منذ حوالي ثلاثة عقود ونصف، انتهت حرب فوكلاند، والتي تُعد من أقصر حروب التاريخ، بين بريطانيا والأرجنتين، ولكن انتهاء الحرب لم يعنِ حقًّا انتهاء الأزمة؛ إذ إن الصراع الجاري بين البلدين حول جزر فوكلاند في جنوب غرب المحيط الأطلسي، ما زال ساريًا إلى يومنا هذا، بعد 34 عامًا كاملة من انتهاء الحرب.

واستدعت وزارة الخارجية الأرجنتينية، الجمعة الماضية، 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، السفير البريطاني «مارك كِنت» في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، من أجل التعبير عن رفضها لما وصفته بالمناورات «غير الشرعية»، التي تنوي بريطانيا القيام بها في جزر فوكلاند، جنوب غرب المحيط الأطلسي.

وكانت بريطانيا قد أبلغت الحكومة الأرجنتينية نيّتها القيام بمناورات وتمارين عسكرية في الفترة من 19 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وحتى 28 من الشهر نفسه. وتتضمن هذه المناورات إطلاق عدد من الصواريخ البريطانية ذات الحدّين من نوع أرض-جو.

الأهمية الإستراتيجية لجزر فوكلاند

جزر فوكلاند هي عبارة عن أرخبيل في جنوب غرب المحيط الأطلسي، ويتكون من عدد كبير من الجزر التي تغطي مساحة قدرها حوالي 12 ألف كيلومتر مربع. ويتألف هذا الأرخبيل من جزيرتين كبيرتين هما فوكلاند الشرقية، وفوكولاند الغربية، واللتان يفصل بينهما مضيق فوكلاند.

وبالإضافة إليهما، ثمّة 776 جزيرة صغيرة أخرى متناثرة حولهما، مأهول منها 12 جزيرة فقط بالسكان. وتكثر بهذه الجزر المضائق والخلجان، والتي تصلح كموانئ جيدة لإيواء السفن.

وفوكلاند هو الاسم الإنجليزي للجزر، بينما التسمية الإسبانية، التي تتبناها الأرجنتين، فهي «جزر مالفيناس»، أمَّا بالفرنسية فهي «جزر المالوين».

وتحظى الجزر بحكم ذاتي، باعتبارها من ضمن أقاليم ما وراء البحار البريطانية، والتي كانت جزءًا من الإمبراطورية البريطانية من قبل. وتمتاز هذه الجزر بكثرة الجبال، غير أنها تفتقر للحياة النباتية، وذلك نظرًا لوجود الرياح الشديدة المستمرة، لذلك ليست هناك أية شواهد على أن الإنسان قد سكن الجزيرة، قبل عام 1764، العام الذي أُنشئت فيه أول مستعمرة بها، في منطقة بورت لويس، عن طريق الرحالة الفرنسي «لويس أنطوان دي بوجانفيل».

ومنذ ذلك التاريخ، زاد عدد سُكَّان الجزر، ليصل إلى 2400 نسمة تقريبًا عام 1931، إلَّا أنه عاد وانخفض مرة أخرى، ليسجل 1800 نسمة فقط في عام 1981، ثُمّ ارتفع من جديد عام 2012، ليسجل حوالي 2900 نسمة، وذلك لبرودة الجو وقلة توافر الخدمات، بالإضافة إلى طبيعة الجزر النائية.

 

وتكمن الأهمية الإستراتيجية للجزر في التنقيب عن النفط والغاز في أعماق البحار حولها، حيث أشارت نتائج عدد من الاستكشافات بوساطة الأقمار الصناعية، إلى أن هناك حوالي 70 مليار طن من النفط بعمق ألف متر في محيط جزر فوكلاند.

تاريخ فوكلاند.. الكثير مرَّ من هنا

يعتبَّر المكتشف الإنجليزي جون ديفيز، أول من وجد جزر فوكلاند أثناء رحلاته الاستكشافية، وذلك عام 1592، حتى قبل أن يتم تسميته بهذا الاسم، إذ تعود التسمية إلى عام  1690، إذ سمّاها الكابتن جون سترونج، نسبةً إلى السياسي الإسكتلندي أنطوني كاري، والذي يحمل لقب «فيسكوند فوكلاند الخامس».

أمّا أول مُستعمرة أٌقيمت على الجزر، كانت عن طريق الرحالة الفرنسي «لويس أنطوان دي بوجانفيل»، عام 1764، قبل أن يتنازل عنها الفرنسيون للإسبان، مقابل تعويض مادي، وبعد إقامة المستعمرة الفرنسية الأولى بعام واحد فقط، أُقيمت مستعمرة بريطانية أيضًا في الجزر عام 1765.

ظل البريطانيون والإسبان مستعمرين للجزر، حتى استطاع الإسبان طرد البريطانيين عام 1770، واستمر الوضع لعقود، قبل أن تُعلن الأرجنتين، عام 1816، سيادتها على الجُزر، بصفتها الوريث الشرعي للإسبان في المنطقة.

لكن بريطانيا لم تُسلّم لذلك، إذ عملت الحكومة الإنجليزية لاستعادة السيطرة على الجزر، وهو ما حققته عام 1833، وظل الخلاف بين الطرفين قائمًا من وقتها، حتى أوصت منظمة الأمم المتحدة، عام 1964، بإجراء مفاوضات بين البلدين لحل الأزمة.

وجرت العديد من المفاوضات بين البلدين بالفعل، كان من أبرزها مفاوضات عام 1980، حيث أعلنت بريطانيا أنها على استعداد أن تعترف بسيادة الأرجنتين عليها، مقابل تخلي الأخيرة عنها مدة 90 عامًا، لكن الأرجنتين رفضته.

هل هي حرب مُفتعلة؟

بدأت الحرب، يوم الجمعة، الموافق الثاني من أبريل (نيسان) عام 1982، وذلك عندما قامت القوات الأرجنتينية بالهجوم على الجزر، وذلك في محاولة لاسترجاعها ولإثبات سيادتها عليها، إلَّا أن بريطانيا لم تتخل عن الجزر؛ فدخلت بأسطولها البحري والجوي في حربٍ مع الأرجنتين، التي لم تصمد طويلًا، فكانت الغلبة لبريطانيا التي انتهت الحرب لصالحها في الرابع عشر من يونيو (حزيران) عام 1982، لتسجّل هذه الحرب، واحدة من أقصر حروب التاريخ، إذ دامت عشرة أسابيع.

ولا تُذكر حرب فوكلاند، دون الانتباه إلى الظروف والأوضاع التي كانت تمر بها الدولتان وقتها، فكلا البلدين كان له هدفٌ آخر من الحرب غير الهدف الأوضح، الذي هو النفط.

وفيما يخص الأرجنتين، فقد كانت وقتها في عامها السادس من حكم الديكتاتورية العسكرية، التي بدأت بانقلاب الجنرال خورخي فيديلا، عام 1976، على الرئيسة إيزابيل بيرون.

ولم يستطع الحكم العسكري في الأرجنتين، من إدارة الشؤون المدنية، وعليه لجأت إلى استخدام القمع في محاولة لإحكام السيطرة على البلاد بسبب التظاهرات والحركات المعارضة للانقلاب العسكري، ومع استمرار التظاهرات، لجأ الجنرال العسكري إلى استخدام السيناريو الشهير للفيلسوف توماس هوبز، في نظرية العقد الاجتماعي، وهو باختصار شديد، أنه في حالة التنازع في البلاد بين الأطراف المختلفة، ينبغي إحداث أزمات تتعرض لأمن المواطنين، حتى يسلِّموا في النهاية ويتنازلوا عن عدد من حقوقهم المدنية والسياسية في مقابل الحصول على الأمن.

ورغم قدم الصراع بين بريطانيا والأرجنتين، إلا أنه ظل شفهيًّا، ولم تدخل الأرجنتين الحرب إلى في عهد الجنرال العسكري، خورخي فيديلا، فيما يتضح أنه كما ذكرنا، محاولة لتشتيت جهود المعارضة الداخلية، بالحرب الخارجية.

 

 

هل احتاجت بريطانيا حرب فوكلاند؟

بالنسبة إلى بريطانية، فقد جاءت الحرب في الوقت المناسب لرئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر، والتي كانت قد اتخذت سياسات اقتصادية رأسمالية تحد من دور الدولة، أدت إلى انهيار الاقتصاد في فترة رئاستها الأولى للوزارة، بين عامي 1979 و1983، إذ وصل معدل التضخم عام 1980 إلى 21%، فضلًا عن مستويات البطالة التي سجلت 1.3 مليون عاطل عن العمل، فضلًا عن الاضطرابات المتعددة، ومعاداة تاتشر للعمال والنقابات العمالية.

كل هذه السياسات أفقدت تاتشر معظم شرعيتها، إلى أن جاءت حرب فوكلاند، لتستغلها تاتشر، انطلاقًا من نفس سيناريو هوبز، الذي استخدمه خصمها فيديلا، وذلك بغية الحصول على الشرعية.

 

نتائج الحرب وما بعدها

انتهت الحرب لصالح بريطانيا في 14 يونيو (حزيران) عام 1982، وقُدِّرت الخسائر البشرية بحوالي 900 جندي، بالإضافة إلى حوالي ألفين من الجرحى، مع تدمير عدد من المروحيات والطائرات لكل طرف.

ولكن الخسائر الحقيقية للأرجنتين لم تكن مقتل حوالي 650 من جنودها، ولا عدم الحصول على الجزر، وإنما كانت الخسارة الكبرى في إنهاك النظام العسكري الحاكم في الأرجنتين، والذي أدى في النهاية إلى إجباره على الانسحاب من الحياة السياسية لمداواة جروحه العسكرية، فاضطر آخر الحاكمين العسكريين رينالدو بينوني للاستقالة من حكم البلاد، ليتم انتخاب أول رئيس مدني بعد الحكم العسكري في الأرجنتين في ديسمبر (كانون الأول) من عام 1983.

على الوجه الآخر، كانت المكاسب بالنسبة لتاتشر مُضاعَفة؛ إذ إنها استعادت الجزر التي هجمت عليها الأرجنتين، بالإضافة إلى أنها قامت بتدعيم حكمها، وصارت من أبطال الدولة، نظرًا لما حققته من نصر عظيم، ما أدى إلى انتخابها لفترة ثانية لرئاسة الوزراء في بريطانيا عام 1983.

يبقى الوضع على ما هو عليه

بقيت الجزر على حالها منذ نهاية حرب فوكلاند عام 1982، ولكن ظلت الحكومة الأرجنتينية تنادي بسيادتها للجزر، دون أن يُبالي أحد بذلك، بخاصة وأن معظم سكان الجزيرة، وفقًا لإحصائيات 2012، من أصول بريطانية، مع وجود عدد صغير ينتمون إلى أصول وجنسيات مختلفة، فضلًا عن ذلك فإن اللغة الرسمية هي الإنجليزية.

وكانت الجزر قد حصلت على الحكم الذاتي عام 2009، وذلك بحكومة داخلية ذاتية مكتملة الصلاحيات، وكل ما تتولاه الحكومة البريطانية، هو إدارة العلاقات الدبلوماسية بينها وبين الدول الأخرى، بالإضافة إلى ضمان الحكم الرشيد لحكومة الجزر.

وكانت شركة التنقيب عن النفط روكهوبر قد أعلنت في وقت سابق عام 2012 عن بدء تدفق النفط من جزر الفوكلاند، المتنازع عليها بين بريطانيا والأرجنتين، بحلول عام 2017.

وكانت صحيفة الجارديان قد أوضحت أن حقل الحوض الشمالي لجزر الفوكلاند قد يحتوي على 300 مليون برميل من النفط، تصل قيمتها إلى أكثر من 30 تريليون دولار، وذلك بأسعار النفط عام 2012.

عرض التعليقات
تحميل المزيد