لم يكن مصطلح «الإنفلونسرز» متداولًا ومعروفًا منذ سنوات قليلة، أما الآن فقد أصبح هناك «إنفلونسر» لكل مواطن! حيث مشاهير وحسابات يتابعها عشرات الآلاف، إن لم يكن مئات الآلاف، عبر تطبيقات السوشيال ميديا في كل المجالات تقريبًا.

أما لو تحدثنا عن المرأة فيجب أن نعترف أن عالم «الإنفلونسرز» لم يكن ليصبح بهذا الاتساع لولا مستخدمي السوشيال ميديا من النساء؛ إذ يستهدفهن عالم واسع جدًّا من الخيارات وينسحبن في تصفح الحسابات والأشخاص لوقت طويل دون أن يشعرن، الأمر الذي يتسبب في تأثرهن بشكل واضح وملحوظ بمشاهير السوشيال ميديا الذين يتحدثون في كل شيء!

الموضة والتجميل والعناية الشخصية، جنبًا إلى جنب مع الطبخ والوصفات والعناية بالمنزل، كل الأفكار التي تدور في رأس أي امرأة وكل الأمنيات التي تنتابها وهي شاردة تحلق في سقف غرفتها قبل النوم؛ هناك من تُحققها وتصورها وتسجل تجربتها معها وتنشرها عبر حسابها على وسائل التواصل الاجتماعي.

فكل ما لم تفكر فيه أي امرأة في المطلق أو تعتقد أنه ممكن ومتاح، هناك من تفعله وتخبر المتابعات كم هو رائع، فكل هذا يحدث داخل شاشة الهاتف، وكل التجارب الرائعة على بعد ضغطة زر واحدة!

ربما يكون هذا رائعًا وجميلًا، لكنه خطير جدًّا أيضًا. فمشاهدة حياة الآخرين والاكتفاء بها شيء مخيف. ولأن معظم المواد والمقالات تتحدث دومًا عن مخاطر السوشيال ميديا وكيف تقدم لمتابعيها الحياة معلبة، وتقدم صورة مغلوطة عن العالم وعن السعادة؛ فإننا نتحدث في هذا التقرير، عن كيف يمكن لهذه السوشيال ميديا نفسها أن تغير حياة متابعيها للأفضل.

«هكذا ساعدتني السوشيال ميديا في تحسين صحتي»

تحكي سارة إبراهيم، (28 عامًا) زوجة وأم لطفل يبلغ من العمر أربع سنوات، وتعمل بشكل دائم من المنزل، لـ«ساسة بوست»، كيف غيرت السوشيال ميديا ومتابعة «الإنفلونسرز» حياتها للأفضل: «أنا أم منذ ما يقرب من أربع سنوات. اكتسبت خلال هذه السنوات وزنًا يقارب 20 كيلوجرامًا. فجأة وبلا أي مقدمات نظرت في المرآة فوجدت أخرى لا أعرفها، ورغم تصالحي الشديد مع جسدي منذ سنوات كثيرة لا أذكرها، فإن الأمر بدا مخيفًا، ويزداد في كل يوم».

وتضيف: «كنت أزداد وزنًا في كل يوم بلا أي مبالغة، وأدركت أنه سوف يأتي الوقت الذي لن أستطيع فيه التصالح مع كل هذا الوزن ولا الحياة بهذا الجسد الذي يزداد ثقلًا كل يوم».

كان أمام سارة خيار من اثنين، إما أن تكره وضعها فيزداد سوءًا – على حد تعبيرها – وإما أن تبدأ في تحسينه، وأن هذه المصارحة مع النفس، تزامنت مع بداية استكشافها لتطبيق «إنستجرام».

تردف سارة وتقول: «ولأننا كما نعلم مراقبون من قِبل السوشيال ميديا؛ بدأ يقع أمامي الكثير من الحسابات لبلوجرز و«إنفلونسرز» مهتمين بنقيضين؛ كان اجتماعهما أمامي منقذًا لي. فبدأت أتابع مدونين يستعرضون أنظمة الحياة الصحية، وكيف يمكن أن نغير حياتنا للأفضل عن طريق الطعام، وآخرين يستعرضون كيف تصالحوا مع أجسادهم رغم أنها لا تتوافق مع السائد».

Embed from Getty Images

تحكي أنها بدأت في متابعة أطباء ومتخصصي تغذية، واندمجت في القراءة أكثر عن تجارب شخصية حقيقية لنساء غيرن طريقة حياتهن وتحسنت صحتهن بفضل نظام الحياة الصحي، وخسرن الوزن الزائد أو بعضه، جنبًا إلى جنب مع متابعة نساء عرفن كيف يتصالحن مع أجسادهن الكبيرة، وكيف يمكن أن ترتدي ملابس تظهرها أكثر أناقة، وكيف تغير من قطع ملابسها الموجودة أصلًا في دولابها بلمسات بسيطة جدًّا، كي تعطيها تأثيرًا أفضل على مظهرها.

وتختم سارة حديثها عن هذه التجربة بالقول: «انعكس هذا على ثقتي بنفسي واحتمالي للتغيرات التي اعترت جسدي، في الوقت نفسه الذي أحاول فيه تحسين هذا الجسد حتى لا أقع فريسة للرفض ولصورة الذات السلبية التي لن توصلني إلى أي شيء».

إذن.. كيف تستفيدين من متابعة «الإنفلونسرز»؟

على الرغم من المساوئ الكثيرة والمعروفة لمتابعة مشاهير السوشيال ميديا مثل بيعهم الوهم على أنه حقيقة، خاصة فيما يخص النساء ونظرتهن إلى أنفسهن وأجسامهن، ففي دراسة منشورة على موقع المكتبة الأمريكية الوطنية للطب تبين أن مؤثري السوشيال ميديا يستخدمون حيلًا دوائية وملابس مصممة خصيصًا لإظهارهم أنحف، في الوقت الذي يصدرن فيه معلومات مغلوطة لمتابعيهم بخصوص أنظمة الحياة الصحية وطرق فقدان الوزن عن طريق الأنظمة الغذائية وممارسة الرياضة!

لكن على جانب آخر، هناك فائدة من هذا الأمر، فالانفتاح الإعلامي التام الذي نعيشه الآن جعل هؤلاء المشاهير جزءًا أساسيًّا من حياتنا، وببعض الوعي يمكن الاستفادة من الأمر وتطويعه لتحسين جودة الحياة.

يتطلب الأمر منكِ أن تكوني انتقائية فيما تتابعينه، وأن تقرئي عما يقدمه هؤلاء المشاهير من مصادر موثوق منها قبل أن تعترفي بجدارتهم في تعليمك أي شيء، وبالتدريج وعندما تتأكدين من دائرة المؤثرين أو الإنفلونسرز الذين تتابعينهم وأنهم يقدمون محتوى حقيقيًّا سوف يبدأ تأثيرهم الحقيقي في حياتك.

Embed from Getty Images

ففي بحث نشرته جمعية علم النفس الأمريكية تحت عنوان: «النظرية التحفيزية للاقتداء: كيف تؤثر القدوة في الأشخاص المقتدين بها؟» كان أهم تعريف للشخص الذي يمكن عده قدوة، هو أنه «يمثل نموذجًا لما هو ممكن تحقيقه، وأن وجوده مؤثر لأنه يثبت أن الهدف المحتمل هو هدف قابل للتحقيق»، ومن هنا تصبح متابعة مشاهير السوشيال ميديا مفيدة، خاصة إذا كنتِ تتابعين مدونين في مجال محدد ولهدف محدد.

أوضحت دراسة أجريت في كلية هارفارد للصحة العامة أنه كما أن لمواقع التواصل الاجتماعي أضرارًا فإن لها مميزات، تتمثل في أنها من الممكن أن تكون أدوات تحفيز لتحسين جودة الحياة عن طريق متابعة آخرين بدؤوا طريقًا تود المشي فيه ونجحوا في قطعه، الأمر الذي يشجعك على خوض هذه الرحلة.

ولذلك فإن متابعة المشاهير الذين يقدمون محتوى حقيقيًّا ومفيدًا يمكن أن يساهم في تحسين جودة حياتك، المهم أن تحددي هدفك وأن تعرفي لماذا تتابعين هؤلاء المشاهير، وكيف يمكن أن تستفيدي من رحلتهم، وألا تكون مجرد متابعة ما يقدمونه هي الهدف في حد ذاته، لكن التحسين الذي سوف تلمسينه في حياتك من جراء هذه المتابعة.

وهذه الاقتراحات للمتابعة قد تغير حياتك للأحسن

حسنًا إذن، يبرز الآن السؤال الأهم: ماذا يمكنني أن أتابع على وسائل التواصل الاجتماعي كي أحسن جودة حياتي؟

1- الصحة.. الحياة السعيدة في الجسم السليم

الصحة هي العامل الأهم في تحسين جودة الحياة، وهي التي تساهم بشكل أساسي في تحسين الحالة النفسية، ومن ثم إعطاؤك الدفعة المناسبة للبحث عن وسائل أخرى لتحقيق السعادة.

 الجسد الضعيف أو المعتل من الصعب أن يحقق لصاحبه حياة متوازنة، ففي دراسة منشورة على موقع المكتبة الوطنية الأمريكية للطب، وجد أن هناك علاقة وثيقة بين علم النفس الإيجابي وبين الصحة الجسدية، وهي علاقة طردية فكل منهما يؤثر في الآخر بصورة ملموسة وواضحة، ولذلك فإذا كنت لا تعانين من أمراض مستعصية يجب أن تبدئي الآن في تقدير ما لديك من صحة وأن تحاولي تحسينها، كيف؟ عن طريق تغيير عاداتك الغذائية وبدء استكشاف مناطق أخرى في الطهي يمكنها أن تحقق لك الاستمتاع جنبًا إلى جنب مع الحفاظ على صحة جسدك.

1- ابدئي بالبحث عن الموضوعات التي تتعلق بالتغذية والحياة الصحية في محركات بحث تطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة، كلمات مثل: (Cook healthy أو الطبخ الصحي) و(Healthy lifestyle أو نظام حياة صحي) و(- Healthy food أو أطعمة صحية)، وكذلك (التغذية أو Nutrition)، سوف تدخلك عالم المدونين الذين يشاركون تجاربهم في تغيير عاداتهم الغذائية.

أيضًا سوف تجدين الكثير من الأطباء المتخصصين الذين يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي في الترويج لخدماتهم عن طريق تقديم نصائح واستشارات مجانية، وتقديم محتوى مرئي موثوق فيه لمتابعيهم، وسوف تستفيدين من كل ما يقدمونه، ويساعدك على تحسين نظامك الغذائي بالتدريج.

2- عندما تبدئين في تغيير عاداتك الغذائية ومتابعة الأشخاص الذين قطعوا هذا الطريق قبلك، سوف تكتشفين أنهم جميعًا تقريبًا يتحدثون عن أهمية الرياضة، أو على أقل تقدير تحريك الجسم، وسوف تكتشفين أنك لا تحتاجين لأن تخصصي ميزانية ووقتًا للذهاب إلى الجيم إذا تابعت بعض المدونين والإنفلونسرز الذين يكرسون طاقتهم لهذا الأمر.

ابحثي فقط بكلمات مثل: (Simple workout – تمارين بسيطة)، ( Walk at home – Home walking أو المشي في المنزل)، (Home training – التدريبات المنزلية) وسوف تجدين آفاقًا جديدة فُتحت أمامك من تلقاء نفسها.

2- صورة الذات الإيجابية.. لا تكرهي نفسك!

صورة الذات الإيجابية من المواضيع المتصلة بالأمر أيضًا، وأحد العوامل المؤثرة بشدة في تحسين جودة الحياة، والتي تحتاجين أن تتعلميها، خاصة وأننا في مجتمع يعزز صورة الذات السلبية ويطالب المرأة دومًا بأكثر مما تطيق.

1- تعد متابعة مدونين ومؤثرين يتحدثون في موضوعات مثل (Acceptance culture – ثقافة القبول أو التقبل)، و(ثقافة الدوافع والمحفزات Motivational culture)، وكذلك (Body positivity أو إيجابية الجسد)، عاملًا سوف يعزز ثقتك في نفسك ويمنحك طاقة جيدة لتحسين جودة حياتك. إذ إن وجود مثل أعلى أو قدوة لدى الفرد له أكبر الأثر في تحسين صورته عن نفسه ومساعدته في تخطي الأزمات، كما ورد في ورقة بحثية منشورة على موقع «Research gate» من إعداد ثلاثة باحثين من جامعة كوينز لاند وجامعة إجستير.

إلى جانب أن المثل الأعلى أو القدوة أو الشخص المؤثر، يساعد الفرد مساعدة غير مباشرة في تحقيق أهدافه؛ لأنه يكون دليلًا ملموسًا على أن هذه الأهداف قابلة للتحقيق.

2- يجب ألا تكون متابعة منصات السوشيال ميديا والإنفلونسرز فقط من أجل تغيير الحياة أو بلوغ الأهداف الكبيرة، بل يكفي تمامًا أن تساعدك فقط في تنمية هواياتك أو تعلم شيء جديد، فكل شيء جديد يتعلمه الإنسان يضيف إلى شخصيته ويحسن جودة حياته، حتى لو كان هذا الشيء مجرد أكلة جديدة.

الكروشيه مثلاً، هواية لطيفة ومناسبة لمحبي الأعمال اليدوية وسهل تعلمها عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويمكن أن يتطور الأمر لتكون مصدر دخل.

الزراعة في المنزل، وكذلك الأشغال اليدوية وصناعة الإكسسوارات، كل وأي شيء أو هواية ترغبين في معرفة كل شيء عنها سوف تجدين مقاطع مصورة ومقالات تخص المبتدئين متوفرة على منصات التواصل الاجتماعي.

في النهاية لا يسعنا سوى أن نؤكد أن لكل شيء أضرارًا كما له من فوائد، وأن الوعي هو أهم شيء يمكن أن يمتلكه الإنسان، وأن امتلاك هذا الوعي لم يعد صعبًا، فالعالم كله على بعد ضغطات زر بسيطة، فقط اقرئي واستخدمي أجهزتك الذكية في تطوير نفسك وسوف تجدين أن التحسين يحدث من تلقاء نفسه.

منوعات

منذ سنتين
«نيويورك تايمز»: مشاهير «السوشيال ميديا» الأطفال.. كيف بدأوا وكم تبلغ أرباحهم؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد