نعرف عن «النجمة السداسية»، أنها مشهورة باسم «نجمة داود»، إذ اتخذ منها اليهود رمزًا لهم، ونجدها تظهر في المعابد وعلى شواهد القبور اليهودية ومن ثم رمزًا لـ«علم دولة إسرائيل». لكن ماذا نعرف عن تاريخ هذا الرمز؟ كيف بدأ؟ ومتى ظهر لأول مرة؟ ولما نجده على نقوش العملات في العصر المملوكي وظهر بوضوحٍ في العمارة الإسلامية؟ هذا ما نتناوله بالبحثِ في السطور التالية، لنتعرف سويًا على المعاني التاريخية لـ«نجمة داود»، ولما اتخذتها إسرائيل رمزًا لعلمها.

«نجمة داود».. وعلاقتها بدولة إسرائيل

تسمى النجمة السداسية بالعبرية «מָגֵן דָוִד – ماجين دافيد» وتعني «درع داود»، والدرع هنا هو رمز الحماية والوقاية، تمامًا مثل درع الحرب، يمسك به المحارب ليصد عنه ضربات السهام والسيوف والحجارة. وقد استخدم هذا المصطلح في البدء للإشارة إلى الخالق، إذ وردت كلمة «ماجين» في العهدِ القديم دلالةً على الخالق وعظمته وقوته، بحسب الدكتور رشاد عبد الله الشامي، وكتابه «الرموز الدينية في اليهودية». إذ أشار إلى أن هذا المصطلح ظهر أولًا وقد التصق فيما بعد برمز «النجمة السداسية».

أما عن أصل هذا الرمز في اليهودية؛ يشير الشامي إلى أن الأمر غامض، خاصةً مع غياب أية إشارة لهذا الشكل الهندسي، سواء في نصوص العهد القديم أو في «التلمود» – الكتاب الثاني في اليهودية وهو عبارة عن نصوص تعليمية مختص بالشريعة اليهودية والأعراف.

في العهدِ القديم، لم تأتي كلمة «ماجين» مقترنة باسم النبي داود (دافيد)، لهذا يرجح المؤرخين أن يكون المصطلح قد ارتبط بالنجمة السداسية أولًا، ومن هنا أتى ارتباطه بالنبي داود، بعدما أصبحت النجمة رمزًا يهوديًا شائعًا في القرن التاسع عشر، عن ذلك يقول الشامي في كتابه: «إما ذلك أو أن المصطلح أصبح رمزًا لقوة مملكة إسرائيل في ظل مملكة داود، والذي يصوره سفر أخبار الأيام الأول على أنه مؤسس المعبد اليهودي، موسى الثاني الذي حافظ على وحدة مملكة إسرائيل». 

وهو السفر الذي خصص لداود تسعة عشر إصحاحًا، ظهر فيهم ملك قوي حافظ على وحدة مملكة إسرائيل التي أوجدها النبي صموئيل، حسب الاعتقاد اليهودي. أما عن «النجمة السداسية»، فقد عرفت لديهم أيضًا بـ«ختم سليمان»، نسبةً إلى الملك سليمان كرمز للدفاع عن الناس من الأرواح الشريرة.

أقدم نسخة من الكتاب المقدس اليهودي عثر عليها مزينة بنجمة داود، كانت في سانت بطرسبرج، ويعود زمنها إلى عام 1010م، أما المخطوطة القديمة الأخرى، فترجع إلى عام 1307م في طليطلة، وهي المعروفة باسم «التناخ».

وتتألف نجمة داود من مثلثين متساويي الأضلاع، وضع أحدهما فوق الآخر عكسيًا، وقد عثر على نقوشها في بعض المعابد اليهودية من القرن الثالث الميلادي، إلا أنها قد وُجدت قبل ذلك في معابد وبيئات غير يهودية مثل المعابد الرومانية والكنائس المسيحية، أما مصطلح «ماجين دافيد»، فقد ذكر لأول مرة في مؤلف «إشكول هاكوفير – عنقود الكافر» لكاتبه اليهودي القرائي يهودا هاوس بالقرن الرابع عشر.

أصبحت «النجمة السداسية» رمزًا لليهودية بدايةً من القرن الرابع عشر، عندما ظهرت على علم الطائفة اليهودية في براج، كما ارتبطت باسم النبي داود من القرن الحادي عشر الميلادي – بحسب الدكتور رشاد الشامي – وذلك حتى القرن السابع عشر. رغم ذلك لم تصبح النجمة رمزًا لليهود ككل إلا في القرن السادس عشر.

أما عن استخدام «نجمة داود» في العصور الوسطى من قبل اليهود، فنجد ذكرًا لحادثتين شهيرتين، إحداهما في براج عام 1354م؛ إذ جرى تصميم علم لليهود الساكنين بالمنطقة في عهد الملك تشارلز الرابع، عندما شاركته قوة من اليهود في قتال قوات ملك المجر، فاتخذوا من النجمة شعارًا لهم؛ وذلك لتمييزهم أثناء المعركة، أما الحادثة الثانية فكانت عام 1648، عندما اقترح الإمبراطور فرديناند الثالث على اليهود في براج حمل راية خاصة بهم أثناء الدفاع عن المدينة ضد القوات السويدية.

في عام 1948 مع قيام دولة إسرائيل تحديدًا يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) جرى اختيار «نجمة داود» لتصبح الشعار الأساسي على العلم الإسرائيلي، وذلك بعدما اختارتها «الحركة الصهيونية» عام 1879 رمزًا لها، حين اقترحه تيودور هرتسل في أول مؤتمر للحركة.

الجدير بالذكر أن نجمة داود لم تصبح في العصر الحديث رمزًا يهوديًا شائعًا إلا من خلال «ألمانيا النازية»؛ وذلك حين أجبر النازيون اليهود الألمان على وضع شارة صفراء على شكل نجمة داود على ملابسهم، وذلك بهدف تمييزهم والتعرف عليهم في الشوارع والطرقات.

«رمز العلوم الخفية».. النجمة السداسية ما قبل اليهود

قبل أن تصبح «النجمة السداسية» رمزًا لليهود، ارتبطت بالعلوم الخفية، التي شملت أعمال السحر والشعوذة. في التاريخ كان قدماء المصريون من أوائل الحضارات التي استخدمتها على نقوش جدران المعابد. إذ ارتبط رمز النجمة – ذات الرؤوس الست – بشكلٍ مباشر بالديانة المصرية القديمة؛ إذ نجدها رمزًا هيلوغريفيًا لأرض الأرواح.

آمن المصريون القدماء بقدرة النجمة السداسية على الحماية من العوالم الخفية، وارتبطت بأول إنسان يتحول إلى إله في النصوص القديمة، وهو «الإله أمسو» الذي أصبح اسمه فيما بعد «حور – حورس»، وأصبحت العين الحارسة إحدى أشهر رموزه، وعبارة «العين تحرسك»، تعود هي الأخرى إلى هذا الإله المصري القديم.

ومن الحكايات الشائعة التي لا يوجد عليها دليل يُقال إن بني إسرائيل قد اتخذوا هذا الرمز من المصرية القديمة، واستخدموه عندما طالت غيبة موسى عليهم في جبل سيناء؛ وكان ذلك نابعًا عن تأثرهم بالرموز المصرية أثناء إقامتهم هناك.

تعد النجمة السداسية من أهم الرموز التي استخدمت في «العلوم الخفية»، وهي العلوم المرتبطة بعالم السحر والشعوذة في حضارات الهلال الخصيب والحضارة المصرية القديمة.

رغم ذلك، لم تكن الديانة المصرية القديمة وحدها التي استخدمت رمز النجمة السداسية قبل الشعب اليهودي؛ إذ نجدها أيضًا حاضرة في الديانة الهندوسية، رمزًا لاتحاد القوى المتضادة الدالة على التجانس الكوني والتوازن، على سبيل المثال، اتحاد الماء والنار، والذكر والأنثى. كما ارتبطت نجمة داود بالرموز الفلكية المميزة المتعلقة بالفلك والتنجيم في الديانة الزرادشتية. 

«نجمة الحكمة» ورمز للخصوبة عند السومريين وكنعان

في الهند القديمة، كانت النجمة رمزًا صوفيًا لعبادة الفيدية التي تشير إلى لم شمل الرجل والزوجة، ومنها خرج الرمز الهندوسي لكلمة «أوم» والتي تقع في المركز لتتوسط داخل النجمة السداسية، تقديسًا للارتباط بين الذكر والأنثى. وكان هذا الرمز يستخدم في الهندوسية قبل 10 آلاف سنة.

رغم ذلك يرجع المؤرخون والمختصون في الآثار أصل النجمة السداسية إلى «الحضارة السومرية»، حيث عُثر على نقشِ محفور أعلى لوح طيني سومري، يعود تاريخه إلى 4 آلاف سنة قبل الميلاد، وهو موجود حاليًا في متحف برلين بألمانيا. ساد الاعتقاد أن هذا الرمز كان مختصًا بعلوم الفلك والسحر، وهي العلوم التي ارتبطت بالحضارات القديمة وأصبحت محظورة على عامة الناس بدايةً من ظهور الأديان الإبراهيمية.

انتقل الرمز فيما بعد إلى الحضارات التي تلت السومرية، إذ نجده وقد ظهر عند الأكديين – البابليين، والآشوريين، والعموريين، والكنعانيين، والفينيقيين – رمزًا للخصوبة؛ إذ كان يمثل عملية الإيلاج، والتخصيب، واتحاد الذكري بالأنثوي.

تتكون النجمة السداسية من مثلثين، اتحد أحدهما بشكلٍ معكوس بالآخر، وهو ما ارتبط في تلك الحضارات بالفعل الجنسي المقدس لاتحاد الآلهة السماوية «آن» والآلهة الأرضية «كي». عندها يمثل المثلث المتجه نحو الأسفل الأنثوي، والآخر المتجه للأعلى الذكري. إذ حظيت العلاقة الجنسية في الحضارات القديمة بالقداسة، وارتبطت ببعض الطقوس الدينية، مثل عبادة عشتار وبعل في منطقة الهلال الخصيب، و عبادة إيزيس وحورس في المصرية القديمة، وأدونيس وأفروديت في بلاد اليونان، ومن ثم عبادة فينوس وباخوس «إله الخمر» عند الرومان.

الجدير بالذكر، إشارة بعض المؤرخين إلى أن هذا الرمز قد انتقل إلى اليهودية عبر حضارة بلاد الرافدين، أثناء فترتي السبي والأسر البابلي والآشوري، وهو سبي يهود مملكة يهوذا بحسب – الرواية اليهودية – الذي بدأ 597 قبل الميلاد. رغم ذلك يشير الدكتور فاضل الربيعي، في كتابه «حقيقة السبي البابلي»، أن الحملات الآشورية التي نتج عنها السبي قد وقعت في اليمن والجزيرة العربية وليس فلسطين.

لماذا تظهر «النجمة السداسية» في زخارف ونقوش المسيحية والإسلام؟

يفسر الدكتور عبد الوهاب المسيري، في كتابه «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية»، المجلد الثالث، ظهور نجمة داود بالنقوش العبرانية القديمة، قائلًا أنها ظهرت أول ذي بدء في اليهودية من خلال نقشٍ عبراني من القرن السابع قبل الميلاد، تلى ذلك وجودها على قبور عبرانية من القرن الثالث قبل الميلاد، كما ظهرت على معبد الجليل في العام نفسه، وعلى مقابر اليهود بالقرب من روما وعلى حوائط القدس، تمامًا كما نجدها حاضرة في زخارف الحضارات القديمة.

بحسب المسيري، كانت النجمة السداسية في ذلك الوقت لا تزيد عن كونها «علامة زخرفية»، كانت شائعة الاستخدام في العصور القديمة، ولم تكتسب بعد دلالتها الدنيوية والدينية، عن ذلك يقول: «كانت توضع على الحانات في جنوب ألمانيا؛ إذ يُقال إن أتباع فيثاغورث كانوا يستخدمون هذه النجمة السداسية حين يتسولون، لينبهوا رفاقهم أنهم وجدوا في هذا المكان أهل سخاء وكرم»، وذلك دلالةً على استخدام الرمز في أعمالٍ لا تحمل معاني دينية.

«استخدام النجمة السداسية كان بوصفها شكلًا هندسيًا، ليس ذا مضمون يهودي أو غير يهودي». *عبد الوهاب المسيري

يشير المسيري إلى أن اليهودية قد اتخذت من النجمة السداسية رمزًا لها، تمامًا كما اتخذت المسيحية الصليب، والإسلام الهلال، لكن هذا لم يحدث بشكلٍ فعلي كالمتعارف عليه اليوم، إلا فيما بعد العصور الوسطى. وكما ظهرت «نجمة داود» في الزخارف اليهودية نجدها حاضرة في الوقت ذاته بنصوص السحر البيزنطية، وداخل آثار فرسان المعبد المسيحيين، كما نجدها في كتب السحر الخاصة بالعصور الوسطى حينًا، ورمزًا بالكثير من الكنائس الألمانية حينًا آخر.

ارتبط رمز النجمة السداسية أيضًا بـ«الماسونية»، إذ تعتبر إحدى شارات الماسونيين الأحرار مضاف إليها دائرة تحيط بحواف الرؤوس الست للنجمة، وعرفوا في التاريخ أيضًا بالبنائين الأحرار، أكبر جماعة سرية بالعالم تميزت بأفكارها الغامضة فيما يخص الكون والحياة والإيمان، وقد نشأت عن النقابات التي أنشأها البناءون عندما تولوا بناء القلاع والكاتدرائيات في العصور الوسطى، واستمرت من القرن الثالث عشر الميلادي. إذ أصبح أعضاؤها يقبلون أفرادًا من غير البنائين، بعدما انتهى عصر بناء الكاتدرائيات.

«نجمة داود» ارتبطت بالديانات الإبراهيمية غير اليهودية، إذ نجدها حاضرة في الزخارف الإسلامية، كما اتخذتها طائفة مسيحية رمزًا لهم، فما الذي نعرفه عن معاني النجمة السداسية في الديانتين؟

استخدمت تلك النجمة رمزًا من قبل الطائفة المسيحية «المورمون»، إذ قاموا بوضعها في كنائسهم رمزًا لقبائل بني إسرائيل الإثنى عشر القديمة، إذ يعتبر المورمون أنفسهم من سلالة تلك القبائل، وامتدادًا لهم، وهو ما يجعلهم يحتفلون بالكثير من المناسبات والأعياد اليهودية. يشترك المورمون مع اليهود في العديد من المناسبات التاريخية، ويبلغ عددهم 12، إذ يصادف ميلاد مؤسس الطائفة «جوزيف سميث»، على سبيل المثال، عطلة «الحانوكا» اليهودية في ديسمبر (كانون الأول) من كل عام.

أما عن علاقة نجمة داود بالزخرفة الإسلامية، فيرتبط بما وجده باحثي الآثار في سيناء من خلال الاكتشافات الأخيرة؛ إذ أشاروا إلى أن النجمة كانت من الزخارف الإسلامية المنتشرة بالعمائر الواقعة برأس سدر سيناء، ومنها قلعة الجندي التي أنشأها القائد صلاح الدين الأيوبي، إذ وضعت النجمة على مدخل باب القلعة. وكما يشير معجم مصطلحات العمارة والفنون الإسلامية، فإن النجمة زخرفة مصرية قديمة، انتقلت منها إلى الفنون القبطية، ومن ثم إلى الفن الإسلامي؛ إذ أصبحت إحدى العلامات الزخرفية الشائعة، ونجدها حاضرة بكثرة في الزخارف العثمانية.

المصادر

تحميل المزيد