تضغط الولايات المتحدة وحلفاؤها من أجل إحلال الاستقرار في الشرق الأوسط. فهناك اتفاق نووي مع إيران يعتبر حجر الزاوية في هذا المشروع الطموح. وهذا الاندفاع نحو تحقيق الاستقرار هو شرط مسبق لتطبيق مشاريع الليبرالية الجديدة التي فرضها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. بينما تتساءل الطبقة الوسطى العربية بضجر ويأس عن الاستقرار أيضًا. إن هذه المطالبات حقيقية من أحد الجوانب، ولكن لها جوانب تآمرية في حالات أخرى.

البعض يطالب بها لأن البدائل قاتمة. وآخرون يطالبون بها لأنها سوف تعمل على تأمين الوضع الراهن، الذين هم جزء منه. لكن المطالبة بالاستقرار ليست مسألة بسيطة.

ومع ذلك، فمن الإنصاف أن نسأل كيف يتم استخدام المطالبات الخاصة بتحقيق الاستقرار من طرف الحركات المضادة للثورة لدفع الثورات العربية للخروج من التاريخ. بعبارة أخرى، كيف تحاول أنظمة ما بعد الربيع العربي إعادة كتابة التاريخ بطريقة تقوض أهمية وعدالة الثورات العربية؟ عند النظر إلى تنظيم داعش وصعود الثورة المضادة بقيادة المتطرفين، فإن الحرس القديم والنخب القديمة يقولون للشباب العربي: كل هذا حدث بسبب تمردكم.

فباسم الاستقرار، تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها العرب في المنطقة بشكل منهجي على إبطال أثر ما حدث قبل بضعة أشهر مضت. من جانبهم، وأحيانًا من دون أن يدركوا ذلك، تعيش فئة من الصحفيين والخبراء والأكاديميين على صعود الحركات المضادة للثورة في العالم العربي لتقويض شرعية وصدق الربيع العربي.

التاريخ يقول عكس ذلك

إن الحروب الأهلية وصعود الفاشية ليست أمرًا غريبًا على الربيع العربي. فمثل هذه الظواهر لا يمكن أن تستخدم لدحض ادعاءات الموجة الثورية التي سبقتها.

ففي أوروبا مثلاً، أدى الإحباط الذي أعقب فشل إضرابات الاتحاد الشيوعي وتعبئة الطبقة العاملة إلى صعود الفاشية في العقد الثاني من القرن العشرين.

فقد صعد موسوليني من الحزب الاشتراكي الإيطالي الذي ساهم في تنظيم الثورات الشيوعية والتمردات التي اجتاحت أوروبا عام 1917. وقد كانت عملية التعبئة في ذلك الوقت مختلفة في شدتها وأيديولوجيتها ودوافعها وآفاقها. ولكن، من حيث المفهوم، كان صعود موسوليني والفاشية بشكل عام لا يتعارض مع انتفاضة العمال الإيطاليين.

وقد سبب خذلان الثوريين لأوروبا وتنافس الشركات الصناعية على النفوذ في ذلك الوقت في الصعود السريع للفاشية. وفي حالة مماثلة، فإن ظهور تنظيم الدولة الإسلامية والممارسات والعقائد التي تحكمه، والتي تشابه الممارسات الفاشيةيعتبر ثورة مضادة. إن وجود مثل هذا التطرف لا يلغي شرعية ما سبقه من انتفاضات جماهيرية اجتاحت المنطقة.

ولا تنفي الحروب الأهلية التي دمرت ليبيا وسوريا حقيقة أن كلا البلدين شهدا انتفاضات كبيرة. حتى إن أكبر ثورة في التاريخ المعاصر، التي قادها السوفييت، أدت إلى حرب أهلية وحشية.

العرب دائمًا استثناء، حتى عندما يثورون

لا يستطيع المرء أن ينكر البيئة السياسية الخاصة التي تتميز بها منطقة الشرق الأوسط. فأهميتها الجيواستراتيجية والاقتصادية تزيد من ويلات ثوارها. ولكن حتى هذه الخصوصية ليست غريبة على الربيع العربي. فالاضطرابات الجماعية للشعب هي دائمًا اشتباك وصراع مع الوضع الراهن ومع كل المصالح المحلية والإقليمية والدولية. فلماذا إذن يستخدم الوضع الاستثنائي للسياسة في الشرق الأوسط لتصوير نتائج الثورات في المنطقة على أنها خارج مجرى التاريخ؟

إن هذا السؤال يستحق التأمل، ربما تكون الثورات بشكل عمومي وتاريخي خيالاً شاعريًّا، ونحن نميل إلى الاعتقاد بأن الثورات جمالية ورومانسية. ولكن في الواقع، الثورات قبيحة. فهي تظهر أسوأ الصفات والتصرفات في مجتمع أو ثقافة للجمهور فيقاومها، وأحيانًا تكون المقاومة بأسلوب بدائي وعنيف. ومع مثل هذه العملية البشعة، ينحسر قبح السلطة وتصبح المنافسة بين النخب على السلطة أكثر شراسة.

ولم تثر الشعوب العربية فقط، بل إن قوة ثوراتهم كانت كبيرة جدًّا لدرجة تهديدها النظام الجيوسياسي الإقليمي؛ مما اضطر القوى الإقليمية إلى محاربتها بأي ثمن. بما في ذلك غزو البحرين من قبل السعوديين، والتدخل الروسي-الإيراني في سوريا، ومساومة النخبة في اليمن، والانقلاب العسكري في مصر. هذه هي الطريقة التي يجب أن نوثق بها تاريخ الربيع العربي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد