خُدِع بعضهن، وأجبر البعض الآخر، والنتيجة أنهن سُلبن حق الأمومة بسبب سياسة التعقيم الإجباري، التي مُورست في القرن العشرين بقرارات الرؤساء والمحاكم. في ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية والبيرو وغيرها، عُقم الرجال والنساء لأسباب عنصرية، أو بحجة تحديد النسل وخفض عدد السكان.

وللآن، لا تزال عمليات التعقيم القسري مستمرة، تُشرف عليها سُلطات بحجة تحديد النسل، تخضع لها نساء الأحواز في إيران، وأقلية الروهينجا المسلمة في ميانمار، واليهوديات الإثيوبيات في إسرائيل، وفقيرات الهند.

تعقيم نساء الروهينجا بالقانون وعلى يد الأطباء!

كان لنساء الروهينجا نصيبهن من الممارسات العُنصرية العنيفة الممنهجة ضد هذه الأقلية، فقبيل تهجيرهن، كُن يخضعن لما يُعرف بقانون «الرقابة على الرعاية الصحية للسكان»، فبحسب تقرير منظمة العفو الدولية، فإن القانون المذكور قد خلقَ بيئة لاستخدام طرق المكافحة القسرية للإنجاب، مثل فرض وسائل منع الحمل بالإكراه، والتعقيم القسري أو الإجهاض.

أما الأشد وطأة فهو ما كشفه تقرير وثقته «هيومان رايتس ووتش»، يعود لعام 2013، يشير إلى حالات تعقيم قسرية، وإلى حرمان من الرعاية الطبية كشكل من أشكال الانتهاكات التي ترتكب ضد أقلية الروهينجا المسلمة. أما التقرير الذي نشرته بداية هذا العام المجلة الفرنسية «ماري كلير»، فجاء فيه شهادة إحدى الممرضات، وتدعى «ساندرا»، وتعمل في مستوصف يديره بعض التجار وأطباء بوذيون، وتقول إن المرضى المسلمين تُساء معاملتهم، كما تُجرى لبعض النساء عمليات إجهاض قسرية.

إيران وسياسة تعقيم المرأة الأحوازية

على مدى ثلاث سنوات، تلقت سيدة أحوازية علاجًا من أجل الإنجاب، لكن الأطباء الإيرانيين بعد فترة أخبروها أنها عقيم، ذهبت هذه السيدة مع أسرتها إلى هولندا، وراجعت الأطباء هناك، ليُؤكدوا لها أنها قد أُعطيت دواءً يمنع الحمل.

هذه الحكاية يرويها لـ«ساسة بوست» الناشط الأحوازي، ومدير موقع «عربستان»، عادل السويدي، الذي يقول إن السلطات الإيرانية تتبع عدة طرق من أجل «شطب الوجود الأحوازي»، ومن بين هذه الطرق فرض سياسة التعقيم على نساء الأحواز.

ويُضيف السويدي: «تحاول إيران قطع النسل العربي بأية وسيلة، منها فرض الغرامات المالية الباهظة للأسرة التي تنجب أكثر من طفلين، أو طرد رب الأسرة من عمله، وأساليب أخرى تتبع بغية منع ازدياد النسل العربي الأحوازي».

من جهتها، قالت الناشطة الأحوازية منى عودة الساري، إن «الاحتلال الفارسي الذي سلب المرأة حقها في التمتع بالرعاية الصحية، وجعلها تعاني من التمييز والعنصرية الممنهجة ضدها، وكانت جريمته الأكبر ضد غالبية النساء الأحوازيات هي تطبيق سياسة التطهير العرقي بأبشع طريقة في التاريخ، وذلك عبر منع الإنجاب من أجل إحداث تغيير ديموغرافي»، على حد تعبيرها.

وأضافت منى الساري، أن السلطات الإيرانية كثيرًا ما تُجبر المرأة الأحوازية على الإنجاب بالعمليات القيصرية، بدلًا عن الإنجاب الطبيعي، وفي كثير من الأحيان تُجرى للمرأة عملية تعقيم دون علمها، أثناء إجراء عملية الإنجاب القيصري.

إسرائيل حقنت اليهوديات الإثيوبيات بـ«ديبو بروفيرا»

استقدمن مع أسرهن بهدف الحفاظ على التوازن الديموجرافي الذي عملت إسرائيل من أجل تحقيقه كثيرًا، لكن المفارقة التي قد تكون صادمة، أنهن – أي اليهوديات الإثيوبيات – حقنّ تحت التهديد، أو من خلال إقناعهنّ بأنه تطعيم، بعقار «ديبو بروفيرا».

ومع تأكيد وسائل الإعلام الإسرائيلية بأن إجراءات تحديد نسل الإثيوبيات، أو بالأحرى منعهن من الإنجاب، تبدأ في إثيوبيا وتستمر في إسرائيل، تذكر صحيفة هآرتس الإسرائيلية، أن «وزارة الصحة في إسرائيل قامت بحقن العديد من النساء الإثيوبيات، لدى وصولهن من الخارج، بعقار خطير هو ديبو بروفيرا، الذي ينتج عنه مضاعفات خطيرة على صحة النساء، بعد أن كانت تنفي ذلك باستمرار وترفض تحمل مسؤوليته».

ونقلت الصحيفة عن إحدى النساء الإثيوبيات قولها: «جمعونا في أديس أبابا، وقالوا لنا إن هناك تطعيمات يجب أن نحصل عليها، ثم قالوا لنا إنه يجب ألا نلد كثيرًا، لأننا سنعاني اقتصاديًا، وهددونا بأننا لن نستطيع الخروج من المخيم الذي تم تجميعنا به إلى إسرائيل في حال رفضنا الحقنة. أرغمنا على الانصياع وبدأنا نحصل على الحقن كل ثلاثة أشهر».

بهذا العقار، وهذه السياسة مع اليهوديات الإثيوبيات، استطاعت السلطات الإسرائيلية أن تُحقق هدفها، إذ انخفضت نسبة الولادات بين الإثيوبيات في إسرائيل إلى النصف خلال العقد الأخير. ويرجع الأمر للنظر إلى يهود إثيوبيا على أنهم يُمثلون درجة أدنى من غيرهم، وإنما استقدامهم إلى إسرائيل بسبب الحفاظ على نسب تُريد السلطات الإسرائيلية تحقيقها في مجتمعها، وفي إطار الصراع الديموجرافي مع الفلسطينيين.

تعقيم قسري للنساء والرجال الهنود بتمويل بريطاني

في شهر يناير (كانون الثاني) عام 2012، نشر نشطاء من الهند مقطع فيديو لأحد الجراحين يجري عمليات في مبنى مدرسة بضاحية أراريا التابعة لولاية بيهار. كانت تلك عمليات تعقيم، وقد وصلت خلال ساعتين فقط إلى نحو 53 عملية. ساعد الطبيبَ على إجراء تلك العمليات طاقمٌ غير مُؤهل، يعمل في ظروف غير مُناسبة، بلا معدات معقمة، ومع أدنى مستويات النظافة، فيما كانت النساء مُلقيات على القش يتألمن.

أثيرت قصة هذا الطبيب في المحكمة، ضمن قضية عرفت بـ«برنامج التعقيم القسري للنساء والرجال الهنود»، وهو برنامج مولته الحكومة البريطانية، وقد أدى إلى وفاة العديد من الهنود خلال إجراء عمليات التعقيم، وهو برنامج خضعت فيه الحوامل للتعقيم من الإجهاض، وفقدن أجنتهن.

وحسب صحيفة «الأوبزيرفر»، فإن «بريطانيا وافقت على منح الهند 166 مليون جنيه لتمويل البرنامج، على الرغم من الادعاءات التي تقول إن الأموال ستستخدم ضد الفقراء، في محاولة لكبح جماح التزايد السكاني، بعدما وصل تعداد سكان الهند 1.2 مليار نسمة».

خلال هذا البرنامج، خُدع الفقراء من النساء والرجال عند الخضوع لعمليات التعقيم، حتى إن بعضهم قد لقي حتفه. أُبلغ بعضهم أن استدعاءه للمركز الصحي بسبب أن تُجرى له عمليات لتحسين الوضع الصحي، فيما هُدد البعض الآخر بفقدان بطاقات المُؤن إذا لم يخضعوا للعمليات. آخرون جرى إغراؤهم بالحصول على اليانصيب، حال وافقوا على إجراء العملية.

الولايات المتحدة: قانون التعقيم لغير المرغوب في نسلهم

بعد معركة قضائية شرسة، انتزعت منظمات حقوقية قرارَ دفع تعويض للأشخاص الذين أجبروا على الخضوع لعمليات تعقيم قسري، قبل عقود في ولاية فرجينيا الأمريكية. كان ذلك في فبراير (شباط) 2015، إذ وافق نواب البرلمان على حصول الضحية على 25 ألف دولار، لأن المحكمة العليا الأمريكية أيدت في عام 1927 قانون التعقيم لتحسين النسل في فرجينيا حتى العام 1979.

تعود بدايات القضية إلى تنفيذ أكثر من 30 ولاية أمريكية برنامجًا لتعقيم الأشخاص الذين اعتبرتهم «يحملون صفات وراثية غير مرغوب فيها، أو يعانون من خلل عقلي». أجريت عمليات تعقيم لأكثر من ثمانية آلاف شخص بين عامي 1920 و1970. كان أكثر من خمسهم من أصول أفريقية، ثلثاهم من النساء اللواتي توجهن للمستشفيات من أجل الخضوع لعمليات أخرى، ثم أجريت لهن عمليات التعقيم دون علم منهن، حتى أضحى هناك أكثر من 60 ألف أمريكي تعرضوا للتعقيم، ويسعون للحصول على تعويضات.

يقول الكاتب المصري منير العكش إن «أمريكا أعدت برنامجًا لتعقيم ملايين الأمريكيين ومن مواطني العالم الثالث كجزء من خطة للسيطرة على العالم»، وذكر في كتابه «أمريكا والإبادات الجنسية»، أن هدف الخطة هو الحفاظ على ما يعتقدونه صفاءً أو تميّزًا جنسيًا في الولايات المتحدة الأمريكية. ووفقًا للعكش، فإن أموال الكثير من أثرياء الولايات المتحدة، لا تزال مُوجهة لتعقيم الآلاف من الأمريكيين، ممن يعتبرونهم «ضعاف العقول»، بغية «تحسين» النسل الأمريكي، كما يظنون.

تعقيم الغجر في أوروبا

ضمن سياسات التفرقة التي طالت غجر أوروبا على وجه الخصوص، والتي تضمنت تميزهم بقطع الأذن، أو وسم أجسامهم قسريًا، أو وضعهم تحت الرقابة؛ كانت هُناك أيضًا عمليات التعقيم القسري.

وشاركت القوانين الأوروبية في اضطهاد الغجر، فبينما حاكمت المجر نحو 200 غجري عام 1782 «بتهمة أكل لحوم البشر»، نص القانون الإنجليزي الصادر عام 1554 على قتل الغجر، أما الأنكى فكانت مشاركة علماء الأجناس فيما مهد للمزيد من التمييز ضد الغجر على اعتبار أنهم «سلالة بشرية أدنى».

أبرز هؤلاء كانوا العلماء الألمان، الذين دعموا بأبحاثهم فكرة التفوق العنصري الألماني، ففي العام 1920 نشر اثنان من العلماء كتابًا عنوانه «اعتماد سياسة قتل من لا يستحقون الحياة».

ويشير الكاتب المصري رمسيس عوض في كتابه «الغجر بين المجزرة والمحرقة» إلى أن ألمانيا اتخذت عام 1939 إجراءات بهدف «الفصل العنصري للعرق الغجري فصلًا قاطعًا لا رجعة فيه عن الأمة الألمانية». وكان من ضمن هذه الإجراءات صدور قانون تعقيم بعضهم في العام 1933، وذلك قبل نشوب الحرب، واتخاذ قرار إبادتهم بعدة وسائل منها تكليفهم بأعمال شاقة؛ ليشهد العام 1943 أكبر عمليات إبادة جماعية لهم. بينما اقترحت المجر عام 1944 «تعقيم كل الغجر الذكور»، وذلك لأن المعتقلين من الغجر المجريين تكلف حراستهم خزينة الدولة نحو 22 مليون دولار سنويًا.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد