3,582

ماذا حدث في مصر يوم الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2017؟ هناك إجابة تبدو بديهية وحاضرة في الأذهان، صعدت مصر لكأس العالم الذي سيقام في روسيا عام 2018 بعد 28 سنة من الغياب، ولكن إجابة أخرى حجبها الاهتمام الإعلامي بالصعود التاريخي المصري، تتمثل في العمل بـ«محاكم أمن الدولة طوارئ» التي «لا يجوز الطعن عليها»، في دعاوى جديدة تتضمن تهمًا مثل التظاهر والتجمهر.

لا صوت يعلو فوق صوت صعود مصر لكأس العالم

في يوم أمس الموافق، الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2017، لم يعلُ صوت في مصر فوق صوت فوز المنتخب المصري على نظيره الكونغولي، بهدفين لهدف، وهي نتيجة كانت كافية لصعود مصر إلى كأس العالم لكرة القدم المزمع إقامته في روسيا عام 2018 القادم، بعد غياب لمصر عن تلك البطولة العالمية دام 28 عامًا؛ إذ يعود آخر صعود مصري لكأس العالم إلى عام 1990.

ومنذ هدف اللاعب المصري محمد صلاح الذي أحرزه بضربة جزاء في الدقيقة الأخيرة في الوقت بدل الضائع في المباراة، أعقبه ثوانٍ قليلة أطلق بعدها حكم المباراة صافرة نهاية المباراة، حتى غطت الفرحة بالصعود الدراماتيكي والتاريخي لكأس العالم ملايين المصريين، ونزل الكثير منهم في الشوارع احتفالًا بالحدث الذي لا يتكرر كثيرًا.

ويبدو أن الحدث تعدّى نطاقه الرياضي ووجد فيه الكثيرون «فرحة» غابت منذ زمن طويل في ظل الأوضاع التي تعيش فيها مصر، ولم تفت الفرصة على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فهنأ اللاعبين وخصص لكل واحد منهم مليون ونصف المليون جنيه مصري كمكافأة لهم لصعودهم لكأس العالم، واستضاف محمد صلاح الذي سجل هدفي المباراة.

كذلك لم يتوقف نقل الحدث على القنوات والوسائل الإعلامية الرياضية فقط، وإنما امتدت لقنوات وبرامج سياسية يقدمها إعلاميون مؤيدون للنظام المصري، وطغت عليهم فرحة عارمة، كما ظهر واحد من أكثر الإعلاميين المصريين المؤيدين للنظام «أحمد موسى» الذي ربط الفوز سياسيًا وقال «يا مرتشين يا خونة مصر صعدت خلاص، وانتصرنا وفي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.. هي دي مصر (…) عايزين إيه بأة مننا تاني.. نجيب كأس العالم يعني؟!»

هو بيعمل ايه ؟ 😀

Geplaatst door Italian Zamalkawy Media op zondag 8 oktober 2017

أما عن الإعلامي عمرو أديب المؤيد للنظام المصري، فأنهى أحد فيديوهات احتفالاته بشكل لم يخلُ من السياسة، عندما دعى «يارب يا حنان يا منان زي مخلصتنا من الإخوان.. خلصنا من مجدي إجوان» في إشارة لمجدي عبد الغني الذي أحرز هدف مصر الوحيد في كأس العالم 1990.

وسيطر الاحتفال بصعود مصر لكأس العالم على الصفحات الأولى لمختلف الجرائد المصرية، ولجأ بعضها إلى اقتباس كلمات اعتاد الرئيس السيسي أن يقولها في خطاباته، مثل صحيفة البوابة التي عنونت صفحاتها الأولى «أد الدنيا.. مصر في المونديال»، فيما عنونت صحيفة المساء الحكومية «تحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر.. صعدنا إلى كأس العالم بعد أن حققنا النصر».

قرار الحكومة العمل بـ«محاكم أمن الدولة طوارئ» في قضايا «التظاهر»

وفي نفس اليوم وفي ظل الانشغال بتلك المباراة والاحتفالات التي أعقبها، أصدر رئيس الوزراء المصري شريف إسماعيل قرارًا بإحالة قضايا جديدة إلى «محاكم أمن الدولة طوارئ»، وهو قرار بدأ يظهر في بعض وسائل الإعلام، قبل انطلاق المباراة بنحو ساعة فقط.

وتتضمن القضايا الجديدة المُحالة إلى «محاكم أمن الدولة طوارئ» تهمًا وجرائم مرتبطة بشكل كبير بقضايا تتعلق بشكل مباشر أو غير مباشر بحرية التعبير، كتلك المنصوص عليها في قانون «التظاهر» 107 لسنة 2013 وقانون «التجمهر» 10 لسنة 1914، و«الإضراب» 34 لسنة 2011 ، ذلك بالإضافة إلى الجرائم المنصوص عليها في قانون الأسلحة والذخائر 394 لسنة 1954، وقانون حرية العبادة 113 لسنة 2008.

وقانون مكافحة الإرهاب 2015، والجرائم المتعلقة به، كالمساس بأمن الدولة والترويع والبلطجة، وتعطيل وسائل المواصلات، والمنصوص عليها في قانون العقوبات، وكذلك جرائم التموين ومخالفة التسعير الجبري.

ما هي محاكم أمن الدولة طوارئ؟ وماذا يعني القرار الأخير؟

يعين رئيس الجمهورية أو من يفوضه أعضاء محاكم أمن الدولة طوارئ بعد أخذ رأي وزير العدل، وتتشكل من دوائر خاصة في المحاكم الابتدائية الجزئية أو محاكم الاستئناف العليا، وتختص بشكل أساسي في الفصل في الجرائم المترتبة على مخالفة الأوامر العسكرية الخاصة بحظر التجول وأي جرائم أخرى فى القانون العام يحيلها لها رئيس الجمهورية أو من يفوضه، وهو بالفعل ما حدث في قرار الأحد بتوسيع الجرائم المحالة إليها.

Embed from Getty Images

التواجد الشرطي لمواجهة التظاهرات المؤيدة لمصرية جزيرتي تيران وصنافير في جمعة الأرض

ويسري هذا القرار بحسب نصه على الدعاوى الجديدة فقط «التي لم يتم إحالتها إلى المحاكم» أخرى سلفًا، وهو ما يعني أن المتهمين المحالين سلفًا إلى محاكم أخرى قبل القرار لا يسري عليهم القرار الجديد الذي بدأ العمل به يوم المباراة الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2017.

كما أن الجانب الأهم في القرار، يرجع إلى أن الأحكام الصادرة من محاكم أمن الدولة طوارئ، لا يجوز الطعن عليها، وفقًا للمادة 12 من قانون الطوارئ، والتي تنص على «لا يجوز الطعن بأي وجه من الوجوه في الأحكام الصادرة من محاكم أمن الدولة ولا تكون هذه الأحكام نهائية إلا بعد التصديق عليها من رئيس الجمهورية» ويحق للرئيس دون غيره تخفيف الأحكام أو إلغائها.

وهو أمر يختلف عن دوائر الإرهاب التي تؤكد على ضرورة سرعة نظر قضايا الإرهاب وفقًا لقانون مكافحة الإرهاب، مع إمكانية الطعن على الأحكام الصادرة منها، فإذا صدر حكمًا من دوائر الإرهاب يجوز الطعن عليه قضائيًا، أما إذا صدر حكمًا من محاكم أمن الدولة طوارئ فلا يجوز الطعن عليه على الإطلاق.

وبدأ العمل بالقرار قبل يومين من انتهاء المدة الثانية لفرض حالة الطوارئ التي بدأت في 10 أبريل (نيسان) 2017، وهو ما يعني أنه من المحتمل أن تمتد حالة الطوارئ في مصر لفترة أو أكثر تمتد كل واحدة منها لثلاثة شهور وأن تعيش مصر مدة أطول تحت حالة الطوارئ؛ إذ يرتبط ذلك القرار بإحالة القضايا الجديدة لمحاكم أمن الدولة طوارئ ، طوال فترة تطيبق حالة الطوارئ.

ومن اللافت أيضًا أن المحاكم تستمر في نظر «القضايا» التي أحيلت إليها في فترة الطوارئ حتى بعد انتهاء حالة الطوارئ، وفقًا للمادة 19 من قانون الطوارئ التي تنص على أنه: «عند انتهاء حالة الطوارئ تظل محاكم أمن الدولة مختصة بنظر القضايا التي تكون محالة عليها وتتابع نظرها وفقًا للإجراءات المتبعة أمامها، أما الجرائم التي يكون المتهمون فيها قد قدموا إلى المحاكم فتحال إلى المحاكم العادية المختصة وتتبع في شأنها الإجراءات المعمول بها أمامها».

وتعليقًا على القرار الأخير، أشار الباحث الحقوقي أحمد مفرح، إلى معارضة قضاة محكمة النقض السابقة إلى خطوات النظام لـ«تسريع» المحاكمات، واعتبر في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»، أن النظام وجد المخرج المناسب لذلك بتفعيل محاكم أمن الدولة العليا خلال حالة الطوارئ.

وقال: «يبدو أن النظام لم يفلح في العمل على تسريع المحاكمات وربما وجد أن كل الإجراءات التي أراد أن يقوم بتعديلها في القوانين المختلفة بداية من قانون محاكمة الاٍرهاب نهاية بالتعديلات على قانون الإجراءات للجنائية، وجدت معارضة من قضاة محكمة النقض، فكان المخرج بالنسبة له، تفعيل محاكم أمن الدولة العليا طوارئ ما دامت حالة الطوارئ مطبقة»

كما تساءل مفرح «لماذا لم يُعد النظام إحياء محاكم أمن الدولة طوارئ مرة أخرى، أثناء إعلان حالة الطوارئ في شمال سيناء، منذ ثلاث أعوام مضت؟» معتبرًا أن ذلك يدل على ما وصفها بـ«عشوائية اتخاذ القرارات».

وحول علاقة توقيت القرار بيوم المبارة، نفى مفرح وجود علاقة من وجهة نظره، وقال: «لا أعتقد ذلك من وجهه نظري، فالإجراءات الاقتصادية من الممكن أن يتخذها النظام في أوقات الأحداث، أما في القرارات القانونية أو الحقوقية فهو لا يأخذ مثل هكذا أمور أثناء إقرارها»، وتجدر الإشارة إلى أن النظام المصري اعتاد أن يتخذ قرارات اقتصادية فاصلة في أيام الخميس، أي مع نهايات الأسابيع، تتضمن رفع في الأسعار، وإجراءات يراها العديد مرهقة للمواطنين.

إحالة أوراق 13 متهمًا للمفتي يوم المباراة

وفي يوم المباراة أيضًا أحالت محكمة جنايات الجيزة أوراق 13 متهمًا للمفتي تمهيدًا للحكم بإعدامهم من بين 44 متهمًا، اتهمت نيابة أمن الدولة العليا بالانتماء لجماعة أسست على خلاف القانون وتهديد الأمن والسلم العام، وقتل ستة من ضباط وأفراد الشرطة، وهو قرار لم ينتبه إليه الكثيرون.

Embed from Getty Images

تزامن يوم المباراة مع إحالة أوراق 13 متهمًا للمفتي تمهيدًا لإعدامهم

ويأتي ذلك القرار بين ما لا يقل عن 72 حكمًا بالإعدام وإحالة الأوراق إلى المفتي خلال ست شهور من حالة الطوارئ، ذلك بالإضافة إلى ما لا يقل عن 140 حكمًا بالمؤبد في نفس الفترة، من بينها الحكم في قضية أحداث مسجد الفتح، بعد 49 شهرًا من الحبس الاحتياطي، والتي تضمنت وحدها 43 حكمًا بالمؤبد.

اقرأ أيضًا: كما لم تقرأها من قبل.. 11 نقطة فاصلة في قضية «أحداث مسجد الفتح».

وأيضًا: أرقام صادمة: حصاد 5 أشهر من فرض حالة الطوارئ في مصر

قرارات أخرى اتخذها النظام المصري أيام المباريات

ليست هذه المرة الأولى التي يتخذ فيها النظام المصري قرارات هامة تزامنًا مع أيام مباريات المنتخب المصري، فخلال مباريات منتخب مصر في بطولة إفريقيا السابقة بالجابون 2017، مرر النظام قرارات وأحداث مشابهة، من بينها:

إدراج 1500 شخص على قوائم الإرهاب يوم مباراة مالي التي استهلت بها مصر مشوارها في البطولة، ومقتل ثمانية مدنيين يوم مباراة أوغندا، واعتقال العشرات في الذكرى السادسة لثورة 25 يناير يوم مباراة غانا وحكم عسكري بالمؤبد على 133 مدنيًا يوم مباراة المغرب، ذلك بالإضافة إلى رفع أسعار الزيت والسكر يوم مباراة بوركينا فاسو، وتمديد مصر فترة تواجدها العسكري في اليمن يوم المباراة النهائية للبطولة مع الكاميرون.

اقرأ أيضًا: «قرارات يوم المباراة».. كيف استفاد النظام المصري سياسيًا من بطولة إفريقيا؟