في أعقاب هجمات باريس، حقق حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف و المعروف بمواقفه المعادية للهجرة و المسلمين فوزا تاريخيا في الدور الأول من الإنتخابات الجهوية الفرنسية، مما قد يعكس فرصه الكبيرة للفوز في الإنتخابات الرئاسية المقبلة في 2017

بعد 24 يومًا من هجمات باريس، استفاقت فرنسا صباح الإثنين على نتائج تاريخية لحزب اليمين المتطرف الفرنسي، الجبهة الوطنية، الحزب الذي أسسه جون ماري لوبين سنة 1972، الزعيم الفرنسي المعروف بمعاداته للمهاجرين وبعنصريته اتجاه المسلمين واليهود، والذي كان إلى وقت قريب قوة ثانوية في المشهد السياسي الفرنسي، حتى تحول اليوم بفضل نتائج الدور الأول للانتخابات المحلية إلى “الحزب الأول في فرنسا” على حد تعبير مارين لوبين، زعيمة الحزب وابنة مؤسسه التاريخي.

ملصق انتخابي معادٍ للمسلمين للجبهة الوطنية سنة 2010


1- ما الذي حدث؟

أينما فازت، فإن فوز الجبهة الوطنية رسالة سيئة لجوارنا وللعالم.

استدعي الناخبون الفرنسيون للإدلاء بأصواتهم في الدور الأول من الانتخابات الجهوية الفرنسية، وذلك لانتخاب مجالس الجهات الفرنسية الثلاثة عشر، وقد جرى الاقتراع في ظل ترقب شديد ذلك لأنها آخر استحقاق انتخابي قبل رئاسيات 2017، وأيضًا بسبب الظروف الأمنية المشددة نتيجة لحالة الطوارئ المعلنة في فرنسا كرد فعل لهجمات باريس، في الـ13 من نوفمبر الماضي والتي أوقعت 130 قتيلًا في أسوأ حادثة على الأراضي الفرنسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وقد تنافس في الانتخابات معظم القوى والأحزاب الفرنسية، بدءًا بالحزب الاشتراكي الحاكم، مرورًا بحزب الجمهوريين اليميني المعارض بقيادة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي مدعومًا من طرف أحزاب الوسط، ثم حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبين المرشحة الرئاسية الخاسرة سنة 2012، إضافة إلى القوى الأخرى كالخضر واليسار الجذري وأحزاب يمين الوسط الصغيرة.

وقد أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية النتائج شبه النهائية في وقت متأخر ليلة أمس، إذ ودون سابق إنذار، حل حزب الجبهة الوطنية المتطرف أولًا في 6 من أصل 13 جهة فرنسية، بنسبة وطنية تتجاوز 30% من مجموع الأصوات، وبنسب تفوق 40% من الأصوات في بعض الجهات كجهة الشمال التي ترشحت رئيسة الحزب مارين لوبين وجهة البروفينس كوت د آزير (جنوب) حيث حلت ماريون لوبين، حفيدة مؤسس الحزب وابنة شقيقة الحزب الحالية، أولى بـ42% كأحسن نتيجة جهوية في الانتخابات ككل.

في حين جاء في المرتبة الثانية حزب الجمهوريون بنسبة تقارب 27% من الأصوات متصدرًا النتائج في 4 جهات بما فيها جهة العاصمة، أما حزب الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند فقد عاش هزيمة مدوية بحلوله متصدرًا في جهتين فقط بنسبة 23% من الأصوات المعبر عنها في مجمل التراب الفرنسي بعدما كان قد سيطر على 12 من أصل 13 جهة فرنسية في آخر انتخابات سنة 2010.

في الأخير تمكن اليسار الجذري من الفوز في جهة وحيدة، وتفرقت باقي نسب التصويت بين الأحزاب الصغيرة كالخضر ويمين الوسط.

النتائج الكاملة للدور الأول من انتخابات فرنسا الجهوية، إنفوجرافيك لجريدة لوفيغارو الفرنسية


2- كيف وقع ذلك؟

صعود الجبهة الوطنية في انتخابات أمس لم يكن وليد الصدفة، فالحزب والذي كان يعتبر صغيرًا وشاذًا في الساحة السياسية الفرنسية تمكن تحقيق اختراقات كبيرة منذ رئاسيات 2002، حين تمكن مرشحه ومؤسسه جون ماري لوبين من حصد 17% من الأصوات والمرور للدور الثاني في  مواجهة الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، وهو في ما اعتبر حينها سقوطًا وتمزقًا لليسار الفرنسي وليس صعودًا لليمين المتطرف، ومنذ ذلك الوقت بقي الحزب المعروف بمواقفه العنصرية والمناهضة للهجرة والاتحاد الأوروبي يترنح في المركز الثالث خلف اليمين الجمهوري واليسار الاشتراكي اللذين تناوبا على الحكم واللذين يشكلان ثنائية قطبية سياسية فرنسية منذ تأسيس الجمهورية الخامسة سنة 1958.

لكن مع وصول مارين لوبين لرئاسة الجبهة  سنة 2010 خلفًا لوالدها، بدأت سياسية “تطبيع” و”محاربة شيطنة” وذلك بإخفاء التوجه العنصري لأعضاء حزبها وأخذ مسافة من حركات اليمين المتطرف العنيفة كالنازيين الجدد والقوميين الكاثوليك، كما بدأت سياسة تصفية أرادت من خلالها تغيير صورة الحزب فتخلصت من الكثير من أعضاء الحزب التاريخيين المعروفين بعنصريتهم الطافحة، كان آخرهم والدها جون ماري لوبين الذي طرد في صيف 2015 من الحزب الذي أسسه بنفسه وعلى يد ابنته على إثر تصريحات صحفية اعتبرت داعمة للنظام الفاشي الذي حكم فرنسا إبان الاحتلال الألماني خلال الحرب العالمية الثانية.

جون ماري لوبين (أقصى يمين) مؤسس الحزب والمطرود منه سنة 2015، على يده ابنته مارين لوبين (الثانية من اليمين) والمرشحة الرئاسية المحتملة، ثم حفيدته ماريون لوبين (أقصى يسار) أصغر برلماني في فرنسا حاليًا وصاحبة أعلى نتيجة وطنية في انتخابات يوم أمس بـ42% من الأصوات بجهة بروفنس كوت د آزير (الجنوب الشرقي)


من جهة أخرى، ركزت رئيسة الحزب خطابها الشعبوي على فشل الحكومات المتعاقبة اقتصاديًّا، لا سيما من خلال ارتفاع مستوى البطالة الذي بلغ مستوى قياسيًّا سنة 2015، كذلك، خصص الحزب المتطرف حيزًا هامًا من خطابه لمهاجمة الاتحاد الأوروبي واعتباره سببًا في المشاكل الاقتصادية المتراكمة وفي التساهل مع اللاجئين مما يسبب ثغرات أمنية قد يتسلل منها الإرهاب إلى فرنسا، وهو ما قد حصل ابتداءً من سنة 2012، غير أن الإرهاب لم يأتِ من اللاجئين أو المهاجرين الجدد، بل من مواطنين فرنسيين من أصول مهاجرة.

ومنذ ذلك الحين، عاد الحزب لمهاجمة مسلمي فرنسا والمطالبة بتشديد الخناق عليهم اجتماعيًّا وثقافيًّا لكونهم مصدرًا محتملًا للإرهاب على المدى المتوسط، لذلك كانت كل هجمة تتم فوق التراب الفرنسي (عملية تولوز 2012، عملية شارلي إيبدو في يناير الماضي، وهجمات باريس مؤخرًا)، والتي ارتكبها كلها مواطنون فرنسيون من مواليد وتلاميذ الجمهورية وينحدرون من أصول مهاجرة لتعطي مواقف الجبهة الوطنية بعض المصداقية في نظر جزء لا يستهان به من الفرنسيين.

ولم يكن مجهود رئيسة الحزب وخطابها الشعبوي وراء الاختراقات المتوالية لحزبها العنصري، لكن أيضًا فشل اليمين الجمهوري واليسار الاشتراكي قد أعطى دافعًا للفرنسيين لكسر ثنائية هذين الحزبيين فما كان أن توجه جزء منهم لأحزاب متشددة سواء يمينًا أو يسارًا، فكانت الغلبة لحزب اليمين المتطرف في ظل أجواء الخوف والقبضة الأمنية المنتشرة في فرنسا منذ أحداث باريس.

3- ما علاقة هجمات باريس بصعود الجبهة الوطنية؟

أعطت هجمات باريس وحالة الطوارئ المعلنة زخمًا كبيرًا لخطاب الجبهة الوطنية العنصري، والذي عاد ليذكر بمواقفه التاريخية اتجاه جالية فرنسا المسلمة ومن سياسية الحدود المتبعة في الاتحاد الأوروبي. وبشكل معاكس لأغلب التحليلات، فقد سجلت الجبهة الوطنية في المناطق التي كانت ضحية لهجمات إرهابية، كباريس التي سجل بها اليمين المتطرف أقل من 10% وتولوز حيث لم يتعدى الحزب العنصري أكثر من 15% من الأصوات المعبر عنها.

أود أن أتوجه بالتحية لسكان المناطق المستهدفة في هجمات باريس نظرًا لنتائج اليمين المتطرف المنخفضة جدًّا في مناطقهم.-آن هيدالغو، عمدة باريس الاشتراكية

من ناحية أخرى، كسب الرئيس الفرنسي موجة تأييد كبيرة عقب أحداث باريس، فقد قفزت شعبيته من 30% إلى أكثر من 50%، لكن خلافًا لذلك، فإن ذلك لم ينعكس بالمرة على نتائج حزبه، لذلك فيمكن اعتبار نتائج يوم أمس نكسة بكل ما للكلمة من معنى لليسار الفرنسي عمومًا الذي سيفقد 9 جهات على الأقل، والذي حقق مجتمعًا 30% من أصوات الناخبين، قرابة نفس عدد أصوات اليمين المتطرف.

4- ما هو تأثير هذه النتائج المحتمل على السياسة في فرنسا، الجالية المسلمة، الهجرة ومستقبل أوروبا؟

جريدة لوفيغارو (يمينًا) اليمينية هذا الصباح تحت عنوان “الصدمة” فيما خصصت جريدة ليبيراسيون (يسارًا) اليسارية صدر صفحتها الأولى صباح اليوم لصورة زعيمة الجبهة الوطنية تحت عنوان “إنها تقترب” في إشارة لحلمها في رئاسة فرنسا


خيمت الصدمة على الطيف السياسي والإعلامي الفرنسي منذ ظهور أولى الاستطلاعات عقب نهاية العملية الانتخابية، لذلك فقد جاءت أغلب العناوين الرئيسية تتحدث عن الصدمة والتهديد القادم في المستقبل للقيم وللصورة الفرنسية حول وصول الجبهة الوطنية للحكم.

أما في الوقت الحالي، فإن نتائج أمس ليست بذات التأثير المباشر، ذلك لأن الانتخابات الفرنسية تتكون في مجملها من دورين، وقد بدأت مشوارات موسعة بين مخلتف الأحزاب لقطع الطريق على الجبهة الوطنية خلال الدور الثاني لمنعها على الأقل من الوصول إلى رئاسة الجهات من خلال لعبة التحالفات والانسحابات، وهو ما يصطلح عليه في فرنسا “الحاجز الجمهوري”، وهو ما قد تم خلال الدور الثاني من رئاسيات 2002، حيث دعمت كل الأحزاب جاك شيراك ليهزم مرشح الجبهة الوطنية آنذاك جون ماري لوبين، والذي كان قاب قوسين أو أدنى من بلوغ الإليزيه، إذ أعلن الحزب الاشتراكي سحب قوائمه من جهتي الشمال والـ “بروفينس كوت د آزير”  ذلك لتمهيد الطريق لمرشحي غريمه حزب الجمهوريين اليميني من تحقيق المرتبة الأولى في الدور الثاني يوم الأحد القادم.

من جهة الأخرى، ورغم إعلان الرئيس السابق ساركوزي عدم رغبته في دعم مرشحي اليسار في حال بقائهم في الدور الثاني في مواجهة الجبهة الوطنية، فقد بدأت الأصوات في الارتفاع في قيادة حزب الجمهوريين اليميني لسحب المرشحين وتعبيد الطريق أمام المرشحين الاشتراكيين في المناطق، حيث لهم حظوظ لقطع الطريق على الحزب العنصري.

وتشير التوقعات إلى أن إذا نجح “الحاجز الجمهوري” فإن الجبهة الوطنية لن تظفر بأكثر من جهتين على الأكثر، زد على ذلك ضعف سلطات المجالس الجهوية مقارنة بالمجالس البلدية أو الحكومة في الدستور الفرنسي.

لكن المؤشر الأكثر إقلاقًا، هو كون انتخابات أمس استفتاءً على رئاسيات سنة 2017، والمتوقع أن يتنافس فيها الرئيس الحالي فرنسوا هولاند عن الاشتراكيين، ونيكولا ساركوزي عن اليمين الجمهوري، ومارين لوبين زعيمة الجبهة الوطنية، وهو ما يعني في حالة تكرار نتائج أمس، وصول زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي للدور الثاني من الرئاسيات وبالتالي الاقتراب أكثر من قصر الإليزيه، وهو الذي يتوفر قاطنه على صلاحيات كبيرة جدّصا في الدستور الفرنسي خاصة في الأمن والدفاع والسياسة الخارجية، وهو ما سيمكن الجبهة الوطنية من تطبيق برنامجها الذي يستهدف تشديد قوانين الهجرة، التضييق على المهاجرين عمومًا والمسلمين خصوصًا، إضافة إلى استعادة الصلاحيات السيادية في مجال الأمن والدفاع والهجرة من الاتحاد الأوروبي لصالح الإدارة الفرنسية؛ مما قد يضع مسلمي فرنسا وأوروبا في وضعية أقل أريحية من الوضعية الحالية والتي توصف كذلك بكونها صعبة.

الصراع الثلاثي المحتمل في رئاسيات 2017، مارين لوبين زعيمة الجبهة الوطنية، نيكولا ساركوزي الرئيس السابق وزعيم حزب الجمهوريين اليميني، والرئيس الحالي الاشتراكي فرنسوا هولاند


عرض التعليقات
تحميل المزيد