“تحوَّل هذا الاستعراض إلى واحد من أكثر الأعمال التجارية ربحًا في العالم” *الكاتب إدواردو غاليانو.

 

وإن لم تكن تعشق الكرة أو من محبيها؛ فلن تستطيع أن تنكر أنها اللعبة الأكثر شعبية في العالم. ولا بدَّ أنك قد مررت في يوم من الأيام في شوارع مدينتك لترى الأنظار متلهفة على هدف في الدقيقة الـ 90 أو في الوقت الإضافي. وإذا كنت ممن يعشقون منتخبًا من المنتخبات القوية لا بدّ أنك في أحد دورات كأس العالم قد تمنيت لو فاز المنتخب الذي تشجعه أو أن يحرز اللاعب الذي تفضله أهداف الوصول للنهائي.

زين الدين زيدان في كأس العالم 1998 كان سببًا لفوز منتخبه بالكأس بهدفين سجلهما وحده. رونالدو كان سببًا لفوز البرازيل بمونديال 2002 بهدفين سجلهما وحده أيضًا، لقد أصبح معشوقًا للجماهير من أقصى الأرض إلى أدناها، وكعبة شركات الإعلانات.

فهل حافظت كرة القدم على متعتها دون أن تدخلها السياسة؟ ودون أن يتحكم فيها الاقتصاد؟ دعنا نرى.

 

سقراط يعترض على التدخل المادي في الكرة ويعارض الجنرالات من داخل الملعب

سقراط فيلسوف الملاعب.

كان طبيبًا للأطفال قبل أن يتفرغ لهوايته الجميلة، كرة القدم. من أحد الأسر المتوسطة في البرازيل جاء ليخوض بحارًا من الاحتراف في إيطاليا، وحين بدأت الماديات تأخذ مجراها في الكرة، آثر العودة لوطنه واللعب لنادٍ فقير صغير. فتحويل الهواية، والمتعة، والشغف إلى صناعة لم يكن ليستهوي سقراط رغم الإغراءات. عاد ليبدأ رحلة معارضة سياسية في الملاعب ضد النظام الديكتاتوري العسكري في الثمانينيات.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://youtu.be/mHi7VF13wfA” width=”650″ height=”450″ ]

سقراط في الملعب.

 

قام انقلاب في البرازيل عام 1964، وأدرك الجنرالات في البرازيل أهمية الكرة، فبدأوا يلعبون على هذا الوتر عند الجماهير، وحدث التالي: لقد بدأوا في بناء ملاعب كرة قدم كثيرة جدًا، أكثر من المستشفيات والمدارس، بنسبة 4:1.

“بقيت في ميدان كرة القدم فقط من أجل الوزن السياسي، لمحاربة المجتمع القمعي الذي يقوده العسكر” *سقراط

 

بحثًا عن سقراط آخر “الحكومات تتدخل في نتائج المباريات”

هل سمعت عن إقليم الباسك؟ في إسبانيا، ما زال ـ حتى الآن ـ يحاول أن ينفصل عن عرش الملك في مدريد، خلال الحرب الأهلية الإسبانية 1936 كان الديكتاتور فرانكو في كفة هتلر وموسوليني وفي فريقهم، بينما كان هناك فريقان لكرة القدم يعتبران عنواناً للمقاومة “برشلونة ومنتخب الباسك”. فريق الباسك بالتحديد كان يجوب أوروبا لتسويق القضية الجمهورية، المناهضة لفرانكو، وجمع الأموال، بينما قتل رئيس فريق برشلونة برصاص فرانكو.
ريال مدريد كان النادي المحظي لدى فرانكو فقد فاز أثناء حكمه بأربعة كؤوس إسبانية متتالية وخمسة كؤوس أوروبية، وكان الريال يتجول في كل البلدان للدعاية لفرانكو، ما جعل أحد قادة نظام فرانكو يخاطب رجال ريال مدريد قائلاً:

 

لأن أناساً كانوا يكرهوننا في السابق، صاروا الآن يفهموننا بفضلكم.

ربما لم يكن الأمر مصادفة في بلدين من أكثر البلاد صناعةً لكرة القدم ونجومها، إيطاليا والبرازيل، أن يترشح رئيسا ناديين إلى الرئاسة ولم يكن لأحدهما أية خبرات سياسية. في إيطاليا كان الرجل مالكًا لأحد نوادي إيطاليا الشهيرة AC Milan، كانت أكبر شركات الرجل تشارف على الانهيار لكنّ امتلاكه لنادي الميلان شفع له ونزل للرئاسة تحت شعار “تحيا إيطاليا”. وفعلًا قامت إيطاليا وفازت بكأس العالم عام 2006 وقامت شركات الرجل من جديد ولم تعلن إفلاسها.

 

بيرلسكوني مالك Ac Milan .

بالحديث عن إيطاليا يأتي دور الزعيم الفاشي موسوليني ليهتمّ بالكرة كالتالي: بدأ يهدد أعضاء منتخبه بالقتل إن لم يفوزوا- حسب تقارير -، ففاز المنتخب الإيطالي بكأس العالم في دورته 1934 و1938 وبدأ موسوليني التسويق لفوز منتخب بلاده بكأس العالم باعتباره انتصارًا للفكر الفاشي الجديد.

“إذا كان هناك من سبيل لإلهاء الشعوب عن مشكلاتهم، وعن القهر والظلم السياسي فهو بالطبع كرة القدم” *الكاتب الصحفي تيري إيجلتون

لم يكن موسوليني هو الوحيد في هذا الأمر، فرجال مثل هتلر والديكتاتور فرانكو فعلا نفس الأمر بأشكال مختلفة. احتلت النازية النمسا وأجبر هتلر المنتخب النمساوي ـ والذي كان قويًا جدًا حينها ـ على الانسحاب من بطولة كأس العالم لأجل ألمانيا. في العام 1942 حدث ما هو أكثر وحشية من هذا بسبب الكرة، التي هي مجرد لعبة للمتعة والترفيه عن الشعوب بالأساس. في الحقيقة لم يكن من أجل الكرة بل كان من أجل السياسة والاستعمار.

كانت أوكرانيا ستقابل المنتخب الألماني ولأنها كانت تحت احتلال ألمانيا النازية فقد هددت ألمانيا المنتخب الأوكراني بالإعدام إذا فاز على المنتخب الألماني. نزل الأوكرانيون إلى الملعب مرتعدين، لكنَّ حماسة الملعب وانتشاء الحرية التي تمنحها الكرة للاعبيها بالركض ورائها وإحراز الأهداف مع تصفيق الجماهير ساق المنتخب الاوكراني إلى المشانق، فأعدموا جميعًا، فقط لأنهم انتصروا على منتخب هتلر.

موسوليني (يمين) هتلر( يسار) كلاهما استخدم كرة القدم للدعاية لمشروعه السياسي والعسكري.

 

معركة قومية

هل يمكن أن تتحول “لعبة” خلقت للمتعة إلى معركة؟ معركة يكون الانتصار فيها انتصارًا على العدو؟ هل جربت هذا؟ هل عشته؟ لقد عاشه العالم عام 1954 في كأس العالم بسويسرا. كان النهائي بين دولة شيوعية هي المجر، ودولة رأسمالية هي ألمانيا الغربية. كانت هذه تمثل المعسكر الشيوعي وتلك المعسكر الرأسمالي والغرب، في فترة من أكثر لحظات العالم توهجًا وجنونًا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة. لقد انتصرت ألمانيا في النهائي ولهذا فقد انتصر الغرب، ولملم الشيوعيون خيبتهم وعادوا إلى بلادهم يعدُّون العدة للبدء من جديد.

 

“إيران أذاقت العدو طعم الهزيمة”.

*المرشد الإيراني خامنئي حين فاز منتخب بلاده على منتخب الولايات المتحدة عام 1998.

 

للاقتصاد نصيب أيضًا

في نهائيات كأس العالم 1998 انهزمت البرازيل، كانت هذه كارثة. تمَّ تحقيق برلماني لهذه الهزيمة، فماذا كانت النتيجة؟ كانت الشائعات تقول أن الشركة العملاقة NIKE كانت تمتلك عقد رعاية للمنتخب البرازيلي وقد أجبرت المنتخب أن يدفع برونالدو في المباريات النهائية رغم كونه مصابًا. خرج التحقيق ليقول لنا أن المنتخب قام بلعب مباريات ودية كثيرة أرهقت اللاعبين، هذه المباريات الودية أثرت على أداء الفريق في النهائيات. لماذا خاض الفريق هذه المباريات الودية الكثيرة؟ لأن هذه كانت شروط NIKE إذن هذه شركة لكي تسوق لنفسها سيطرت على منتخب عريق كمنتخب البرازيل.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://youtu.be/7dQaUUY7TP8″ width=”650″ height=”450″ ]

نهائي كأس العالم 1998.

 

تبلغ ميزانية نادي مانشستر يونايتد الإنجليزي نحو 1.86 مليار دولار، بينما أنهى ريال مدريد عامه الماضي بأرباح 603.9 مليون يورو. يمكن التساؤل عن إسهام مثل هذه النوادي في اقتصاد بلدانها. تعتبر الكرة صناعة اقتصاد بسبب دورة رأس المال بشكل محدد ومحسوب. شركات الإعلانات، شراكات البنوك، حقوق البث التليفزيوني، شراء اللاعبين بالملايين والصفقات النارية. ناهيك عن كل هذا فقد أزال ريال مدريد شعار الصليب من شعاره الرسمي رضوخًا لشرط بنك أبو ظبي الوطني الذي وقع اتفاقية شراكة مع النادي الملكي، بينما حدث نفس الأمر في نادي باريس سان جيرمان بسبب ملَّاكه القطريين أيضًا، هل تتحكم الكرة أم يتحكم المال وحده إذن؟

 

بعض الأرقام

في المركز الأول بالنسبة للاعبين تبلغ ثروة النجم البرتغالي كرستيانو رونالدو 148 مليون يورو(يتقاضى سنويًا 18 مليون يورو). يأتي ليونيل ميسي في مرتبة متأخرة بواقع 146 مليون يورو(يتقاضى نفس الراتب تقريبًا). يمتلك صامويل إيتو 85 مليون يورو. ويأتي رابعًا روني بما قيمته 84 مليون يورو. ويحتفظ روني بأغلى أجر في تاريخ كرة القدم في بريطانيا حيث يتقاضى 365 ألفًا في الأسبوع، بينما جاء كاكا خامسًا بـ 82 مليون يورو.

 

حرب كرة القدم بين السلفادور والهندوراس هل يعقل هذا؟!

هل سمعت عنها سابقًا؟ كانت مباراة كرة القدم شرارة لحرب استمرت عدة أيام. الهندوراس والسلفادور تشتركان في حدود واحدة. سيطر على الأراضي في السلفادور حفنة من الأغنياء. نهش الفقر لحوم الفقراء، فبدأوا ينزحون إلى الهندوراس التي تعتبر أقل عددًا وأكبر مساحةً من بلدهم السلفادور، استوطنوا وبدأوا في امتلاك الأراضي في الهندوراس، لم يعجب الهندوراس هذا وأصدرت الحكومة قانونًا جديدًا يقلص من تملك السلفادوريين المهاجرين للأرض في الهندوراس. وطردت بعض مُلاك الأراضي.

حرب كرة القدم.

في تصفيات كأس العالم 1970 تقابل منتخبا البلدين. في المباراة الأولى التي أقيمت على أرض الهندوراس فازت الهندوراس وبدأت الجموع تتوجه إلى أحياء السلفادوريين واعتدت عليهم وبدأ السلفادوريين المستوطنين في الهندوراس العودة للسلفادور، وفي المباراة الثانية حصل نفس الأمر لكن هذه المرة في السلفادور.

بنهاية المباراة الثانية نشر البلدان قواتهما على الحدود، وبدءا في التراشق حتى بدأت معركة جوية استمرت أياما قليلة وانتهت الحرب بعد مفاوضات.

 

في الشرق الأوسط الأمور تصطبغ دومًا بلمسة كروية!

تشكيلات الأمن المركزي في إحدى المباريات في مصر.

لم يتوقف الأمر على دعم نجل الرئيس المصري الأسبق جمال مبارك للمنتخب المصري وحرصه على حضور المباريات بشكل منتظم تقريبًا. في اليوم 2 فبراير 2006 اليوم التالي على وفاة أكثر من 1000 مصري بعبَّارة السلام 98 كانت مباراة لمصر في كأس الأمم الافريقية، وبدلًا من أن يهتم الرئيس بانتشال الجثث التي تطفو على صفحة مياه البحر الأحمر قرر حضور المباراة بنفسه. محللون وكتاب قالوا أنه حاول إخفاء الجريمة والتعتيم عليها بهذا الفعل.

جمال وعلاء مبارك نجلي الرئيس الأسبق يحضران مباراة عام 2010

ولم يتوقف الأمر أيضًا على الاشتباكات المتتالية التي بدأت بين الألتراس ورجال الأمن في مصر منذ العام 2007 بشكل شبه أسبوعي، ولم يتوقف الأمر عند وقوع كارثة أو ما عرف “بمذبحة بورسعيد” في عهد المجلس العسكري السابق، ومقتل 73 من مشجعي النادي الأهلي في بورسعيد. وإنما كان للأمر جذورًا.

قرر الملك فاروق أن يسمي نادي الزمالك بنادي الملك فاروق عام 1944 وأصبح رئيس الديوان الملكي رئيسًا للنادي، بينما ترأس الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه النادي الأهلي لفترة وكذلك المشير المصري عبد الحكيم عامر. عدد كبير أيضًا من جنرالات الثورة ترأسوا الناديين الكبيرين في مصر.

بين المغرب والجزائر كانت تظهر في المدرجات المشكلات الحدودية دومًا، بين الدول التي كانت مستعمرة والمستعمر كانت تظهر المشكلات في الملعب، بين المغرب وأسبانيا وبين الجزائر وفرنسا. كانت العلاقات تشوبها دومًا توترات داخل المساحة الخضراء، هتافات في الملاعب، احتقار لاعبي فرنسا للجزائريين، وتشابكهم بالأيدي ذات مرة على سبيل المثال، الكثير من الأمثلة. بالطبع أقرب هذه المشاهد إلى الذهن الافتعال الحادث أثناء تصفيات كأس العالم 2010 بين مصر والجزائر، وتهويل الإعلاميين المصريين والجزائريين، بينما كشف أحد الكتاب حينها أنّ المشكلة كانت مشكلة تجارية بين أحد أبناء مبارك وأحد أقرباء الرئيس الجزائري بوتفليقة.

 

“تاريخ كرة القدم هو رحلة حزينة، من المتعة إلى الواجب، فكلما تحولت هذه الرياضة إلى صناعة، كان يجري استبعاد الجمال الذي يتولد من متعة اللعب لمجرد اللعب، وبدأ الاهتمام بالربح” *إدواردو غاليانو.

المصادر

تحميل المزيد