يمكن للحلم أن يصبح حقيقة، شاب مصري من الأقاليم البعيدة يمكنه أن ينطلق من قريته إلى الشهرة العالمية، وإلى المحبة والتقدير من الملايين عالميًّا، والسبيل هو كرة القدم، شاب بسيط يشبه أبناء الطبقة الوسطى، يستطيع أن يُحقق نجاحًا يملأ الآفاق، هكذا يمكن وصف لاعب كرة القدم المصري محمد صلاح، الذي جعل الحلم يعود ليتردد بقوة في صدور المصريين من أبناء الطبقة الوسطى، الذين حلموا على مدار العقود الماضية أن يكون أبناؤهم من لاعبي كرة القدم المميزين، وأن يكون هذا هو طريقهم للترقي الاجتماعي بدلًا من الانخراط في سنوات من التعليم قد لا تحقق لهم شيئًا، فاتجهوا إلى مدارس تعليم كرة القدم، يقتطعون من دخولهم ومرتباتهم الهزيلة ليوفروا كلفة هذه المدارس الشهرية، فقط ليستطيع أبناؤهم تحقيق الحلم.

كرة القدم حلم الآباء لأطفالهم

أعلم تمامًا أن مستقبل الكرة هو الأفضل علي الإطلاق الآن؛ لذلك قررت أن أقدم لابني الذي لم يتجاوز عمره السنوات العشر، في مدرسة لتعليم كرة القدم؛ كي يتأهل ويتعلم بشكل صحيح منذ الصغر.

هكذا بدأ علاء الدين علي، والذي كان جالسًا لمشاهدة ابنه أثناء حصته التدريبية في أحد مدارس تعليم كرة القدم بالقاهرة الجديدة. ويضيف علي لـ«ساسة بوست»: «أعمل محاسبًا في إحدى الشركات الخاصة، ولم أطمح يومًا أن يصبح ابني طبيبًا أو مهندسًا كما كان يطمح لنا أهلنا؛ لأن مثل هذه الأهداف الآن لا تأتي بثمنها، وربما تُعذب أصحابها، وكل طموحي الآن أن ينضم ابني لأحد النوادي الصغيرة، ويبدأ طريقه ليصبح لاعبًا كبيرًا في نادٍ كبير، وربما ينضم كذلك إلى المنتخب».

Embed from Getty Images

ربما يعكس كلام علاء طموح شريحة كبيرة من الشباب صغير السن، وكذلك آباء الطبقة الوسطى والدنيا في المجتمع، والذين يهدفون الآن إلى أن يدفعوا بأولادهم لطريق كرة القدم، ويعدّونهم لهذا منذ صغرهم، باعتباره -بحسبهم- الطريق الأسرع والأسهل للحصول على المال والشهرة، وباعتباره مستقبلًا مضمونًا أيضًا، فلا سنوات تعليم طويلة مملة ومكلفة، ولا بطالة بعد ذلك، وقد أدى هذا النوع من التفكير لوجود آلاف الشباب والأطفال في النوادي الاجتماعية ومراكز الشباب كل هدفهم أن يصبحوا لاعبي كرة قدم، كما أدى أيضًا لظهور مدارس متخصصة لتعليم الشباب والنشء كرة القدم فقط.

كانت أمنيتي أن أصبح لاعب كرة، لكن الظروف لم تساعدني، حينها كنت في الفيوم ولم أكن أعلم أي طريق يجب أن أسلكه لأحقق حلمي.

هكذا بدأ عصام عبد الله -عامل مباني- حديثه لـ«ساسة بوست»، لكن الحلم الذي فشل عبد الله في تحقيقه بنفسه وجه إليه أطفاله موضحًا دوافعه لذلك: «تزوجت وسافرت إلى القاهرة وصار همي الشاغل أن يصبح أولادي لاعبي كرة قدم كبارًا، أرى خريجي الجامعات وهم يكنسون الشوارع والأطباء والمهندسين لا يحصلون إلا على القليل من المال، هذا جعلني أكثر إصرارًا على حلم كرة القدم، وبمجرد أن سمعت عن مدارس تعليم أساسيات كرة القدم للأطفال الصغار، والتي تمهد لهم الطريق للانضمام إلى الأندية الكبرى اشتركت على الفور لولدي الاثنين في إحداها».

ثم أشار إلى طفلين في الملعب وقال: «هذان ابنيّ، لم يتجاوز عمر الكبير 11 عامًا بعد، أما الصغير فهو في التاسعة من عمره، أحاول قدر استطاعتي أن أوفر لهم 700 جنيه شهريًّا مصاريف المدرسة للاثنين، ولا يفوتني أن آتي معهما التدريب بشكل دائم لكي أتابع تطورهما، كما أتابع أيضًا نظامهما الغذائي وأداءهما للتمارين المطلوبة منهما في البيت، وكل ما أتمناه هو أن أجعلهما ينضمان للمنتخب».

تتفق معه سمية أحمد (ربة منزل) التي تقول لـ«ساسة بوست»: «زوجي يعمل موظفًا بإحدى الشركات، وكل حلمنا أن يصبح ابني (ست سنوات) لاعب كرة في أحد النوادي المشهورة، حتى يتمكن من بناء مستقبله وتحسين وضعنا الاقتصادي أيضًا، ومن أجل تحقيق هذا الحلم قدمنا له في مدرسة تعليم كرة القدم عندما كان عمره خمس سنوات».

شباب صغير يجبر نفسه على العمل لتوفير مصروفات هذه المدارس

لم يقتصر هذا النوع من الطموح على أولياء الأمور فقط، بل شمل الشباب الصغير أيضًا، والذي اختار هذا الطريق نفسه ولاقى تشجيعًا من عائلته، من بينهم أحمد طلعت (20 عامًا) الطالب بمعهد دراسات تعاونية الذي يقول: «أريد أن أصبح مشهورًا وأفيد بلدي، لهذا قررت أن أصبح لاعب كرة؛ لأن هذه من أسرع الطرق للنجاح والشهرة والمال أيضًا».

ويفصل طلعت أكثر في الحديث عن وسائله لتحقيق أهدافه؛ فيضيف لـ«ساسة بوست»: «بدأت ألعب كرة قدم منذ وقت مبكر في الشارع ومراكز الشباب، ومنذ فترة قريبة سمعت عن مدارس تعليم كرة القدم وقررت أن أنضم لها لأنها ستُعلمني بشكل أفضل وأكثر احترافية، كذلك فهي توفر لطلابها فرصة عرضهم على النوادي الكبرى للالتحاق بها. وما أثق به تمامًا أن هذا هو أفضل طريق ممكن لبناء مستقبلي».

ولكن طريق طلعت ليس مفروشًا بالورود؛ فهو يقول: «أعمل حاليًا في أحد محلات إعداد الوجبات السريعة لكي أستطيع توفير مصروفات المدرسة، وهي 400 جنيه في الشهر، كذلك نفقات الانتقالات من البيت في عين شمس للمدرسة في القاهرة الجديدة ثلاث مرات أسبوعيًّا، تقريبًا أنفق كل راتبي لأجل هذا الأمر، وأملي أن أحصد ثمار كل هذا في يوم قريب».

طريق طلعت لا يختلف كثيرًا عن طريق أحمد عبد الحليم (17 عامًا)، الطالب في الفرقة الثانية من التعليم الثانوي الفني، الذي يجمع بين الدراسة والتدريب والعمل؛ إذ يقول: «أنا أيضًا أعمل سائقًا لكي أتمكن من توفيرمصروفات المدرسة»، مُضيفًا لـ«ساسة بوست»: «كنت ألعب كرة القدم في الشارع منذ وقت مبكر، لكن والدي -والذي يعمل عاملًا في أحد المصانع- هو من شجعني لانضم إلى أحد مدارس تعليم الكرة، أعرف أنها ربما تكون الفرصة الوحيدة لكي أتمكن من عرض مهارتي في اللعب على الأندية الكبرى، الآن أنا أُكمل دراستي وأعمل إلى جانب تعلم كرة القدم، أتعب كثيرًا على أمل أن يأتي اليوم الذي سيمكنني الراحة فيه».

فيما يقطع وائل عبد الوهاب (19 عامًا) الطالب بمعهد اللاسلكي، مسافة طويلة تمتد لأكثر من 200 كيلومتر ثلاث مرات أسبوعيًّا من محل إقامته في بورسعيد شمالي مصر إلى مقر المدرسة في القاهرة الجديدة من أجل التدريب، ويقول لـ«ساسة بوست»: «لا يهمني الجهد الذي سأبذله الآن، المهم أن أستطيع أن أصل إلى هدفي أسرع وأصبح لاعبًا مشهورًا».

فيما مثّل باسم عبد الفتاح (15 عامًا) حالة نجاح بالانتقال من مدرسة تعليم الكرة إلى نادي الترسانة بدوري الدرجة الثانية في مصر؛ فيقول: «الآن الاهتمام الأكبر بكرة القدم، وكل ما أتمناه منذ صغري أن أصبح لاعب كرة قدم مشهورًا، وهو ما لم يكن مرضيًا لوالدي -والذي يعمل عاملًا في إحدى الشركات- كان رافضًا في البدء تمامًا، ثم تمكنت من إقناعه أن هذا أفضل كثيرًا من البطالة بعد الجامعة».

ويضيف باسم قائلًا: «أنا من قرية شبرا شهاب بعد القناطر الخيرية، والتحقت بمدارس تعليم كرة القدم منذ نحو العام، بعدها استطعت أن أتأهل وأنضم إلى نادي الترسانة منذ نحو ستة أشهر، وأتمنى أن أطور مهاراتي سريعًا وأنضم لنوادي أكبر».

من صلاح إلى زيدان.. كيف تأثرت قرى النجوم المسلمين بعد تألقهم في أوروبا؟

ومدارس الكرة هي الحلم

يعلق أحمد رجب -مدير إحدى مدارس تعليم كرة القدم- قائلًا: «وعي الناس بكرة القدم زاد حاليًا جدًا، ربما في الماضي لو قال ابن لوالده إنه يريد أن يصبح لاعب كرة لعارضه بكل قوته، لكن في الوقت الحالي الآباء أنفسهم هم من يشجعون الأبناء لتحقيق هذا الحلم، وأرى أن هذا أمر طبيعي جدًا بعد تفشي البطالة، وأن فرص العمل المتاحة لا توفر سوى القليل جدًا من الدخل على أي حال، في الوقت الذي يصل فيه ثمن لاعب كرة القدم إلى ملايين الجنيهات، بخلاف الشهرة ومحبة الناس، وهو ما لا توفره رياضات أخرى لا يسمع الناس عن أبطالها».

يرى رجب أن جزءًا من هذا الإقبال الشديد يعود إلى أن الناس أصبحوا يعرفون كيف يمكن لشاب يشبه أبناءهم وأخوتهم أن ينطلق للنجاح والشهرة والعالمية من خلال كرة القدم، فلا ينكر رجب تأثير لاعب كرة القدم محمد صلاح على ازدياد الإقبال على تعلم كرة القدم.

Embed from Getty Images

ويضيف: «كثير من الذين يقدمون لدينا هم من أبناء الطبقة الوسطى، ولدينا الكثيرين كذلك من محافظات مثل السويس وبورسعيد، ويأتون إلى هنا لأن فرصة ظهورهم أفضل من خلال مباريات ودية نقيمها مع فرق الأندية، ويحضرها المدربون والمشرفون في هذه الأندية، ومن خلال المباريات تتضح العناصر الجيدة لدينا فتبدأ النوادي بطلبها، ومن لا يُطلب يستمر في التدريب لرفع مستواه، ومبدئيًّا لكي نقبل الولد بالمدرسة لا بد أن يكون لديه الحد الأدنى من اللياقة الجسدية، ونجري له بعض الفحوصات الطبية كرسم القلب للتأكد من صحته، ونحن نقبل الأولاد من سن خمس سنوات».

أما كابتن خالد الزمر -المدرب في إحدى مدارس الكرة- فيقول: «خلال السنوات الخمس الأخيرة بدأت مدارس تعليم كرة القدم في الزيادة والانتشار، بعضها تابع لمدرسة أو شركة أو جهة ما، وبعضها مستقل، فمعظم (كباتن) مصر ينشئون الآن مدارس لتعليم كرة القدم، كذلك معرفة الناس بهذه المدارس وإقبالهم عليها بدأ في الازدياد؛ لأنها توفر فرصة جيدة لأولادهم بمقابل مادي مناسب نسبيًّا».

ويضيف أيضًا: «فهناك مدارس تبدأ مصروفاتها الشهرية من 300 جنيه، وهناك مدارس تصل إلى ألف جنيه، لكن كليهما على أي حال لا تُقارن بالمقابل الذي تحصل عليه الأكاديميات التابعة للأندية، كما أن آخر عمر تقبله هذه الأكاديميات هو 12 عامًا، وإن لم يكن الولد قد تأهل للانضمام لنادي حتى هذا السن فإنهم يتركونه، أما مدارس الكرة فتتيح الاستمرار فيها ورفع مستوى المتدرب حتى يقوم نادي باختياره لأعمار أكبر من هذا».

«اللاعب والجنرال» كيف مشى صلاح على حبال السيسي دون أن يقع؟!

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!