إن الأرض ضيقة جدًا، فيجب أن تترك لنا مساحة نحن الذين نملك رؤية بسيطة للحياة!

لربما كان الناقد الإيطالي إمبرتو إيكو، محقًا في جملته هذه، بشأن كرة القدم، اللعبة التي لم يحبذها يومًا؛ لكونها – كما يردد مرارا – تتسبب في سقوط ضحايا أبرياء. يقول إمبرتو: «إنني أتفق فعلًا مع الشيوعيين الإيطاليين، حين قالوا إنّ الحرب وحدها الكفيلة بتنظيف العالم، لكن شرط أن يشارك في هذه الحرب المتطوعون وحدهم، دون أن تصل نيران حروبهم إلى الآخرين الذين لم يريدوا ذلك».

هذا بالضبط، ما حصل ليلة السبت 19 مارس (آذار) 2016، في ملعب محمد الخامس بالمغرب، حيث وقعت مجزرة بين فصيلين مشجعين لفريق الرجاء البيضاوي، عقب نهاية مباراة كرة القدم بين الفريق الأخضر وشباب الحسيمي، راح ضحيتها حتى الآن ثلاثة أرواح، بينهم طفل يبلغ من العمر 14 سنة، و54 جريحًا، منهم ست حالات خطيرة ترقد في قسم الإنعاش، بينهم أربعة قاصرين.

شغب الملاعب ظاهرة قديمة في المغرب

بدأت أحداث الشغب، عندما ألقى بعض أنصار فريق الرجاء البيضاوي، الألعاب النارية على بعضهم البعض، فتطور الأمر بسرعة إلى مواجهة مباشرة، ما خلق هلعًا بين الجماهير الرابضة على المدرجات، ما سبب بدوره تدافعًا عنيفًا بين المتفرجين، وأخرج الوضع عن السيطرة، مخلفًا قتلى وعشرات الجرحى، بالإضافة إلى تهشيم فادح لتجهيزات الملعب.

تظهر مقاطع الفيديو الموثقة للحدث، حشودًا من أنصار فريق الرجاء البيضاوي، تتراشق فيما بينها بالحجارة والألعاب النارية، قبل أن تشتبك مع بعضها مسلحة بالعصي والسيوف.

في الحقيقة، كانت الحادثة، حلقة من سلسلة طويلة لحالات العنف الذي تمارسه الجماهير الكروية المغربية فيما بينها، فلم تكن إذن صحيفة «مترو» البريطانية بعيدة عن الصواب، حينما علقت أمس، ارتباطًا بواقعة ملعب محمد الخامس، بأن المغرب «بات معروفًا بظاهرة شغب الملاعب».

نذكر ـ على سبيل المثال ـ أن من بين أسوأ أحداث عنف الملاعب المغربية الكثيرة، واقعة «الخميس الأسود» خلال أبريل (نيسان) 2013، عندما اجتاح عدد كبير من جماهير الجيش الملكي، شوارع الدار البيضاء، مخلّفين وراءهم الرعب والخراب، قبل أن تسيطر عليهم القوات الأمنية، وتعتقل منهم المئات.

وكثيرًا ما تمتد أحداث شغب الملاعب المغربية، إلى أحياء المدن وشوارعها، بحيث توقع خسائر فادحة في شبكة المواصلات والمرافق العامة، وكذا الأملاك الخاصة، نتيجة الفوضى التي تخلفها وراءها. ويطال عنف الجماهير الكروية ـ في كثير من المناسبات أيضا ـ اللاعبين والحكام والصحافيين والأطقم التقنية، فضلا عن رجال الأمن.

عن أسباب شغب الملاعب

شغب الملاعب، هو ظاهرة معروفة في مباريات كرة القدم، تحدث في مختلف الملاعب العالمية بدرجات متفاوتة، إلا أنها تكاد تكون لصيقة بجل مباريات الكرة المغربية؛ حيث يظهر عنف جماهير بملاعب المغرب بشكل أكثر عنفا وشيوعا.

استفسر «ساسة بوست» من مصطفى الشكدالي، المختص في علم النفس الاجتماعي، حول ما حدث بمركب محمد الخامس، فأجاب:«ما وقع بالأمس في مدرجات ملعب كرة القدم بالدار البيضاء من عنف أدى إلى سقوط أرواح بشرية وعدد كبير من الجرحى، يجد تفسيره خارج الملعب، وليس داخله»، في إشارة إلى أن أحداث الشغب هي حصيلة تنشئة البيئة خارج حدود الملعب.

يتفق مع هذا الطرح العديد من المهتمين بالشأن الكروي المغربي، فالعنف الرياضي بالملاعب المغربية، ليس مجرد حوادث استثنائية عابرة، بقدر ما هي ظاهرة شائعة بالملاعب المغربية، وعصية على السيطرة، بالرغم من كل الاستعدادات الأمنية والعقوبات القانونية القاسية.

رشيد الجرموني، الخبير الاجتماعي، هو الآخر يعتقد أن العنف الرياضي بمدرجات الملاعب المغاربية، ناجم عن احتقان اجتماعي شديد، خاصة داخل فئة الشباب الساخطة على مؤسسات الدولة، ومن ثم تصبح المدرجات متنفسا لتفريغ هذا الاحتقان عبر الشغب والعنف.

هذا ما عبر عنه مصطفى الشكدالي في حديثه لنا، عندما أفاد: «مع الأسف جمهور كرة القدم اليوم عندنا لا يذهب لمتابعة مباراة رياضية، بقدر ما يتحول إلى خلق مشاهدة يكون العنف هو محركها. وهذه إشارة قوية، على المستوى النفسي والاجتماعي، تدل على تحويل إحباطات الحياة اليومية إلى ملاعب الكرة».

لكن، رغم ذلك، لا يمكن فهم شغب الملاعب، بدون معرفة طبيعة الجمهور الكروي الذي يولد هذا الشغب، أو ما يطلق عليه «الألتراس».

من هم«الألتراس»؟

حصلت أحداث الشغب ليلة السبت الماضي، عندما اندلع شجار بين ألتراس «غرين بويز» وألتراس «الإيغلز»، وكلاهما مناصران لفريق الرجاء البيضاوي، لكنهم في نفس الوقت، فصيلان متنافسان لقيادة جمهور الرجاء البيضاوي. وعادة ما تحمل فرق الألتراس مسئولية الأحداث السابقة لشغب الملاعب بالمغرب. ومن هنا تأتي أهمية التطرق لما يسمى بـ«الألتراس» لفهم ما جرى في مدرجات مركب محمد الخامس، بالدار البيضاء.

تعني كلمة «ألتراس»، وهي كلمة لاتينية (Ultras)، الشيء الفائق أو الزائد، ونقصد بها في عالم الكرة فئة منتظمة من مشجعي الفرق الرياضية، تتميز بانتمائها وولائها الشديد لفرقها الكروية، تعبر عنه عبر طقوس رمزية فولكلورية. ظهرت الظاهرة أول مرة في البرازيل سنة 1940، حيث ألتراس تورسيدا، ثم انتقلت إلى محبي الكرة في أوروبا، وباقي أمريكا الجنوبية، لتحل حديثا ببلدان شمال إفريقيا وبعض دول الشرق الأوسط.

يوجد بالمغرب حوالي 50 مجموعة ألتراس، تستقطب إليها آلاف الشباب والمراهقين، بعضها مصنف، حسب موقع وورلد أولترا، ضمن أفضل عشرة مجموعات ألتراس في العالم، كما هو الحال مع «غرين بويز» المشجعة لفريق الرجاء البيضاوي، و«الوينرز» المناصرة لفريق البيضاوي. وتشترك فرق الألتراس عالميا، ومغربيا بشكل خاص، في أربعة ميزات مشتركة:

1-      الاستمرار في تشجيع فريقها طوال المباراة

تشجع الألتراس فرقها، بغض النظر عن النتيجة أو الأحوال الجوية، من خلال قرع الطبول، وترديد الشعارات والأغاني الرياضية الخاصة بها، ورسم اللوحات الجماهيرية. وبعكس المتفرجين العاديين، فجمهور الألتراس لا يحضر المباريات لمجرد الفرجة والمتابعة، وإنما، قبل ذلك، يحضر لمؤازرة فريقه كهدف أساسي. يقود التشجيع على المدرجات قائد يلقب بـ«الكابو». وتنتظم جماهير الألتراس سويا في مساحة معينة من مدرجات الملعب، تحرص على عدم «تدنيسها» من قبل جمهور فرق الألتراس الأخرى المنافسة، ولذلك يطلق على مساحة تواجدها بالمنطقة العمياء (الكورفا)، كناية على حرمتها.

2-      حضور جميع المباريات الكروية في جميع الأحوال

يصر الألتراس على حضور كل مباريات فرقها، الداخلية منها والخارجية، مهما كانت التكلفة والمسافة، حيث تسعى دائمًا فرق الألتراس لحشد جمهورها، بكل الوسائل والطرق الممكنة، لإظهار قوة أنصار فريقهم وكثرة تعدادهم أمام الفرق المنافسة، وعادة ما يسافر جمهور الألتراس بشكل جماعي، ويصلون الملعب على شكل موكب (كورتج)، وهم يرددون شعاراتهم ويلوحون براياتهم المميزة، كنوع من التظاهر بالولاء لفريقهم أمام الناس ووسائل الإعلام.

3-      وجود نسق رمزي يُميز الألتراس

يتمثل هذا النسق الرمزي في «التيمات» التي يتفرد هذا الألتراس عن ألتراس الفرق الأخرى، بداية من الاسم، والشعار، مرورًا بالشعارات ولحنها، إلى الرايات والرسومات الخاصة بها، ناهيك عن اللوحات الجماهيرية المبدعة «التيفو أو الدخلة». ويترجم النسق الرمزي قيمًا محددة يؤمن بها جمهور هذا الألتراس، بحيث ـ غالبًا ما ـ تعكس معاني ذكورية، كالفحولة والشراسة والقوة، بالإضافة إلى الشجاعة.

4-      وجود نظام تدبيري يحكم الألتراس

بالرغم من أن جماهير الألتراس تبدو في الظاهر غوغائية وعديمة التنظيم، إلا أن الحقيقة ليست كذلك؛ إذ تملك كل فرقة منها، نظامًا وظيفيًا يحكمها، يتكون من النواة التي ترأس الألتراس، واللجان الوظيفية (لجنة المال والانخراطات، ولجنة الإعلام والتواصل، ولجنة الشعارات والتيفوات … إلخ)، ثم الجمهور، وهم القاعدة العريضة التي تذعن لمقررات نواة الأتراس، ورغم أنه ليس هناك قواعد مقننة تحكم هذا النظام الوظيفي، بيد أن ثمّة أعرافا متفقا عليها بين جمهور الألتراس.

نخلص إذن من كل ما ذكرنا، إلى أن مجموعات الألتراس هي بمثابة مؤسسة، غير معترف بها قانونيًا، لكنها تقوم بدور– عدا التشجيع- التنشئة، إذ تساهم في تأطير فئة عريضة من الشباب والمراهقين، من خلال نظام وظيفي رمزي متماسك، يعمل على تشكيل هوية موحدة يملؤها الحماس، والمنافسة، والولاء التام، وحب الظهور أمام وسائل الإعلام، القيم التي قد تترجم أحيانا إلى عنف إن اقتضى الحال.

ويعني هذا أن الدولة فشلت في تأطير قاعدة المراهقين والشباب، من خلال مؤسساتها القانونية كالمدارس، والجامعات، والأحزاب، ونفس الشأن مع المجتمع، أسرًا وجمعيات، لكن الألتراس منحت الانتماء والهوية التي افتقدها آلاف المراهقين والشبان، والتي تناسب وضعهم الاجتماعي والتعليمي.

إذن يصبح العنف في هذا السياق أمرًا لا مفر منه، دفاعًا عن الانتماء والهوية التي يؤمن بها أعضاء الألتراس، ولاسيما إذا ما علمنا أن جماهير هذه المجموعات الرياضية هم شباب ومراهقون، ينتمي معظمهم للأحياء الشعبية الفقيرة.

السيطرة على شغب الملاعب

ترك الحدث الكروي المأساوي الذي جرى على مدرجات مركب محمد الخامس، حالة من الحزن بين أهالي الضحايا والمعطوبين، وفي ذات الوقت خلف موجة غضب بين المغاربة، وصلت حد المطالبة بوقف البطولة الكروية المغربية، من خلال هاشتاج «#أوقفو_البطولة»، الذي انتشر على نطاق واسع على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، وآخرون دعوا إلى حل مجموعات الألتراس بشكل نهائي.

تواجه الدولة شغب الملاعب كاستجابة للضغط الشعبي وحفاظًا على الصورة الإعلامية للدولة، بتغليظ العقوبات الزجرية بحق المتورطين في الشغب، وتكثيف الوجود الأمني بالملاعب والطرق المؤدية له، والعمل على زرع نوادي رياضية كروية بغرض منافسة الألتراس في استقطاب جماهير الكرة.

لكن لا يبدو لحد الساعة أن أي من تلك المقاربات الرسمية قد أفلحت في تخليق الكرة المغربية، ما يشير إلى أن المشكلة عميقة، ومن ثمة تحتاج إلى معالجة بنفس عمق المشكلة، وليس مجرد ردود جاهزة.

توجهنا بالسؤال إلى المختص الاجتماعي مصطفى الشكدالي، حول ما يمكن فعله للحد منظاهرة شغب الملاعب، فأجاب: «نحن في حاجة اليوم إلى دراسة هذه الظاهرة وتشخيصها بشكل علمي قبل إعطاء حلول انفعالية سرعان ما تزول»، منبهًا إلى غياب فضاءات ثقافية قادرة على تحويل العنف إلى أشكال من الإبداع والخلق.

بهذا المعنى إذن، يكمن حل مشكلة شغب الملاعب، خارج حدود الملعب مثلما أسبابها خارج المعلب، إنها في الأخير مسألة تربوية اجتماعية، تحتاج لحلها إلى بيئات صحية، تتيح للشباب والمراهقين تفجير مكبوتاتهم والتعبير عن ذواتهم بطرق أكثر رقيا، والأهم من ذلك أن تكون هذه البيئات قادرة على منح هوية سليمة لأفراد المجتمع، ولاسيما الشباب منهم.

وكما قال إمبرتو إيكو، في حوار له مع مجلة جلوب الأمريكية، بمناسبة قتل «الهوليكانس»، الألتراس الخاص بفريق ليفيربول، عدد من الأشخاص في ملعب هيزل، في بروكسيل خلال التسعينات من القرن الماضي:  «العبوا مباراتكم، وإذا حدثت مذبحة بين الجمهور فأنتم المسئولون عن ذلك، غير أن هؤلاء الوحوش الذين قد يقتلون أبرياء هم نتاج الصحافة الرياضية والتلفزيون».

عرض التعليقات
تحميل المزيد