هناك انخفاضٌ ملحوظٌ في مؤشرات الحرية على الصعيد العالمي، على الأقل وفقًا لمؤسسة فريدم هاوس، وهي منظمة غير حكومية تتخذ من واشنطن مقرًا لها. وليس أدل على ذلك من ارتفاع وتيرة أعمال العنف من قبل الجماعات الإرهابية من ناحية، وكذا التدابير العدائية المضادة التي تتبناها الحكومات من ناحية أخرى.

إن الانتهاكات الحكومية في جميع أنحاء العالم باتت ظاهرة للعيان ابتداءً من قانون باتريوت أكت في الولايات المتحدة، وحتى الحرب الروسية في منطقة القوقاز. ومع ذلك، فإن الإرهاب لا ينشأ من فراغ، وإنما يولد من رحم المعاناة التي تكتنف حياة المواطن العادي، كما هو الحال مع البطالة والخدمات الاجتماعية الفقيرة والشعور بالاغتراب عن واقع الحياة السياسية.

لا يختلف الحال في أفريقيا حيث الحكومات غير الفعالة وعدم المساواة المحلية والقمع السافر. كل ذلك وغيره من شأنه أن يساهم في تغذية الإرهاب وتنظيماته. مثّل صعود الجماعات الوحشية في أفريقيا كحركة الشباب الإسلامية وجماعة بوكو حرام انتكاسة كبرى لكثير من الديمقراطيات الناشئة.

حتى إن تلك الحكومات الأفريقية وبدعوى «الحفاظ على الأمن» و«مكافحة الإرهاب»، قامت بتنحية سيادة القانون وحقوق الإنسان جانبًا. كما ساهمت في إضعاف المؤسسات الديمقراطية، وصارت العملية الانتخابية والدساتير أمورًا لا طائل منها. وبدلًا من حماية المواطنين، انتهجت سياسات وحشية على نحو متزايد بحقهم.

وفي الوقت الذي تحتضن فيه أفريقيا الفئة السكانية الأصغر سنًا في العالم، فإن العديد من رؤساء دول القارة تتجاوز أعمارهم السبعين عامًا. روبرت موجابى، وهو رئيس الاتحاد الأفريقي الجديد، يقترب من التسعين عامًا، وكان على رأس الدولة في زيمبابوي لفترة تجاوزت 35 عامًا، وهو ما يعني أن معظم الأفارقة لم يعرفوا سواه رئيسًا لزيمبابوي.

وإذا كان النمو الاقتصادي السريع في أفريقيا في العقد الماضي والذي ارتبط بفئة الشباب قد أوعز إلى العديد من المحللين بأن القارة شهدت تحولًا ما، فإن هذا الاعتقاد يبقى رهين الاقتصاد وبمنأى عن السياسة. فرجال الساسة الأقوياء في أفريقيا ما زالوا يحكمون قبضتهم على السلطة وإن تغيرت مبررات البقاء على كرسي الحكم.

وفي الوقت الذي كانت فيه إجراءات من قبيل العمليات السرية، والقتل خارج نطاق القانون، والانتهاكات العسكرية، والاعتقالات التعسفية، والاضطهاد السياسي، والحد من حرية التعبير وغيرها من الإجراءات المتبعة في أفريقيا قبل عام 2011، فإن القادة الأفارقة اليوم وإن كانوا يمارسون ذات الإجراءات، إلا أنهم ألبسوها لباسًا “شريفًا” أسموه “تكتيكات مكافحة الإرهاب”. وصارت تلك المسميات ستارًا يختبئون خلفه من أجل البقاء في السلطة والادعاء بأن السكان العزل في حاجة لمن يحميهم من بطش الإرهابيين.

تتنوع المآرب التي يبتغيها القادة الأفارقة من وراء تكتيكات مكافحة الإرهاب. بالنسبة للبعض منهم، فإن مكافحة الإرهاب هي السبيل لإعادة الشرعية لأنظمتهم على الصعيد الدولي. وإذا كانت بعض هذه الأنظمة كما في تشاد والكاميرون يوجهان تهم الإرهاب للتنظيمات الإرهابية كجماعة بوكو حرام، فإن قادة هاتين الدولتين قد أمضيا في حكم البلاد مدة تتراوح بين 25 و35 عامًا، ولديهما قائمة طويلة من انتهاكات حقوق الإنسان بالتزامن مع مؤشرات نجاح ضئيلة لتطوير الدولتين.

على سبيل المثال، فإن الرئيس الكاميروني بول بيا الذي يبدو أنه يستعيد القبول الدولي لجهوده ضد الجماعة الإرهابية النيجيرية، لطالما انتهك حقوق الإنسان بدعوى مكافحة الإرهاب. وتم تسجيل حالات اعتقال عديدة في نيجيريا بحق الكثير من الصحفيين وقادة المجتمع المدني الذين ينتقدون النظام بشكل علني.

من جانب آخر، أصبح الإرهاب فرصة تجارية مربحة لبعض القادة الأفارقة الآخرين. فرئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيله استغل الموقع الاستراتيجي لبلاده في الحرب على الإرهاب لجذب إنشاء القواعد العسكرية الأجنبية وتلقى المساعدات الخارجية.

جيله، الذي تولى السلطة في البلاد منذ عام 1999، اكتسب مزايا عديدة من القوى الغربية التي غضت الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان التي يمارسها، ناهيك عن زيادة نزعاته الاستبدادية. حتى إنه قام بتوجيه اتهامات بممارسة الإرهاب لدفع خصومه السياسيين المحتملين خارج البلاد ومن بينهم رجل الأعمال الجيبوتي عبد الرحمن بره. في المقابل، زادت الولايات المتحدة من مساعداتها المالية السنوية لجيبوتي.

وليس ذلك فحسب، بل إن معظم الممارسات الانتخابية في أفريقيا تُجرى بطريقة غير ديمقراطية. وقد أسهمت تلك الممارسات في تحويل القارة إلى ملعب وهمي للديمقراطية بالنسبة لهؤلاء الطغاة. وحتى في حال أجريت الانتخابات، فإن الرؤساء الحاليين يقومون بتغيير القوانين لتتم إعادة انتخابهم من جديد. من الواضح أن لعبة “مبادلة الأمن بالديمقراطية” أصبحت أكثر جاذبية للزعماء الأفارقة.

ورغم أن الإرهاب بات تهديدًا عالميًّا يتوجب على جميع الدول أن تضعه على أجندتها الأمنية، إلا أن التكتيكات غير الناجعة لن تفي بمواجهته إلا على المدى القصير، وخاصة في البلدان التي ترجح كفة بقاء الحكام على سيادة القانون.

وفي حال نجحت الأنظمة القمعية في العديد من الدول الأفريقية في توفير الأمن والنظام، فإن ذلك لن يأتي إلا على حساب الديمقراطية. علاوة على ذلك، فإن التداعيات السلبية طويلة الأمد التي ستجنيها هذه الدول من مبادلة الديمقراطية بالأمن لا تستحق حتى المبادلة من أجلها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد