في الأول من يونيو الجاري، وعلى خلفية حادثٍ كاد أن يتحوّل إلى أزمة طائفية، أُجبرت عوائل قبطية من قرية كفر درويش بمحافظة بني سويف، على إخلاء منازلهم وترك القرية، وذلك وفقًا لما قرره مجلسٌ عُرفي عُقد بإشراف وإدارة القيادات الأمنية في المحافظة.

على كل حال، لم تكن هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها الدولة المصرية (متمثلة في أجهزتها التنفيذية بخاصة الأمنية والعسكرية) إلى التهجير القسري كحل لأزمة ما أو تنفيذ لخطة ما، فعلى مر تاريخ الجمهورية المصرية، منذ تحرك ضباط الجيش في يوليو 1953 وحتى الآن، وعمدت الدولة المصرية إلى تنفيذ التهجير القسري كخطة معتمدة لمشاريع تتعلق أحيانًا بالتنمية أو لتحقيق الاستقرار وأحيانًا في سبيل الوحدة الوطنية و”نزع فتيل الحرب الأهلية”، أو بغرض الحرب على الإرهاب!

أولًا، ما هو التهجير القسري؟

التهجير القسري هو مصطلح يُشير إلى إبعاد شخص أو أشخاص عن موطنهم أو المنطقة التي ينتمون إليها بالإكراه، إما بمبادرة ذاتية منهم خوفًا على حياتهم أو هربًا من عنف أو تضييق ممارس عليهم، أو بإجبارهم من قبل قوى عسكرية أو شبه عسكرية لأسباب مختلفة. والمُهجّرون قسريًّا ينقسمون إلى نوعين: مهجّرون/ نازحون داخليًّا، ومهجّرون/ نازحون خارجيًّا، وما سنتناوله هنا بشكل أساسي المهجرين قسريًّا داخليًّا، مع الالتفات إلى حالات نزوح قسري خارجي.

المُهجّر قسريًّا هو أي شخص يُهاجر هربًا من اضطهاد أو صراع أو قمع سياسي أو كوارث طبيعية من صُنع الإنسان، أو تدهور بيئي أو أي حالة أخرى تهدد حياته أو حريّته أو كسب رزقه. – المنظمة الدولية للهجرة

وبالجملة فإنّ التهجير القسري ممارسة مخالفة للقوانين الدولية والمحلية، ويصل إلى درجة الجريمة التي لا تسقط بالتقادم، فعلى سبيل المثال تنص المادة 63 من الدستور المصري الحالي على أنّه “يحظر التهجير القسري التعسفي بجميع صوره وأشكاله، ومُخالفة ذلك جريمة لا تسقط بالتقادم”. بل إن اتفاقية جنيف الرابعة (1949) الخاصة بحماية المدنيين في أوقات الحروب؛ حظرت النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المدنيين، أو نفيهم من أراضيهم إلى أراضٍ أخرى “أيًّا كانت الدواعي”. ووفقًا للمادة السابعة لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يُعتبر “إبعاد السُكان أو النقل القسري لهم” جريمة ضد الإنسانية، أمّا المادة الثامنة فتعتبر أن “الإبعاد أو النقل غير المشروعين” جريمة حرب.

فلسطينيون مُهجّرون قسريًّا إثر حرب 1948

مُختصر وجيز لأبرز حوادث التهجير القسري في تاريخ الجمهورية المصرية

كما سبق وذكرنا، اعتمدت الدولة المصرية ممارسة التهجير القسري لتحقيق عدّة أغراض، وعلى أساس عدّة إرهاصات. ونعرض لكم موجزًا لأبر حوادث التهجير في تاريخ الجمهورية المصرية.

التهجير القسري ضمن خطط الدولة للاستقرار والوحدة الوطنية!

رغم أنّ التصعيد ضد الطائفة اليهودية المصرية بدأ بالتزامن مع مساعي تأسيس دولة يهودية على الأراضي الفلسطينية، وتحديدًا منذ أربعينات القرن الماضي، حيث شهدت القاهرة تظاهرات مناهضة للحركة الصهيونية على خلفية البدء في تنفيذ وعد بلفور، بعض تلك المواجهات أسفرت عن تدمير وحرق مبانٍ تابعة لليهود، بينها معابد.. رغم ذلك، إلا أن الفترة التي شهدت عداءً رسميًّا من الدولة المصرية ضد اليهود المصريين، كانت مع تحرك الضباط في يوليو 1952، حيث تعرض اليهود إلى حملات اعتقال ومصادرة لممتلكاتهم وأموالهم.

ثمّ مع تولي جمال عبد الناصر رئاسة الجمهورية بدأت الدولة رسميًّا في تنفيذ حملات تهجيرٍ قسري ضد الطائفة اليهودية (ونحن نتحدث هنا تحديدًا عن اليهود المصريين، أي الذين يحملون الجنسية المصرية). كانت الدولة تطالب اليهود – تحديدًا أرباب العائلات- بالرحيل عن مصر خلال مدد أقصاها 7 أيّام، ما يترتب عليه رحيل باقي أفراد العائلة تباعًا. ظلّ الأمر كذلك حتّى تقلصت أعداد اليهود المصريين وصولًا إلى 7 أشخاص فقط حاليًا. الحملة التي قادتها الدولة المصرية ضد الطائفة اليهودية اكتسبت زخمًا شعبيًّا سبّبه الصراع العربي الإسرائيلي، كما أنّ الدولة رفعت شعارات الوحدة الوطنية والاستقرار الداخلي في حملتها ضد اليهود.

صورة لرجال من أبناء الطائفة اليهودية في الإسكندرية

وبعد نحو ستة عقود، تحديدًا في مارس 2009، تعرّضت أسر مصرية تعتنق البهائية في قرية الشورانية التابعة لمركز المراغة في سوهاج؛ لاعتداءات من قبل بعض سُكّان القرية. وصلت الاعتداءات إلى تهجير تلك الأسر من القرية على مرأى ومسمع من السلطات المصرية وقواتها الأمنية التي لم تتدخل لحماية هؤلاء المواطنين في الدولة. وجاء تهجير البهائيين الشورانيين على خلفية الحملة التي قادتها أجهزة الدولة الرسمية ضد أفراد الطائفة البهائية في مصر، والتي تضمنت في بعض حالاتها تحريضًا على القتل دون أي مسائلة قانونية من الجهات المختصة.

قبل ذلك وبعده، شهدت مصر عدة حالات تهجير قسري على أساسٍ طائفي لأسر قبطية. مُعظم تلك الحالات كانت تتم بمعرفة الجهات الأمنية، وأحيانًا كثيرة بمشاركتها في ذلك عبر ما يُعرف بالمجالس العُرفية، رغم أن التهجير القسري في جملته يُخالف نصوص القانون المصري والدولي، ورغم أن دور الجهات الأمنية – بحسب القوانين المنظمة لعملها- لا يتضمن التخلي عن الحفاظ على حقوق المواطنين وترك سلطة تقرير مصيرهم للمجالس العُرفية!

التهجير القسري ضمن خطط الدولة للتنمية!

مع بداية بناء السد العالي في ستينيات القرن الماضي، بدأت الدولة المصرية تُجلي قسريًّا النوبيين من أراضيهم ومواطنهم على ضفاف النّهر، إلى مناطق أخرى. الدولة بدورها حددت بعض المناطق التي هُجّر إليها النوبيون الذين هاجر منهم من هاجر إلى تلك المناطق، وآخرون انتقلوا إلى مدنٍ مصرية أخرى.

على خلفية المشروع القومي الأضخم على الإطلاق في تاريخ الجمهورية المصرية، والمشروع الهندسي الأضخم في العالم خلال القرن العشرين، هُجّرت قسريًّا أكثر من 18 ألف أسرة نوبية، بواقع نحو 100 ألف فردٍ نوبي، من على مساحة تصل إلى 350 كيلومترًا غمرتها مياه بحيرة ناصر التي تكوّنت بعد بناء السّد.

صورة للسد العالي من الأعلى

هذا، وتفاجأ النوبيون عند إجلائهم إلى المناطق الجديدة التي أعدتها لهم الدولة، بأنّها غير مهيئة، ومبانيها غير مكتملة. بعض التقارير تقول إن نحو 65% من منشآت المناطق الجديدة لم تكن مكتملة أساسًا، فضلًا عن عدم جاهزية البنية التحتية لهذه المناطق، لاستقبال أعداد النوبيين المُهجّرين. وبالجملة فقد أدّى هذا التهجير القسري إلى كارثة حقيقية حاقت بالنوبيين، الذين كثرت بينهم الوفيات خلال فترة التهجير بسبب سوء الأوضاع الصحّية الناتجة أولًا عن عدم التكيّف مع البيئة الجديدة، وثانيًا بسبب عدم تهيئة المناطق الجديدة بشكل مناسب للسكن البشري.

والآن وبعد مرور أكثر من نصف قرن، يرى النوبيون الأراضي المتاخمة لبحيرة ناصر والمطلة عليها، تُخصص للمشاريع السياحية، ومرّة أخرى تعمد الدولة إلى التهجير القسري كخطة من خططها للتنمية!

أيضًا من نماذج اعتماد الدولة المصرية على التهجير القسري كخطة نحو التنمية، ما يحدث خلال تعاملها مع قضية العشوائيات والأماكن المسماة بـ”المناطق غير الرسمية”، أو المناطق غير الآمنة، فغالبًا ما تعمد الدولة إلى إخلاء تلك المناطق من سُكّانها، وإجلائهم إلى أماكن أخرى بعيدة عن مصادر رزقهم، ودون التنسيق معهم أو إخطارهم مُسبقًا بذلك. بل إن بعض عمليات التهجير تبدأ بهدم وإزالة المناطق العشوائية، قبل أن تُوفّر الدولة بديلًا لسكّانها الذين يظلون في العراء بلا مأوى، وبلا تعويض من الدولة.

الاعتماد على الإخلاء القسري من السياسات الرئيسية لدى الدولة في التعامل مع العشوائيات والمناطق غير الرسمية. – المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية

منظمّات حقوقية، من بينها منظّمة العفو الدولية، سجّلت إداناتها لسياسة الدولة مع التهجير والإخلاء القسري لسكان المناطق غير الرسمية، بخاصة وأنّ العديد من عمليات الإزالة والهدم لبعض تلك المناطق تتم على غفلة من سُكّانها، وبشكل مُفاجئ لا يستطيع معه السّكان تخليص أغراضهم وأثاثهم قبل هدم منازلهم.

التهجير القسري في جمهورية السيسي

بعد الثالث من يوليو 2013، لم يتغير الوضع كثيرًا فيما يخص نماذج التهجير القسري السابق ذكرها، فعلى سبيل المثال، لا يزال الأقباط يعانون ما بين الحين والآخر من إرغامهم على ترك قراهم أو مساكنهم، من ذلك حادث تهجير أقباط كفر الدرويش في بني سويف كمثال، فضلًا عن استمرار نفس سياسة الدولة فيما يخص المناطق العشوائية. لكنّ ما تغيّر هو إضافة بُعد آخر لاستخدام الدولة سلاح التهجير القسري، وهو بُعد الحرب على الإرهاب، والذي يتضمن بين طيّاته: الاستقرار والوحدة الوطنية وربما التنمية أيضًا، فالحرب على الإرهاب من المصطلحات التي يُناسبها أي تفسير يضعه الأقوى.

الجيش المصري يُحارب الإرهاب بأهالي سيناء

في أكتوبر العام الماضي (2014)، بدأت قوات الجيش المصري عملية إزالة للمناطق السكنية على الحدود المصرية مع قطاع غزّة المُحاصر؛ بُغية تأسيس منطقة عازلة على طول 14 كيلومترًا وبعمق نحو نصف كيلومتر بشكل عام، مع وصول العمق إلى نحو كيلومترين في بعض المناطق. خُطّة الجيش المصري الخاصة بهذه المنطقة العازلة، تأتي ضمن ما يسميه الجيش بحربه على الإرهاب.

وفي سبيل حربه على الإرهاب، أجبر الجيش المصري 1156 عائلة مصرية على الإخلاء القسري لمناطقهم السكنية التي تصادف وقوعها ضمن منطقة الشريط العازل المزمع تنفيذها. تلك العائلات المُجاوزة للألف لم تُعوّض بشكل عادل، فبعض التقارير تفيد بأنّ التعويضات لم تتجاوز 300 جنيه. تقارير أخرى قالت إنها وصلت إلى ألفٍ أو 1500 جنيه لكل عائلة! والجدير بالذكر أن عائلات القرى والمناطق السكنية الواقعة على ذلك الشريط، كانت أغلبها تتفاجأ بالقوات الأمنية المعززة بآليات التدمير؛ تُطالبهم بإخلاء منازلهم دون إخطار مُسبق يتيح لهم إنقاذ ما يُمكنهم إنقاذه من أغراض وأثاث وغيره.

هذا وتستمر الدولة المصرية في استخدام التهجير القسري كخطّة من خطط حربها على الإرهاب، دون إحراز أي تقدّم ملموس في هذه الحرب، أو تقهقر ملموس في تحركات الجماعات المسلّحة في سيناء، بل على العكس ازداد نفوذ الجماعات المسلحة، بخاصة تنظيم ولاية سيناء (أنصار بيت المقدس سابقًا)، الذي استغل الوضع الأمني في سيناء، والتضييق على أهاليها من قبل السلطات المصرية، لكسب مزيد من التعاطف، بل مزيد من المنضمين إلى التنظيم.

يُركّز التنظيم في مقاطع الفيديو الخاصة به على إظهار الدمار والخراب وعمليات القتل التي تقوم بها قوات الجيش بحق أهالي سيناء، وهو ما يُمكن أن يُثبّت أركان التنظيم باعتباره المُنقذ. – أبو أحمد الرفحاوي (ناشط وصحافي سيناوي)

من آثار تدمير آليات الجيش المصري لمنازل سُكّان المنطقة الحدودية في سيناء (AFP)

الهاربون من قمع النّظام.. مُهاجرون قسريًّا

كان تحرّك الجيش في الثالث من يوليو 2013 بابًا مفتوحًا على مصراعيه لتدهور الحقوق والحريات في مصر، وعلى مدار عامين منذ ذلك الوقت وحتى الآن، تعددت الانتهاكات بحق مواطنين مُعارضين للنظام الجديد/ القديم. فضلًا عن توسع السلطات الأمنية في حملات الاعتقال.. كل هذا دفع بأعداد كبيرة من المصريين إلى الهجرة خارج البلاد هربًا من قمع السلطات المصرية.

يُمكن القول إنّ انقلاب الثالث من يوليو، وتحت عنوان “الحرب على الإرهاب” وما يتضمنه؛ خلق حالةً أخرى من حالات التهجير القسري، مبنية على قرار بمبادرة ذاتية، لكنّه بدافع الإكراه بسبب القمع السياسي، وخوف المُهجّر على حياته وحُريّته مع الازدياد المطّرد في أعداد المُعتقلين في السجون المصرية، وبخاصة وأنّ هؤلاء المُهجّرين/ الهاربين أغلبهم محكوم عليه في قضايا سياسية في الأساس.

ورغم عدم وجود إحصاء لأعداد هؤلاء الهاربين خارج مصر بسبب القمع السياسي، إلا أن تقارير تُفيد بأنّ نسبة كبيرة منهم من الطلبة الذين غالبًا ما يتجهون نحو السودان أو ماليزيا أو تركيا لإكمال دراستهم، بل إن تُركيا قد فتحت أبوابها للطلبة المصريين المُهجّرين قسرًا من بلادهم، وتصنفهم – وغيرهم من بعض حالات المصريين- تحت خانة اللاجئين.

المصادر

تحميل المزيد