هل تتذكر تلك اللحظة التي كنت تقرأ فيها كتابًا ممتعًا ومميزًا، ومن ثم سمعت هزات هاتفك الصامت على المنضدة وشعرت بالتشتت، ولم تعد بنفس التركيز وعينك تسير على سطور الكتاب لأنك تريد أن ترى ما هو الإشعار الذي جاء على هاتفك؟، هل تتذكر أيضًا عندما كنت تمارس عملك من المنزل أثناء الحجر الصحي وكان التلفاز يعمل بجوارك من باب التسلية؛ ليتحول تركيزك كله بعد ذلك للتلفاز وما تبقى منه – ذهنك – هو ما أنجز العمل، أو أي موقف آخر مشابه مررت به جعلك تشعر أن ذهنك مشتت في جهتين، وكأن هناك أكثر من مصدر يتنازع عليه.

هذا التشتت الذهني أصبح سمة هذا العصر، والتركيز على أمر واحد فقط لم يعد من الأمور سهلة التنفيذ حتى وإن ظننت أنك فعلت ذلك، فذهنك إن لم يتدفق في فكرة واحدة فلن ينجزها على أحسن وجه. وفي هذا التقرير نحدثكم عن التدفق الذهني وأهميته، والذي من شأنه أن يساعدك أن تكون مبدعًا؛ أيًا كان مجال عملك.

ما هو التدفق الذهني؟

في اللحظة التي ترى فيها هذا الممثل على خشبة المسرح، وقد نسي المشاهدين الموجودين أمامه، ووقف يحدق في الفراغ وهو يصدح بالحوار الفردي الذي تدرب عليه كثيرًا، ربما تتساقط من عينه دمعة، أو تراها تترقرق في عينه وكأنه هو الشخصية التي يجسدها؛ تلك الحالة ببساطة هي حالة التدفق الذهني، وكل لوحة تشكيلية رائعة، أو مقطع موسيقي خالد؛ وراءه لحظة من لحظات التدفق الذهني أيضًا.

صحة

منذ سنتين
«إنها لا تُستورد بل من داخلنا تولد».. حيل نفسية لتجعل حياتك أكثر سعادة

تلك الحالة التي ينفصل فيها الإنسان عن كل ما حوله، ويتوحد مع النشاط الذي يمارسه، وتتحول الممارسة إلى شغف يسيطر على كل كيانه، فيشعر بالنشوة والحماسة والسعادة في الوقت نفسه، تلك الحالة التي وصفها الطب النفسي بأنها «الحالة العقلية التي يؤدي فيها الإنسان نشاطًا ما وهو في قمة تركيزه واندماجه»، وقد تبدو تلك الجملة سهلة التنفيذ ولكن متى آخر مرة قمت بعمل شيء وأنت لا تفكر سوى في هذا العمل أو النشاط؟، بل وأنت تقرأ هذا التقرير الآن عن التشتت الذهني؛ كم شيء حولك وفي ذهنك نجح في تشتيتك؟

ولكن إذا نجحت في الوصول إلى حالة التدفق الذهني؛ فلن تشعر بنفسك أو بالعالم من حولك، ولا بمرور الوقت، وستجد أن ما تمارسه تنجزه بسلاسة غير معتادة عليك، وبإتقان مميز، ولن تعلم أنك وصلت إلى هذه الحالة أثناء حدوثها لك، بل بعد أن تخرج منها، وتشتاق للعودة إليها. في طفولتنا كنا نعيش تلك الحالة كثيرًا أثناء ممارستنا ألعابنا المفضلة أو مشاهدة الرسوم المتحركة التي نحبها، ولكن كلما كبر الإنسان في العمر، تقل قدرته على الوصول لحالة التدفق الذهني بسبب المشتتات والمسؤوليات.

لسنوات طويلة ارتبط التدفق الذهني في أذهان علماء النفس والفلاسفة بالمبدعين فقط، مثل الرسامين والموسيقيين أو حتى الرياضيين الذين تحتاج رياضتهم تركيزًا ذهنيًّا عاليًا، ولكن مؤخرًا العديد من أطباء النفس أكدوا أن تلك الحالة ليست حكرًا على المبدعين أو الفنانين، ولا يجب أن تكون شخصًا له موهبة فريدة حتى تصل لهذه الحالة من التدفق الذهني، بل بالعكس، أيا كان مجال عملك؛ يمكنك أن تكون مبدعًا فيه من خلال دخولك إلى نعيم التدفق الذهني.

نسبة 20% من التدفق الذهني ستغير مسارك المهني

في كتابة «Finding Flow: The Psychology Of Engagement With Everyday Life» أوضح الطبيب النفسي والكاتب الأمريكي ذو الأصول المجرية ميهولي سيكسزنتميهالي؛ أن التدفق الذهني عادة ما يأتي للمبدعين تلقائيًا، وهذا عندما يبدأون في ممارسة موهبتهم مثل تأليف مقطوعة موسيقية أو رسم لوحة، وقتها يفرز المخ كلًا من النورإيبينفرين والدوبامين وهي من النواقل العصبية التي تعمل على الحد من التشتت الذهني ولها دور مهم في شعور الإنسان بالمتعة والشغف تجاه ما يفعله.

ومن خلال دراسة قام ببها ميهولي؛ أكد أنه إذا استطاع المرء أن يدخل في حالة من التدفق الذهني أثناء أدائه لعمله بنسبة تصل إلى 20% فيمكن لإنتاجيته في العمل أن تتضاعف، وهذا لأن حالة التدفق الذهني تمنحه القدرة على المزج بين أفكار قديمة وأفكار جديدة من ابتكاره والربط بينها ربطًا مميزًا؛ ليخرج في النهاية منتجًا إبداعيًا في عمله أيا كان مجاله، مؤكدًا خلال الدراسة أن دخول الشخص في تلك الحالة من التدفق الذهني ورؤيته النتيجة المترتبة عليها في عمله قد تكون حافزًا لممارسة المزيد من العمل، نظرًا لأن العائد أصبح مثمرًا، هذا بالإضافة إلى أن قدرة الإنسان على سرعة التعلم واستيعابه يزيد طرديًا كلما انغمس في حالة التدفق الذهني أثناء عمله، وبذلك تكون تلك الحالة الذهنية وقودًا لتطور الشخص في عمله. والسؤال الآن: كيف يمكنك أن تكون مبدعًا في مجالك من خلال استخدام التدفق الذهني.

الطريق إلى نعيم التدفق الذهني

ما يؤكده علم النفس عن التدفق الذهني أنه طريق للسعادة، وليس الإبداع فقط والتميز في مجالك، فتلك الحالة يمكنك أن تعيشها إما من أجل إنجاز المهام، أو المتعة والرفاهية، ومن خلال الدراسات التي أجريت حول طبيعة التدفق الذهني، ننقل لك الخطوات التي عليك اتباعها للوصول لتلك الحالة الذهنية سواء من أجل العمل أو المتعة.

1- الخطوة الأولى في طريق التدفق الذهني هي إغلاق هاتفك الذكي، وإذا كانت المهمة التي ستقوم بها تتضمن حاسوبك الآلي فعليك تسجيل الخروج من جميع مواقع التواصل الاجتماعي أو تطبيقات المحادثة أو أي عوامل تشتيت قد تظهر لك على جانب الشاشة وأنت تقوم بمهمتك.

2- الخطوة التالية سيكون عليك اختيار مهمة في عملك تحقق من خلالها توازنًا بين قدراتك والتحديات التي يمكنك إنجازها، يجب أن تكون تلك المهمة ليست سهلة عليك تشعرك بالضجر والتشتت، ولكن أيضًا لا يجب أن يكون التحدي مستحيلًا حتى لا تصيبك بالإحباط.

3- اختر مهمة تتطلب منك تركيزًا كاملًا حتى تنفذها، تلك المهمة التي تعرفها جيدًا وتفكر فيها ولكنك طالما أخبرت نفسك أنها تحتاج تركيزًا أو تفرغًا وأنت لست في تلك الحالة الآن، فالأمر يسير بالعكس، البدء في المهمة هو ما يضعك على أول طريق التدفق الذهني، وليس العكس، لن تأتي الحالة دون أن تحفزها بتحد.

4- اختيار الوقت المناسب من أهم الخطوات في طريق الوصول لحالة التدفق الذهني، ولكن ليس هناك وقت عام مثالي لهذا التوقيت، فهذا الأمر يتوقف على طبيعة يوم كل فرد، ولكن يجب أن يتوفر في الوقت الذي تختاره عامل الهدوء التام، وضمان عدم حدوث أي مشتتات خارجية أثناء هذا الوقت من الأحداث اليومية المعتادة، ويجب أيضًا أن يكون هذا الوقت بعد تناول طعامك بعدة ساعات، فالجسد يجب أن يشعر بالخفة ليصل إلى حالة التدفق الذهني.

5- مهد نفسك للانفصال عن الواقع ما عدا المهمة التي تنجزها ستكون خطوتك التالية، يجب أن يكون تركيزًا كاملًا منصبًا على المهمة التي اخترتها، ولا تجعل من الأمر فرضًا تقوم به، بل ابحث عن موطن المتعة في تلك المهمة، وتذكر لماذا اخترتها؟ ولماذا حفزك هذا التحدي؟ ثم انغمس تمامًا في تفاصيل المهمة، واستمتع بكل لحظة في هذا الانغماس دون التفكير في الوقت المطلوب منك لإنجاز المهمة، أو النظر إلى عقارب الساعة.

6- الخطوة القادمة ستكون أسهل على الأشخاص الذين يتمتعون بتحكم جيد في النفس، هؤلاء الذين يستطيعون اتباع الحميات الغذائية الصعبة، أو الامتناع عن أي عادة إدمانية سابقة؛ هؤلاء يكون دخولهم في حالة التدفق الذهني أسرع وأيسر، ولكن الذين ليس لديهم سيطرة على أنفسهم؛ فيحتاجون المزيد من التدريب للوصول إلى التدفق، وهذا لأن كل المشتتات التي عزل نفسه عنها، تتحول إلى مغريات يود ترك العمل للوصول إليها، فتجد العين تبحث عن الهاتف، والعقل يقلق على الوقت الذي مضى في العمل، والجسد يتملل لإحداث المزيد من التشتت، في هذه الحالة كل ما عليك فعله هو إدراك تلك اللحظات ومقاومتها.

7- عادة يكون وعيك بذاتك مهمًا في الحياة اليومية، ولكن في تلك الخطوة عليك أن تتخلى عن هذا الوعي، وفي حالة إنجاز المهام أو الإبداع أو حتى الاستمتاع بهواية ما؛ يتجسد الوعي بالذات في التفكير الدائم بردة فعل الآخرين بالمنتج النهائي للمهمة التي تعمل عليها الآن، أو نظرة الآخرين للهواية التي تشعر خلالها بالسعادة، وأن البعض قد يراها تافهة أو لا تليق بك؛ تلك الخطوة هي خطوة التحرر من كل تلك الأفكار، هذا الحدث الذي أنت على وشك أن تشهده؛ لن يشاركك إياه سوى نفسك، قُل لنفسك أنك تفعل هذا من أجلك فقط ومن أجل متعتك أنت.

8- إذا كنت تفضل الموسيقى عن الهدوء، فيفضل اختيار موسيقى في خلفية العمل وليس أغاني، لأن كلمات الأغاني قد تكون عامل تشتيت، بينما الموسيقى، خاصة الكلاسيكية قد تكون محفزًا لحالة التدفق الذهني.

9- الاستمرار في التدريب مهم للغاية، لأن الوصول لحالة التدفق الذهني قد لا يحدث لك من المرة الأولى، ولذلك عليك بإعادة هذا التدريب مرة أسبوعيًا حتى تتمرس في الوصول إلى التدفق، وعندما تصل إليه للمرة الأولى، عليك أن تحتفل بنتيجة العمل الذي قمت بإنجازه تحت تأثيرها، وتتأملها كثيرًا وتقارن بينها وبين نتيجة المهام التي نفذتها وأنت في حالة التركيز المعتادة، لأن الشعور بتميز المنتج النهائي لإبداعك في تلك اللحظة سيكون المحفز الرئيسي لك عندما تقبل على خوض حالة التدفق الذهني مرة أخرى.

استخدام الخيال للوصول إلى التدفق الذهني

بعض الأطباء النفسيين الذين درسوا التدفق الذهني وحاولوا تقديمه للعامة، نصحوا أصحاب الخيال الواسع، أنهم يستطيعون استخدام هذا الخيال في الوصول الأسرع للتدفق، وهذا من خلال التأمل قبل البدء في المهمة المرغوب في تنفيذها، بإغلاق العين وترديد بعض الجمل بصوت عال مثل «أنا لا أفكر في شيء آخر.. أنا منغمس تمامًا فيما أفعله، جسدي يشعر بالاسترخاء، ولا أسمع شيئًا على الإطلاق، انعزلت عن العالم وانعزل العالم عني، وأنا الآن أقل وعيًا بنفسي ومشاكلي».

وأيضًا مثل: «تركيزي مثل تنفسي يحدث تلقائيًا دون أن أفكر فيه، عندما أبدأ في مهمتي؛ أغلق الباب في وجه العالم، أنا غافل تمامًا عما يحيط بي بمجرد أن أبدأ مهمتي». لا تخجل في ترديد تلك الجمل بصوت عال وأنت جالس بمفردك، فعندما تسمعها بصوتك يزيد إدراكك لها وتزيد قدرتك على تنفيذها.

بعد ترديد تلك الجُمل يمكن الاستمرار في التأمل من خلال تخيل نفسك في صحراء جرداء، ولا يوجد معك في هذه الصحراء سوى شيء واحد فقط اختاره لأن يكون رمزًا للمهمة التي ستقوم بها بعد تلك التمارين، استمر في تخيل نفسك تقترب من هذا الرمز الذي يقف على بعد خطوات منك في الصحراء، وكلما اقتربت منه تخيل أن هناك شيئًا يظهر يحاول أن يعرقلك عن الوصول إليه، ولكنك تنجح في التغلب عليه والانتصار في النهاية والوصول لهذا الرمز. إذا قمت بهذا التمرين وترديد تلك الجمل قبل البدء في التدريبات الأساسية للتدفق الذهني والتي تبدأ مع بدأ المهمة، ستكون بمثابة تمهيد فعّال للوصول إلى التدفق.

أيا كان مجال عملك، ومهما كنت تظن أنه جامد أو خال من الإبداع، يمكنك من خلال استكشاف التدفق الذهني ومحاولة الوصول إليه أن تكون متميزًا ومبدعًا في هذا المجال، ومع ممارستك المستمرة للتدفق، قد تجد نفسك على بدايات طريق النجاح والترقي في عملك، فهل أنت مستعد الآن لتجربة الدخول في نعيم التدفق الذهني؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد