار بعدها حلقات من النقاش في جميع أنحاء العالم؛ تُحقق في التقارير الواردة من التلسكوبات؛ في محاولة لإيجاد تفسير مقنع للظواهر غير الطبيعية التي تلاحظها.

بالتأكيد يوجد في الفضاء أطنان من الأشياء التي من المحتمل أن تتسبب في إصدار تلك الإشارات بطريقةٍ ما، لكن هل يمكن أن يكون هذا الدليل الرئيس الذي يجيب على أحد الأسئلة الوجودية الكبرى: هل نحن الوحيدون في هذا الكون الشاسع الممتد؟

دعونا نأخذكم في جولة داخل غمار هذا التساؤل الشيّق: سباق البحث عن الكائنات الفضائية.

1- إشارات غامضة يرسلها «الرجل الأخضر الصغير»

بينما كانت تعمل على نيل شهادة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية، سمعت «جوسلين بورنيل» Jocelyn) (Burnel ومشرفها «أنتوني هويش» (Antony Hewish) إشارة إذاعية متكررة في 28 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1967، ومع عدم تأكدهم من مصدر الإشارة بالضبط، فقد لاحظ جوسلين وهويش أن الإشارة بدت سريعة جدًا مقارنةً بأي نوع من النجوم المعروفة آنذاك، وكان توقيتها دقيقًا جدًا كذلك.

في البداية، اعتقدوا أن مصدر الإشارة قد يكون إنسانًا بعثها من الأرض، وانتقلت الإشارة عبر السماء مع النجوم، بدلًا عن التحرك بالطريقة التي تنقلها الأقمار الصناعية، ولكن بعد أن التقطت الإشارة تلسكوبات راديوية أخرى، اتضح أنها قادمة من خارج النظام الشمسي، لكن من داخل المجرة. أطلق الفريق عليها في البداية اسم (LGM-1)؛ فيما يرمز إلى الرجل الأخضر الصغير (Little Green Man).

عثرت «جوسلين» على إشارة مماثلة أخرى في جزء آخر من السماء، لكنه بدا من غير المحتمل – بالنسبة لها – أن تُرسل حضارتان مختلفتان من الكائنات الفضائية إشارتين تحملان نفس التردد؛ لذلك بحثت عن مصدر قد يكون طبيعيًا للإشارة. وقد اتضح بالفعل أن المصدر كان لنجم نابض سبق وتنبأ به عالما الفلك «فريتز زفيكي» (Fritz Zwicky) و«فالتر بادي» (Walter Baade) قبل عقود.

2- النجم HD 164595: رسالة من حضارة أخرى؟

يعتقد العلماء أنه أينما جرى التقاط إشارة قوية من الفضاء، فبإمكانها أن تكشف لنا عن وجود حضارات قريبة. في عام 2016 ذكرت بعض وسائل الإعلام أنباءً عن التقاط إشعاع دقيق بواسطة تلسكوب لاسلكي في روسيا، وقد يكون دليلًا على وجود حضارة خارج الأرض.

كانت الإشارة مثيرة للاهتمام؛ لأنها قدمت من محيط نجم يُشبه الشمس، ويُدعى (HD 164595). يقع النجم (164595 HD) في كوكبة «هرقل» (Hercules) النجمية، على بعد حوالي 94 سنة ضوئية من الأرض. يُشبه الشمس إلى حد كبير، وتدور حوله بعض الكواكب التي منها الكوكب (164595b).

بالإضافة إلى ذلك كانت الإشارة اصطناعيةً، وذات قوة كبيرة للغاية؛ الأمر الذي جعل العلماء يعتقدون أن مصدرها لابد أن يكون حضارة تتمتع بقدرات تتجاوز قدرات البشرية. على الجانب الآخر أعرب بعض الخبراء أنه من المستبعد جدًا أن تكون الرسالة قادمة من الكائنات الفضائية، وأضافوا أنه بدون إثبات من مرصد مستقل، فإن التقاط أية إشارة من خارج الأرض لا يمنحها كثيرًا من المصداقية.

فضلًا عن ذلك، فإن تردد الإشارة كان نفس التردد الذي تستخدمه بعض الإرسالات العسكرية؛ لذلك قد تكون إشارة أرضية انعكست بطريقة جعلتها تبدو وكأنها قادمة من الفضاء، أو قد تكون إشارة ضالة من قمر صناعي، ولم يسمع أحد شيئًا عن تلك الإشارة مجددًا منذ ذلك الحين.

3- المشروع الفضائي العملاق

في عام 2015 لاحظ فلكيون بجامعة «ييل» شيئًا غريبًا في النجم (8462852 KIC) خلال بحثهم عن كواكب جديدة بواسطة تلسكوب «كبلر» الفضائي؛ إذ كان النجم يومض بطريقة غريبة وغير معتادة. في العادة عندما يمر كوكب أمام نجم، يكون للضوء الصادر في تلك الحالة منحنى مميزٌ، يخفت فيه ضوء النجم في البداية، ثم تشتد إضاءته مرة أخرى، ويحدث هذا على فترات منتظمة.

أما عن هذا النجم، فكان يومض ويخفت بشكل كبير في وقت قصير، لا يمكن تفسيره بمرور كوكب من أمامه. اعتقد البعض أن السبب قد يرجع إلى وجود بنية فضائية ضخمة، قد تكون مشروعًا عملاقًا شيدته إحدى الحضارات الفضائية لاستغلال النجم في الحصول على الطاقة، في حين رجّح علماء آخرون أن يكون النجم محاصرًا بسرب من الأقمار الصناعية العملاقة.

وقد تكررت تلك الظاهرة الغريبة من ذلك النجم مرة أخرى، إلا أن معظم علماء الفلك يعتقدون الآن أنها ظاهرة طبيعية، ربما يكون سببها مرور سرب من المذنبات، أو بقايا كوكب مدمر، أو قد يكون تأثير مجال مغناطيسي غريب. وبالرغم من عدم تيقن العلماء من السبب الحقيقي، وغياب وجود فرضية قوية تُفسر الأمر حتى الآن، إلا أن فكرة الكائنات الفضائية تقع خارج المنافسة تمامًا.

4- مركبات فضائية تزن ملايين الأطنان

في يناير (كانون الثاني) عام 2017 افترض عالمان أن «التدفقات الراديوية السريعة» (fast radio bursts) FRBs، التي تُعد ظاهرة فلكية عالية الطاقة ذات أصل غير معروف، تتجلى كنبضة راديوية عابرة تستمر بضع مليثوانٍ فقط – قد تكون عبارة عن مركبات لكائنات فضائية.

يُعتقد أن تلك التدفقات تنشأ خارج مجرتنا، وعلى الرغم من أنها تدوم لأجزاء فقط من الثانية، إلا أنها تولد طاقة بقدر 500 مليون شمس. افترض العالمان احتمال وجود حضارة فضائية متقدمة تستخدم الطاقة الناتجة عن هذه التدفقات لدفع مركباتها التي تزن ملايين الأطنان.

لكن الأمر لا يبدو كذلك، بعدما أظهرت نتائج الأبحاث التي أجريت مؤخرًا تكرار حدوث التدفق الراديوي السريع بشكل دوري، ويبدو أيضًا أن لها علاقة ما تربطها بالثقوب السوداء.

5- البريتون: إشارات غريبة حيّرت العلماء

في عام 1998 تمكن تلسكوب «باركس» في أستراليا من التقاط إشارات غريبة يمكنها أن تقفز في بعض الأحيان من تردد إلى آخر، ولم يُعرف مصدرها حينها. في البداية لم يبدُ مصدرها طبيعيًا؛ الأمر الذي جعلها موضعَ تساؤل، ولغزًا محيرًا شغل أذهان علماء الفلك في جميع أنحاء العالم لعقود.

لاحقًا اتضح أنها إشارات راديوية قصيرة تدوم لبضعة أجزاء من الثانية في نطاق تردد ضيق، ويبدو أنها تشبه نبضات التدفق الراديوي السريع. أطلق العلماء عليها اسم «بريتون» (Peryton)؛ نسبةً إلى مخلوق أسطوري يحمل نفس الاسم، وقد ورد في أحد أعمال الروائي «خورخي لويس بورخيس» (Jorge Luis Borges).

ماذا استفادت البشريّة من البحث عن الكائنات الفضائية؟

قد يتساءل البعض عن الفائدة التي قد تعود إلى البشر من كل هذه المليارات التي تصرف على الأبحاث والرحلات التي تهدف إلى استكشاف الفضاء الخارجيّ، خصوصًا مع جهود الإدارة الأمريكيّة في الاقتطاع من ميزانيّة وكالة «ناسا»، ولماذا لا تُصرف على مجالات أخرى كمحاربة الفقر والصحة والتعليم.

يُعد البحث عن حياة ذكية خارج الأرض في أماكن أخرى من الكون، أحد أكثر الجوانب إلحاحًا في العلوم الحديثة. وتُخصص موارد كبيرة لخدمة العلوم المتعلقة به، مثل علم الأحياء الفلكية، بالإضافة إلى تطوير مركبات يمكنها السير على سطح المريخ، والتلسكوبات التي تراقب الكواكب التي تدور حول نجوم أخرى. كما تعتزم الصين بناء صحن فضائي سيكون الأضخم في العالم، ويملك القدرة على التقاط الإشارات القادمة من أبعد المناطق في الفضاء؛ من أجل تحقيق السبق في التواصل مع الكائنات الفضائية.

ويعكس علم الأحياء الفلكية أبعادًا تطورية هامة على الشؤون الإنسانية؛ فهو يتطلب إحساسًا عميقًا بتاريخ البشرية ونشأة الكون. يبحث هذا المجال المثير في تاريخ الكون، بدايةً من الانفجار الكبير إلى أصول العناصر الكيميائية، وتطور النجوم والمجرات وأنظمة الكواكب. ويبحث في أصل الحياة، والتاريخ التطوري للخلايا البدائية الأولية، وصولًا إلى الكائنات المعقدة مثلنا.

تُساعدنا الدراسات التاريخية العميقة – كتلك – على تحديد موقع الإنسانية على خط الزمن التطوري الهائل، وتُكمل المنظور الكوني الذي يوفره استكشاف الفضاء. كذلك يستطيع الإلمام بالوجهات الكونية والتطورية – التي يوفرها علم الأحياء الفلكية – أن يعمل على توسيع العقول بطريقة تجعل العالم أقل عنفًا وخطورة.

فضلًا عن ذلك يأخذنا البحث عن الحياة في الكون، من البيئات القاسية على الأرض، إلى السهول والأسطح السفلية للمريخ، ونحو الأقمار الجليدية التابعة للكواكب العملاقة، ويدفعنا لاستكشاف مجموعة لا نهائية متنوعة من الكواكب التي تدور حول نجوم أخرى، وسيستمر هذا البحث بغض النظر عما إذا عثرنا على وجود حياة بالفعل في أي من هذه البيئات أم لا.

إن نطاق البيئات الجديدة كليًا، التي يفتحها أمامنا البحث والتحقيق سيكون بلا حدود؛ الأمر الذي يُشكل مصدرًا لا ينتهي من التحفيز العلمي والفكري للبشرية بأكملها.