طال التعقيد الذي هو سمة العصر الحالي أكثر الأنشطة الإنسانية تكرارًا على مدار اليوم، فلا تكاد تجد شخصًا لم تتملكه الحيرة في اختيار النظام الغذائي الأفضل له. بين حميات تدعي كل منها الأفضلية في الحفاظ على الصحة والسلامة من الأمراض، وتوصيات غذائية تؤرجح المستهلكين بين توصيات بتناول أنواع معينة ثم التحذير منها بعد أمد ليس ببعيد. فهل تخضع هذه الحميات والتوصيات إلى معايير علمية حقيقية تجعلنا نتلقاها مطمئنين، أم أن هناك ما يعطينا الحق في السؤال عن مدى مصداقية ما يُنشر ويُسوق لنا من بحوث ومعلومات تخص الأغذية؟

نتائج الأبحاث العلمية الخاصة بالأغذية.. فتش عن المستفيد

اعتمد الناس في طعامهم خلال العصور السابقة على الصيد والزراعة، فكان الطعام يخضع للقليل جدًا من التعديل بالطبخ أو طرق الحفظ البسيطة ويتناوله الإنسان مباشرة. اختلف الأمر مع الثورة الصناعية فتعرض الغذاء كما لم يكن من قبل لعمليات تصنيع، وتجزئة، وتعديل جعلته في بعض الأحيان لا يحمل من شكله الأصلي سوى الاسم.

لتطوير صناعاتهم، يبحث رجال الأعمال عن سوق جديدة ومنتجات مختلفة كي يُبقي الزبائن في قبضته. ومن أجل هذا الغرض تدخلت رؤوس الأموال في الدراسات الغذائية لتدعم منتجًا أو تلقي باللوم على عنصر غذائي دون آخر أو تنزع موادًا وتضيف أخرى لتبقي عجلة إنتاجها دائرة.

ساورت الشكوك البروفيسور في جامعة نيويورك ماريون نيستل فبدأت بجهد شخصي بتتبع نتائج دراسات التغذية التي أُجريت في 2015 وعلاقة نتائجها بالجِهة الممولة للبحث. عدد الدراسات الصادرة كان 168 وجدت ماريون أن 156 منها جاءت نتائجها لمصلحة الشركة الغذائية الممولة.

تتبعت ماريون منذ 2001 ما تفعله شركات الأغذية من تمويل المشاريع البحثية والباحثين المستقلين بهدف إظهار فوائد منتجاتهم؛ فكتبت العديد من الكتب والمؤلفات التي تدين هذه الشركات كان آخرها كتاب Unsavory truth» : how food companies skew the science of what we eat» الذي أظهر تورط الكثير من شركات الألبان واللحوم وشركات غذائية كبرى بتضليل المستهلكين من خلال تدخلهم في نتائج الدراسات البحثية. 

قالت ماريون في المقابلة التي أجرتها معها صحيفة «Undark» بأنها تتلقى طوال الوقت رسائل من هذه الشركات تقترح إجراء أبحاث لإظهار فوائد منتجاتهم، فهم صريحون في هذا الأمر، إذ تقول: «هذا ليس علمًا بل تسويق!».

رحلة الموت.. نساء مصريات يتحدثن عن الهلاك الذي لاقينه بسبب حلم الرشاقة 

«كوكا كولا» و«كيلوج» مثالًا

دفعت شركة كوكا كولا للباحثين أموالًا لينشروا رسالة مفادها أن التمارين الرياضية تؤثر في خسارة الوزن أكثر من تقليل كميات الطعام والشراب. بل فعلت الشركة ما هو أكبر؛ فأنشأت منظمة خيرية تحمل اسم شبكة توازن الطاقة العالمية؛ لتروّج لفكرة أن الأمريكيين يقضون وقتًا طويلًا في التركيز على تقليل استهلاك السعرات الحرارية، وليس التمارين الرياضية، على عكس ما هو معروف من أن السعرات الحرارية هي الأساس في أي نظام يهدف لخسارة الوزن. وبعد تحقيق أجرته «نيويورك تايمز»، اعترفت الشركة أنها صرفت 132.8 مليون دولار لتمويل الدراسات العلمية في الأعوام بين 2010 و2015.

وفي سياق متصل، كشفت العديد من الدراسات الحديثة خطأ الفكرة السائدة أن لوجبة الإفطار أثرًا مباشرًا في خسارة الوزن، وتعزيز عمليات الأيض، وزيادة التركيز. الأمر الذي كشف اللثام عن حقيقة رعاية شركات إنتاج حبوب الإفطار، على رأسها شركة كيلوج (Kellogg)، للأبحاث التي عززت هذه الفكرة.

التوصيات الغذائية.. ما بين رفع نسب وتجاهل آثار سلبية

يأتي الحليب ومنتجات الألبان على رأس القائمة عند الحديث عن النسب التي اعتاد الناس على تناولها من هذه المواد الغذائية، والكميات التي أصبحت تنادي بها منظمات الصحة والتغذية. حتى بدايات القرن 20، كان الحليب هو شراب مُفضل للأطفال فقط، لكن جاءت بعد ذلك بعض الدراسات التي أظهرت ما يحتويه الحليب من بروتين ودهون وسكريات وكالسيوم، فوجده العلماء طعامًا مثاليًا ليصبح المكون الأساسي على مائدة الطعام.

في عام 1920 تضافرت جهود مجتمع الزراعة والعلماء والحكومات، لتروّج للحليب على أنه الطعام الكامل. جاء هذا لمصلحة المزارعين ومصانع الألبان الذين كان هذا واحدًا من بنود أجنداتهم، فإنتاج الحليب لديهم أكثر بكثير من الاستهلاك. ارتفعت نسبة الكالسيوم التي يُنصح بتناولها يوميًا من 500 ملجم إلى ألف ملجم؛ لتعزز استهلاك الحليب أيضًا. فبينما كان القليل من البرتقال والكيوي وبعض البروكلي قاد، على تزويد الجسم بـ500 ملجم بسهولة، أصبح تحقيق الرقم أصعب ولابد عن الحصول على مصدر غني يعطي كمية كبيرة من هذا العنصر، فكان الحليب.

الكولين - الأغذية والدراسات العلمية

وبعيدًا عن كل الدراسات التالية التي ربطت بين زيادة استهلاك الحليب وارتفاع نسبة الإصابة بهشاشة العظام، والدراسات الأخرى التي نفت ما ادّعته شركات الألبان من ارتباط تناول الحليب وتقليل نسبة الإصابة بالكسور، إلا أن مصلحة مصانع الألبان جاءت أولًا وبقيت التوصيات كما هي.

وتجدر الإشارة إلى أنه في عام 1977 أصدرت جمعية أمريكية تسمى ماك جوفرن توصية بالتقليل من استهلاك المنتجات الحيوانية والاعتماد أكثر على المصادر النباتية، الأمر الذي أغضب منتجو الألبان واللحوم والبيض على حد تعبير عضو من جامعة هارفارد. تحت ضغط من مصانع الإنتاج هذه، لم يتم فقط إلغاء هذه التوصية، ولكن حُلّت الجمعية التي أصدرت التوصية بالكامل!

يُذكر أن هناك توجه كبير حاليًا لاستبدال الحليب النباتي مثل: حليب اللوز وحليب جوز الهند وحليب الأرز وغيرها بالحليب البقري؛ إذ توالت الدراسات التي كشفت عن ارتباط استهلاك الحليب بأمراض القلب والسرطانات وهشاشة العظام. إضافة لاحتواء الحليب على نسبة عالية من الهرمونات التي تُعطى للأبقار لتسريع نموها وزيادة إدرار الحليب؛ ما يؤثر بالسلب في صحة المستهلكين.

هذا ما يقابل الباحثون في مجال الأغذية

بعيدًا عن كون التحيز في الدراسات العلمية والأبحاث منتشر عالميًا – خصوصًا مع قلة الدعم الحكومي؛ الأمر الذي يجعل صناعة الغذاء هي المرشح لذلك – هناك مشكلات أخرى تكتنف البحث العلمي في هذا المجال.

الباحثون مجبرون على الاعتماد على أمر ليس أهلًا لذلك وهو الدماغ البشري. إجراء دراسات على الناس وملاحظة ما يأكلون مباشرة أمر مرهق ومكلف وبالتالي لا يوجد بديل سوى الاعتماد على سؤال الناس ماذا يأكلون. ذاكرة الإنسان ليست تسجيل الفيديو، الكثير من الأمور تتداخل وربما يضيف البعض أمورًا ليست موجودة أو حدثت في مناسبة أخرى. والأكثر من ذلك أن الأشخاص يميلون للكذب عادة عندما يتعلق الأمر بماذا يأكلون. فقد أظهرت الدراسات أن 60% من الأشخاص يكذبون حول هذا الأمر.

هناك أيضًا مشكلة أخرى وهي رغبة الباحثين في استمرار الأمر على ما هو عليه، فهذا من شأنه أن يضمن لهم الأمان الوظيفي والمستوى الاجتماعي الذي اعتادوا عليه وبالتالي فهم أقل رغبة في نسف ما هو خاطئ حول دراسات التغذية ويستمرون في تقييم الدراسات والمصادقة عليها.

النظام الاقتصادي.. أصل المشكلة

يخضع نظام الغذاء في العالم اليوم للأساس الرأسمالي الذي يهدف إلى تحقيق أعلى منفعة بغض النظر على حساب من. ما يُوصى به وما يُعتمد ليس هو ما يصب في مصلحة الشعوب أولًا أو ما يحافظ على البيئة، وإنما ما يخدم مصالح الشركات الكبرى ورؤوس الأموال.

الأرض والماء والبذور التي كانت على مر العصور ملكًا للإنسان انتُزعت منه وتمت خصخصتها ليبقى الناس تحت رحمة أصحاب رؤوس الأموال. يخدم هذا النظام مصالح حكومات الدول الغربية والمنظمات الدولية كالبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، فهي الأداة المفضلة لممارسة الضغط الاقتصادي على دول الجنوب، إضافة لما يحققه من مصالح اقتصادية وسياسية في بلدانهم.  

ما العلاقة بين التغذية و السمنة؟

 الأزمة الغذائية التي حدثت في 2007 و2008 أوضحت هشاشة هذا النظام وخلفت وراءها زيادة في أسعار السلع الغذائية الأساسية، إضافة إلى 925 مليون جائع ومصاب بنقص التغذية. ينفق الشخص الآن في كثير من الدول 75% من دخله على السلع الأساسية. وبعيدًا عن القلق المُدعى، لا يبدو أن حكومات هذه الدول تتبنى حلولًا حقيقية لتغيير هذا النظام أو معالجة آثاره المدمرة على الإنسان والبيئة.

إذًا ماذا نأكل؟

على الرغم من كل ما يدور حول دراسات الغذاء والتغذية من شكوك وشبهات، إلا أن هناك حقائق ثابتة في اتباعها السلامة:

  • تناول الطعام الطبيعي: الخضر والفاكهة واللحوم والبقول والحبوب المعدة في المنزل هي أفضل الخيارات، اجعلها الأساس في طعامك.
  • ابتعد عن الأغذية المصنّعة: كل طعام موجود في علب أو كراتين خضع بدرجة ما للتصنيع. ابتعد عن هذا الأغذية لتُجنب نفسك معارك أصحاب المصانع.
  • قلل من استهلاك السكر: ما تحتويه المواد المصنعة من سكريات وأملاح يكاد لا يُصدق، لا تتناول الأغذية المعلبة ولا تضف السكر إلى طعامك. بإمكانك التقليل تدريجيًا من السكر في مشروباتك، ولن تشعر بالفرق. وعند الحديث عن السكر لابد أن نشير إلى المشروبات الغازية والعصائر فهي تحوي مقدارًا كبيرًا من السكر.
  • لا تتناول المكملات الغذائية إلا إذا دعت حالتك الصحية ذلك وبتوصية من طبيب، فما يتم التوصية به أيضًا من هذه المكملات في كثير من الأحيان يخضع لما تتطلبه التجارة لا ما يفيد الناس.
  • الحميات الغذائية التي تعد بنزول كيلوجرامات كثيرة من وزنك في فترة قصيرة غالبًا خاطئة، وما تخلفه هذه الأنظمة من مشكلات صحية أكبر من سعادتك في نقصان الوزن السريع. الحل معروف دون أضرار؛ تقليل السعرات الحرارية باستهلاك طعام أقل، وزيادة النشاط الرياضي.
  • لا تثق فيما تقرأه في وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي: خاصة ما يبدو وكأنه حل سحري، فلا تنظر إلى ما ليس منسوبًا لمصدر موثوق، واعتمد في معلوماتك الصحية على موقع متخصص في هذا وتابع ما ينشره من دراسات وردود الأفعال عليها قبل تبني أي منها.

هل الطعام العضوي أفضل من الطعام العادي؟ هذا ما يقوله العلم

المصادر

تحميل المزيد