ميليشيات شيعية أيديها ملطخة بدماء الأمريكيين هي من تقود القتال لتحرير تكريت من تنظيم الدولة الإسلامية، ولكن هل ضررهم أكبر من نفعهم؟

قال المتحدث باسم منظمة بدر الشيعية والقائد العسكري كريم النوري: “نحن نتقدم في محافظة صلاح الدين، وهناك ثلاثة أسماء تقذف الرعب في قلوب عناصر داعش: الحاج قاسم سليماني، وأبو مهدي المهندس، وهادي العامري”.

تعتبر الشخصيات الثلاثة السابقة الأشهر في أوساط الميليشيات الشيعية التي تسعى الآن إلى طرد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية من تكريت. سليماني هو قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، والمهندس هو قائد ميليشيا كتائب حزب الله، الذي كان قد أدين بتفجير السفارة الأمريكية في الكويت في عام 1983، أما العامري فهو قائد منظمة بدر، أحد أكبر الميليشيات الشيعية وأكثرها نفوذًا. وهم يشكلون معًا العمود الفقري للنفوذ الإيراني في العراق، الذي يبلغ ذروته حاليًا في خلال القرون الأربعة الماضية.

لقد تعاظم بشدة تأثير الميليشيا الشيعية العراقية منذ الصيف الماضي، بعد أن لعبت دورًا محوريًّا في صد تقدم عناصر تنظيم الدولة نحو بغداد والمناطق المحيطة. إلا أن تكريت تمثل لهم تحديًا جديدًا، فهي أكبر مدينة سنية سعوا لاستعادتها، وقد حذر مسئولون أمريكيون من حمام دم على أساس طائفي إذا اقتحمتها تلك الميليشيات.

تدور معركة تكريت منذ عدة أيام، مع تقدم بطيء للقوات العراقية والميليشيا الشيعية في محاولتهم لمحاصرة الجهاديين في المدينة. يقول النوري إن القتال يسير وفقًا للخطة، وأن القوات العراقية ربما تدخل منطقة العالم شمال تكريت غدًا (6 مارس 2015)، وأضاف أن حوالي 30000 من القوات العراقية والميليشيات الشيعية يهاجمون المدينة.

إن الدور البارز لتلك الميليشيا، والمدعوم إيرانيًّا، قد وضع الولايات المتحدة في موقف محرج. كان سليماني قد تمركز قرب تكريت لتقديم المشورة لقادة الهجوم. وفي 4 مارس 2015، قال مسئولون أمريكيون إنه قد شوهدت جثث لعناصر الحرس الثوري الإيراني هناك أيضًا.

إلا أن البنتاغون يلتزم مقاعد المتفرجين إزاء معركة تكريت، فهو لا يوفر الدعم الجوي للقوات المهاجمة، وقال مسئولون أمريكيون إن تأثير الميليشيات الشيعية الكبير كان محل قلق في منطقة تمزقها التوترات الطائفية. وهو ما دفع أحد مساعدي رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى انتقاد موقف الأمريكيين، مؤكدًا أن العراقيين سيتحركون لاستعادة الأنبار والموصل بمفردهم إن لزم الأمر.

وعلى الرغم من أن الميلشيات الشيعية الكبيرة تتقاسم نفس الأيديولوجيا الإسلامية وتحظى ببعض الدعم من طهران، إلا أنهم منقسمون حول بعض الاستفسارات الهامة المحورية لمستقبل العراق. فقد تباينت الآراء بين منظمة بدر وعصائب أهل الحق والصدريين حول ما إذا كان يجب قبول الدعم الأمريكي في القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وإلى أي مدى يجب أخذ المخاوف السنية بشأن عمليات انتقام طائفية على محمل الجد.

تمثل منظمة بدر على وجه الخصوص لغزًا. فقد أنشأتها إيران خلال الحرب مع العراق في الثمانينيات، وهي أقرب الميليشيات الشيعية إلى طهران. ولكنها في ذات الوقت أحد أكثر الميليشيات الشيعية تعاونًا مع أمريكا في الحرب ضد تنظيم الدولة، حيث صرح قائد المنظمة بأنهم يقبلون الدعم من أي طرف، سواءً من أمريكا أو السعودية أو غيرها من الدول.

إن استعداد منظمة بدر للتعاون مع الولايات المتحدة يتماشى مع التاريخ الحديث مع المنظمة، فلم تدخل المنظمة في معارك عنيفة مع القوات الأمريكية إبان الاحتلال، وإنما اتجهت للعبة السياسية لبناء النفوذ والسيطرة على المؤسسات الأمنية العراقية.

إلا أن ميليشيات شيعية أخرى تصف علنًا الولايات المتحدة بأنها عدو، وأنها في الواقع جزء من حربهم ضد تنظيم الدولة. يقول كاتب المقال إن المتحدث باسم عصائب أهل الحق نعيم العبودي أخبره أن تنظيم الدولة صناعة أمريكية إسرائيلية، وأن المستفيد منهم هو الكيان الصهيوني الابن المدلل لأمريكا.

ويبدو أن فكرة أن الأمريكيين هم من يقفون خلف ظهور تنظيم الدولة شائعة في العراق، فقد زعم برلماني تابع للكتلة الصدرية أن طيران التحالف ألقى بمؤن لعناصر تنظيم الدولة “بغية مد أمد الحرب”.

ورغم أن عصائب أهل الحق تحافظ على علاقات وطيدة مع طهران، إلا أنها وعلى عكس منظمة بدر، لعبت دورًا فعالًا في قتال الأمريكيين. تزعم المنظمة أنها شنت 6000 هجوم على الأمريكيين وقوات التحالف إبان الاحتلال، وأنها اختطفت وقتلت خمسة أمريكيين في كربلاء في عام 2007، وأن العداء متواصل إلى اليوم، وأنهم لا يقبلون بمساعدة الأمريكيين.

ومنذ خروج القوات الأمريكية، يجري اتهام العصائب وغيرها من الميليشيات بإنشاء مناطق للقتل بحق السنة في محيط بغداد، وأنهم طردوا عنوة العائلات السنية من منازلهم وأعدموا بعضهم.

يقول قائد منظمة بدر إن مثل هذه الجرائم هي حوادث “معزولة” ويجب عقاب مرتكبيها، وأنه يجب إعادة المهجرين إلى منازلهم بعد إخلائها من القنابل وحمايتهم من عناصر تنظيم الدولة. يقول عبودي:

“داعش والإرهابيون هم من يقتلون السنة، أما نحن فنحميهم”.

بل إن حتى بعض المنافسين لعصائب أهل الحق من الميليشيات الشيعية الأخرى غير مقتنعين بتلك الرواية، فعلى سبيل المثال، أعلن مقتدى الصدر سحب لواء السلام – إظهارًا لحسن النوايا- في أعقاب قتل قائد إحدى العشائر السنية على يد الميليشيات الشيعية. كما حذر الصدر من العودة إلى الأفعال القذرة التي كانت تمارسها تلك الميليشيات من قبل.

ولكن رغم سعي الصدريين إلى بناء علاقات مع المجتمع السني، وهو مسعى دعمه المسئولون الأمريكيون طويلًا، فهم يناصبون الولايات المتحدة العداء كما كانوا دومًا. وقد أضاف الشيخ إبراهيم الجابري، أحد مساعدي مقتدى الصدر، في تصريحات له في مكتبه في مدينة الصدر سببًا آخر لانسحاب الميليشيا، وهو أنه جاء كخطوة لعدم التعاون مع الولايات المتحدة التي ما تزال تحتل العراق.

وعلى ما يبدو، فإن الولايات المتحدة تكافح لمعرفة الكيفية التي يجب التعامل بها مع تصاعد نفوذ تلك الميليشيات الشيعية. فإذا وقفت بجانبهم في معركة تكريت، تكون قد دعمت حلفاء لإيران والذين قد يرتكبون فظائع بحق السنة. وإن لم تتدخل، فإنها تكون قد تنازلت عن إدارة العمليات إلى تلك المجموعات وإلى إيران.

قال السفير الأمريكي السابق لدى العراق جيمس جيفري: “سيكون من الجيد أن نقيم علاقات مع رئيس الوزراء العبادي، ولو استطعنا التواصل سرًّا مع الإيرانيين حتى نوضح لهم أن ثمة سبيلًا للقيام بذلك يحفظ وحدة العراق. وإذا واصلتم أسلوبكم الحالي فلن نكون قادرين على دعمكم، وقد تتورطون بمفردكم في قتال داعش وعموم السنة في الشرق الأوسط”. ومهما فعلت الولايات المتحدة، فسيصعب عليها إقناع بعض تلك الميليشيات بأنها تتمنى الخير للعراق.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد