(1) عن دومــا

“- سيد بشار، فيما سبق كنت تصر على أن شرط وقف إطلاق النار الرئيسي هو إلقاء جميع فصائل المعارضة لأسلحتهم أولًا، هل مازال شرطك قائمًا؟

= نحن نختار من سيناريوهات عديدة أو تسويات صراع مختلفة، في بعض المناطق المكتظة بالسكان سمحنا لهم بالخروج بأسلحتهم لمنع وقوع ضحايا بين المدنيين، في مناطق أخرى سلموا أسلحتهم ثم غادروا، يعتمد هذا على ما تقدمه وما يقدمونه”

*(من حوار جوناثان تبرمان “Jonathan Tepperman” مدير تحرير Foreign Affairs  مع الرئيس السوري بشار الأسد. دمشق/ يناير 2015)

 

لكي تصنع مصلًا للوباء، لابد أن تصل للمريض صفر أولًا، patient Zero الذي بدأ به المرض.

دوما، أهم مدينة على الإطلاق في محافظة ريف دمشق – المحافظة التي تحيط كالسوار بالعاصمة السورية دمشق – ومركز هذه المحافظة الإداري، تبعد دوما عن دمشق مسافة 9 كيلومترات فقط، مسافة يقطعها السائر على قدميه في ساعة ونصف، ويقطنها ما يزيد على نصف مليون سوري.

في بداية الشهر الحالي بدأ النظام السوري في شن حملة قصف هائلة الضخامة وعشوائية تمامًا على المدينة وصفت بأنها الحملة الأعنف من النظام على المدنيين السوريين منذ بدء الثورة السورية، هذه الحملة تقريبًا طالت كل شيء، أبنية سكنية وتعليمية ومستشفيات، متسببة في استشهاد أكثر من مائة وثلاثة وأربعين سوريًا منهم ثلاثون طفلًا على الأقل، ودمار شامل تسبب في إصابة ما تعدى الألف جريح، الجرحى أنفسهم مهددون بالموت، عدد كبير منهم تحت أنقاض المباني المهدمة والبقية يواجهون خطر نقص الإمدادات الطبية بعد إغلاق النقطتين الطبيتين في مدينة تواجه حصارًا مشددًا منذ أشهر طويلة.

النظام السوري، بعشوائية مخيفة، استخدم جميع أنواع الأسلحة في القصف، بل وقسم القصف نفسه لنوعين، قسم استخدم فيه الطيران وقصف المدينة بالصواريخ الفراغية والبراميل المتفجرة وقذائف الهاون، وقسم شن فيه حملة قصف مدفعي مكثفة على الأحياء السكنية فيها، ليغير معالم المدينة تمامًا ويسحق نصفها على الأقل، بلا رحمة.

 

(2) براميـل (FAB)

A view of a damaged buildings after barrel bomb was dropped

“- ماذا عن البراميل المتفجرة ؟ أنت لا تنكر أن جيشك النظامي يستخدمها أليس كذلك؟

= أنا أعرف أن الجيش يستخدم رصاصات، صواريخ، وقنابل، لم أسمع من قبل عن جيش يستخدم براميلَ أو حتى أوعية طهي منزلية.”

*(جريمي بوين “Jeremy Bowen” محرر الشرق الأوسط لل BBC البريطانية يسأل بشار الأسد في مقابلة معه، فيجيبه الرئيس السوري قبل أن يختم إجابته بابتسامة ساخرة).

 

تبدو إجابة بشار الأسد دقيقة ومنطقية، ولا بأس من توضحيها قليلًا.

البراميل المتفجرة (FAB)، سوفيتية التصميم والصنع، أحد أرخص الأسلحة الحربية التقليدية على الإطلاق، لا تصنف تحت نطاق أي أنواع أسلحة وإنما يطلق عليها (الأسلحة المرتجلة)، عبارة عن قالب معدني أو أسمنتي، مزود بمروحة دفع من الخلف وصاعق ميكانيكي في المقدمة، في حجم أُسطوانة أُكسجين، لها زعانف من الأمام لتحفظ توازنها أثناء السقوط الحر، وزنها قد يصل ل400 كيلوجرام، وبها فتيل يتم إشعاله قبل إلقائها من الطائرة الحربية.

الميغ 21 تستطيع حمل 4 براميل متفجرة، الميغ 23 تحمل 6 براميل، والسوخوي 22 تصل طاقتها الاستيعابية لـ18 برميل، ويمكن إلقاؤها من الطائرات المروحية أيضًا، وهي مرنة فلا تتطلب ارتفاعات عالية لإلقائها، حيث يمكن إلقاؤها من ارتفاع 500 متر وصولًا لـ10 كيلومترات.

هذه البراميل أحد الأسلحة النادرة جدًا مستحيلة التوجيه، لا يمكن استهداف هدف دقيق بها، ثكنة عسكرية مثلًا أو مبنى مخابراتي أو وكر إرهابي، كل ما يمكن استخدامها فيه هو ضرب التجمعات السكنية والبشرية والأماكن المزدحمة وإحداث أكبر قدر ممكن من التدمير.

يبرز هنا سؤالٌ مهم، ما محتويات هذه البراميل بالضبط؟

منذ فترة، كان هناك نقاش على منتدى عسكري باسم البحرية الأمريكية، عن مقارنة بين بعض أنواع المتفجرات من بينها الـ(TNT)، أحد الأعضاء قال لنا أن البارجة الحربية (بسمارك) كانت مُعدَّة ليتحمل جسمها طوربيدًا بحريًا بحد أقصى من المتفجرات (250 كجم) من الـTNT، أكثر من ذلك سينهار جسم الباخرة!

نحن نتكلم هنا عن بسمارك، البارجة المرعبة والأقوى في العالم حينها، وفخر البحرية النازية في الحرب العالمية الثانية، والتي تطلب إغراقها اجتماع شبه أسطول بحري عليها وثلاثة أيام من المعارك البحرية الضارية!

حسنًا، البراميل المتفجرة تحمل من 200: 300 كجم من الـ(TNT) لكل برميل، الآن يمكنك تخيل الصورة!

بالإضافة إلى ذلك، فالبراميل ليس بها المتفجرات فحسب، وإنما يضاف إليها مواد نفطية سريعة الاشتعال تساعد على اندلاع الحرائق، وأيضًا قطع من الحديد، خردة السيارات، والمسامير لإحداث أكبر ضرر ممكن للبشر في محيط الانفجار والمباني.

في الأسبوعين الأخيرين من ديسمبر 2013، شنت قوات بشار النظامية حملة جوية عنيفة على حلب باستخدام البراميل المتفجرة فقط، شمل القصف مدارسَ ومحطات نقل ومبانيَ سكنية ومؤسسات مدنية وكل ما ليس له علاقة بأي شيء عسكري، في 14 يومًا تم قتل 631 شخصًا من ساكني حلب بينهم 163 طفلًا و 75 امرأة، وكانت الجثث المتفحمة ملقاة في الشوارع، مما دعا بفضل عبد الغني (مؤسس الشبكة السورية لحقوق الإنسان) لقول أن هذه لا يمكن إلا أن تكون جريمة حرب من قائد هدفه القتل والإرهاب.

 

(3) حكايـا الأطفـال

“طفلتي في الشهر الأول من عمرها، شهدت عشر مجازر في مدينتها، واستشهاد أكثر من 200 من أبناء بلدتها، وأنقذها الله من 7 غارات حربية. هذه مدينتي وليست رواية!”

*(براء عبد الرحمن مراسل شبكة سوريا مباشر، من قلب دوما)

 

في نفس مقابلة الـBBC أكد الرئيس السوري أنهم يحافظون على أرواح المدنيين بالطبع، لكنها حرب ولكل حرب ضحايا، لكن هل قتل المدنيين سياسة دولة؟ بالطبع لا، وكما أردف هذه حكايا أطفال!

ربما لا تكفي البراميل المتفجرة. لذلك، ومصداقًا لما يروجه بشار عن أن القتل ليس سياسة نظامه، يستخدم جيشه الصواريخ الفراغية، وهو نوع ممتع من الأسلحة كما سأوضح الآن.

صواريخ الـBM27 أو ما يعرف بـ(الإعصار)، صواريخ فراغية روسية الصنع شديدة الكفاءة، تعتمد في آليتها على سحابة من مادة سريعة الاشتعال، هذه المادة قد تكون سائلة في الصاروخ أو على شكل مسحوق، عندما يصطدم الصاروخ بالهدف يبدأ الأمر بانفجار ثانوي صغير، يتسبب في انفجار المادة سريعة الاشتعال، تنفجر المادة مُشكِّلة سحابة ضخمة، مما ينتج ضغطًا ودرجة حرارة عاليين، هذه الصواريخ فعالة تمامًا ضد الحواجز والمخابئ لأن السحابة المشتعلة تلتف حول السواتر والحواجز، أما موجة الضغط العالية فتتسبب في تدمير المنشآت والمباني والتحصينات بشكل كبير.

يحمل الرأس الحربي حوالي 100 كجم من المتفجرات، والصواريخ الفراغية تستخدم – من اسمها – في تفريغ المناطق المقصوفة من العامل البشري، حيث تمتلك هذه الصواريخ تأثيرًا كبيرًا على الكتلة البشرية التي يتم قصفها حتى ولو كانت مختبئة وراء جدران سميكة لا تخترقها الشظايا، أو في حفر وملاجئ لا تؤثر فيها القنابل العادية.

الراجمة الواحدة لديها القدرة على اطلاق 16 صاروخًا في 20 ثانية بالضبط مع قدرة على إعادة تذخيرها في 20 دقيقة فقط، والنظام السوري – الذي ليس من سياسته قتل المدنيين – لديه 36 راجمة صواريخ يستخدمها منذ اندلاع الثورة السورية بكثافة وبلا حساب!

 

(4) لا نسمـع.. لا نرى.. لا نتكلـم

 

“هل من المعقول أن سبعة مليارات من البشر لا يستطيعون أن يوقفوا القصف المتواصل على رقعة أرض بمساحة أربعة كيلومترات مربعة؟! العالم يتابع آلاف الصور، والرسالة وصلت، لكن لا يوجد أدنى ضغط لوقف القصف وفك الحصار، ومشاهد الدمار لن تمحى من ذاكرتي بعد الآن.”

*(محمد أبو عدنان، مصورٌ صحفي وأحد أبناء دوما مستنكرًا الصمت الدولي وتجاهل العالم لحرب الإبادة التي تحدث لدوما والغوطة الشرقية).

 

  • أين كانت البداية؟

ما يسوق أن جيش الإسلام – أحد مكونات الجبهة الإسلامية – بقيادة زهران علوش أمطر سماء دمشق بصواريخ الكاتيوشا بدائية الصنع في قصف تكرر مرتين فقط على مدار أسبوعين، جيش الإسلام أعلن أن القصف استهدف مباني عسكرية وثكنات لجيش النظام السوري في دمشق ردًا على مجازر النظام في الغوطة الشرقية، بينما قال النظام أن القصف استهدف أحياءً سكنية وتسبب في وقوع قتلى من المدنيين السوريين.

بعدها رد النظام بقصف مكثف على الغوطة الشرقية وتحديدًا (دوما/ كفر بطنا/ عربين/ عين ترما/ سقبا/ زملكا)، وكان النصيب الأكبر من الغارات لدوما.

 

من الخميس، الخامس من الشهر الحالي، وحتى الأربعاء أول أمس قتلت غارات النظام التي يشنها طيرانه يوميًا ما وصل إلى 143 سوريًا ثلثهم أطفال، مع حملة إعلامية سورية على مواقع التواصل الاجتماعي من نشطاء موالين للنظام تدعو صراحة لإبادة دوما تحت عنوان (معًا لحرق دوما)!

 

الغارات تسببت في تدمير 500 منزل ما بين تدمير كلي وجزئي، مما استتبع تشريد آلاف الأسر، المشكلة الأكبر – كما يشرحها الطبيب الميداني “فارس دوما” – أن النظام منع النشطاء من استخراج الجرحى من تحت الأنقاض مع كثافة القصف ومنع الأطباء من علاجهم مع استهداف الطيران الحربي بشكل متعمد ومباشر للمكتب الطبي الموحد ونقاطه الطبية وغرف عملياته في دوما، حيث شن غاراتٍ على النقطة الطبية الرئيسية مرتين في أربعة أيام فقط، واستهدف سيارات الإسعاف، مما تسبب في مقتل ممرض يعمل بالعناية المركزة وإصابة عدد من الأطباء، مما أجبرهم على التوقف عن العمل رغم الحاجة الماسة لهم!

 

  • صمــتٌ دولـي!

 

رد ناشطو الثورة السورية بإطلاق حملة عالمية لمواجهة صمت العالم والسكوت الدولي التام عما يحدث من مجازر في قلب دوما، واستخدمت الحملة هاشتاج (دوما_تباد) وسط تفاعل عالٍ معها من المستخدمين، وبلغ مستخدمو هاشتاج (#دوما_تباد) و(#Douma_Exterminated) على تويتر مئات الآلاف من الأشخاص، مع تصدر الهاشتاج لقائمة الهاشتاجات العربية، ولخص أحد المتفاعلين (باسل محمد) القصة بقوله (كل القذائف والموت والإبادة تؤدي إلى دوما).

 

العالم، الذي انتفض مهرولًا لحرق معاذ الكساسبة على يد تنظيم الدولة الإسلامية (ISIS)، والذي أخذ رد فعلٍ هائلًا على عملية قتل صحفيين من مجلة (تشارلي إبدو)، لا يبدو بهذا الحماس في الدفاع عن ضحايا مجازر الغوطة الشرقية، وسط صمت إعلامي دولي تام، وتجاهل ضخم لعمليات الإبادة الجماعية هناك، والتي ذكرت الجميع بالحروب الإسرائيلية على غزة. وهو تجاهل قد يبدو مفهومًا تحليليًا في سياق التحالفات الدولية وميزان المصالح، وسط أنباء مستمرة عن تقدم المعارضة على الأرض خاصة في حلب ومحاولة إعاقتها بهذا القصف الوحشي العنيف، والذي شمل ريف دمشق وريف إدلب وريف درعا وريف حماة وريف حلب، وفي وقت كان كل رد فعل العالم فيه هو تأكيد مندوب الأمم المتحدة لسوريا (دي ميستورا) أن بشار الأسد يشكل جزءًا من الحل، وأنه سيواصل إجراء مناقشات مهمة معه قبل تقديم تقريره إلى مجلس الأمن!

 

 

“إن لم تضع الإنسانية حدًا للحرب فإن الحرب ستضع حدًا للإنسانية.”

*(محمد علوش)

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد