في القرن الماضي، اقترح فيلسوف الأخلاق جون راولز، لعبة تخيلية مُسلية، رأى أن عالمنا في أشد الاحتياج إليها لينجو من أمراضه النفسية وبؤسه، وليتحقق قدر ما من العدالة والسعادة على هذا الكوكب.

اللعبة السحرية التخيلية التي اقترحها جون راولز لعالمنا، هي أن يجلس كل أفراد الكوكب في جمعية عمومية، ليشرعوا قوانين لعالم جديد، وسيكونوا مجبرين على التفكير في كل مادة من دستور العالم الجديد، لمرة واحدة فقط، أي أنهم حين يتوصلون في نهاية الجمعية العمومية إلى اتفاق على الدستور الجديد، ويصوتون على كل القوانين، يسقطون موتى، مع علمهم بأنهم سيستفيقون مرة أخرى ويعودون مرة أخرى للحياة في مجتمعهم الجديد، وفق دستورهم الذي اتفقوا عليه.

يتصور جون راولز أن هذا المجتمع سينعم بالطمأنينة والمساواة، لأن كل واحد منهم قبل أن يموت يعرف أنه سيعود إلى الحياة مرة أخرى، لكنه لا يعرف على أي صورة تحديدًا، حيث ستنقلب كل الأشياء، فلا يعرف أحدهم إن كان سيستيقظ في جسد رجل أم امرأة، أو إذا كان سيستيقظ في جسد بدين أم نحيف، أبيض أم أسود، وهل سيستيقظ أشقر أم أقرع.

بالنسبة لراولز، سيكون هذا المجتمع أكثر عدالة وأبعد عن الاضطهاد؛ لأن كل فرد وهو يصوغ قوانين المجتمع الجديد، سيحاول أن يوفر لجميع أفراد المجتمع الجديد على اختلاف أشكالهم، وأنواعهم، أفضل وضع ممكن، وأكبر حماية ممكنة من الاضطهاد وقلة الحظ، لأن كل فرد من الجالسين في الجمعية العمومية، لا يعرف تحديدًا على أي هيئة سيكون في العالم الجديد.

على الأرجح لو كان جون راولز حيًا الآن سيرى أن المسؤولين في التليفزيون المصري، لن يتحمسوا بما فيه الكفاية لخوض لعبته الخطيرة التخيلية، بعدما أصدروا قرارًا بإبعاد المذيعات البدينات عن شاشة التلفاز، وسربوا أسماءهن لوسائل الإعلام المختلفة، مما تسبب في حرج بالغ للمذيعات المستبعدات، وتسبب في آلاف التعليقات الساخرة التي وُجهت إليهن، في مواقع التواصل الاجتماعي، وما صاحب ذلك من مشاكل أسرية لهن، وشعور بفقدان الثقة في النفس.

وربما سيندهش جون راولز أكثر وأكثر إذا عرض لعبته الأخلاقية على صفاء حجازي، رئيسة اتحاد الإذاعة والتليفزيون، وصاحبة قرار إبعاد المذيعات ذوات الوزن الزائد، وعرف أن صفاء نفسها، قد تعرضت لقرار محرج مشابه في عام 2007، حين تعرضت للإيقاف بسبب وزنها الزائد.

ما لا يقال عادةً

في السنوات الأخيرة، ورغم غياب الأرقام الرسمية الدقيقة، رصدت العديد من التقارير، ارتفاعًا كبيرًا في حالات الانتحار بالوطن العربي عامة، وفي مصر بالخصوص. حين تُذكر أسباب هذه الزيادة الضخمة في أعداد المنتحرين، والذين لم يعودوا قادرين على تحمل ذواتهم، يتم التركيز على الأسباب الاقتصادية والسياسية، لكن ما يقوله العديد من الخبراء النفسيين، أن الأمر يتعلق أيضًا وبشكل كبير، بعدم رضا بعض هؤلاء المنتحرين عن مظهرهم الخارجي، وانعدام قدرتهم على تحمل العنف الرمزي والفعلي الذي يمارس عليهم، بسبب اختلاف أشكالهم عن المعايير الجمالية السائدة، التي يتم اعتبارها المعايير المطلقة والوحيدة للجمال، عبر تكريس طويل من وسائل الإعلام لها، وهي بحسب بعض المفكرين، معايير شديدة التأثر والانسحاق أمام الشكل الغربي، وتحتقر كل ما لا يشبه النسخة الغربية عن الجمال.

قبل أيام من قرار إبعاد البدينات عن الشاشة، كانت البدينات المصريات قد تعرضن لشكل من أشكال ما يسمى في علم الاجتماع بـ«العنف الرمزي»، حين قام أحد فروع صالة الألعاب الرياضية «Gold’s Gym» في مصر، بنشر دعاية له تمثلت في صورة ثمرة كمثرى، كُتب أسفلها »هذا لا يصح أن يكون جسمًا لفتاة«، وهو ما رآه البعض تعليقًا عنصريًا تجاه ذوات الوزن الزائد.

«لأ أقعدي انتي ورا علشان الكرسي ده خفيف وممكن يتكسر»، هكذا يقال لهن في وسائل المواصلات. «لأ ما فيش مقاسات لحضرتك»، هكذا يقال لهن حين تذهبن إلى محلات الملابس. هذا بخلاف عشرات التعليقات الساخرة التي تتلقاها البدينات في الشوارع المصرية يوميًا. هكذا يعشن على حافة الخطر، والخوف من المواقف المحرجة، ومن الإهانات، وندرة فرص الحب والحياة لهن في مصر.

حين نتعرض في هذا التقرير لقرار إبعاد البدينات عن شاشة التلفاز، نحن لا نتعرض فقط لما قالته المذيعات المُستبعدات عن تعرضهن للسخرية والمشاكل الأسرية، بسبب تسريب أسمائهن للصحافة، ولكننا نتعرض أيضًا لأمر يتعلق بفتيات صغيرات في مقتبل العمر، من ذوات الوزن الزائد، ربما تحلم إحداهن بأن تصير إعلامية في يوم ما؛ كيف سيكون حالها، إذا سمعت خبرًا مثل هذا، وكيف ستستقبل هذا السيل من التعليقات الساخرة على ذوات الوزن الزائد. هذا التقرير يتعلق بأمر يخص شريحة كاملة من المجتمع المصري بالأساس، وليس ثماني مذيعات مستبعدات فقط.

30 يومًا فقط

في تصريحات صحافية، قال مسؤول بقطاع التليفزيون المصري، إن المذيعات الموقوفات عن الظهور على شاشة التلفاز بسبب وزنهن، أمامهن مهلة تتمثل في شهر واحد فقط، للوصول للوزن الذي يؤهلهن للوقوف مجددًا أمام الكاميرا، وأن عليهن البدء فورًا في «نظام الدايت».

صورة لإحدى المذيعات المتعرضات للإيقاف بسبب الوزن الزائد (مصدر الصورة: موقع عربي 21)

ممتلئة بالخوف من المستقبل، والشعور بالضآلة أمام أعين الجميع، قالت إحدى المذيعات المستبعدات، وهي خديجة خطاب، في تصريحات صحافية، إنها تخشى من انتهاء المهلة المحددة بتاريخ 15 سبتمبر (أيلول) 2016، بدون أن تصل عبر النظام الغذائي القاسي للوزن المطلوب، وقالت خطاب «أنا سيدة مصرية عادية»، معربة عن ضيقها من نشر صورها، والسخرية منها، على مواقع التواصل الاجتماعي.

وذكرت صحيفة الأهرام المصرية، أن خطوة إبعاد المذيعات ذوات الوزن الزائد، قد جاءت لمواجهة انخفاض نسبة مشاهدة التليفزيون الحكومي، وقد دفعت تلك التبريرات وشبيهاتها، منظمات مصرية نسوية، لرؤية هذا القرار باعتباره يحول المرأة إلى سلعة.

وقد صرح المحامي مصطفى شوقي، المتخصص في حقوق الإعلاميين، بأن هذا القرار يعزز من تكريس صورة المرأة المصرية باعتبارها خاضعة لمعايير جمال محددة، كما هاجمت العديد من المنظمات النسوية القرار باعتباره خارقًا للدستور المصري وبالأخص مادته الـ11، التي تنص على حرمة الحياة الخاصة للمواطنين، وهو ما يرى البعض أنه انتُهك، حين تسربت أسماء المذيعات الموقوفات، وتمت السخرية منهن بعد ذلك على نطاق واسع بسبب ذلك.

في الواقع، ما يعزز فكرة تسليع المرأة في القرار الصادر، أن هذا النوع من القرارات لم يبدأ في الظهور بمؤسسة التليفزيون المصري، إلا بعد ظهور الإعلامية اللبنانية، نيكول بردويل، في برنامج »سمعنا صوتك«، في أوائل الألفية الجديدة، وما حققته من نجاح بمظهرها المختلف، وهو ما أدى إلى سلسلة قرارات صارمة للغاية، اتخذها التليفزيون المصري بعد ذلك، لم تتعلق فقط بإبعاد البدينات في عام 2002، وإنما شملت أيضًا التشديد على طريقة تصفيف الشعر، وأسلوب ارتداء الملابس والمكياج، بالنسبة للمذيعات المصريات.

تعقيبًا على القرار الذي يراه البعض عنصريًا، قالت داليا الحمامصي، المدير التنفيذي لمنظمة الدفاع عن المرأة، أنها تتفهم كون الزي والمظهر شرطًا أساسيًا في بعض الوظائف، لكنها تؤكد أيضًا اندهاشها من أن يكون وزن الإنسان، هو أحد الشروط للظهور على تليفزيون الدولة.

في الواقع لا يمكن أن يتخيل أحد كيف تمر الأيام الـ30، على المذيعات المستبعدات، وهن يسابقن الزمن، كي يصلن إلى الوزن المثالي، ولا أحد يعرف أي أثر سيتركه ذلك في نفوسهن، وأي انكسار قد يورثهن إياه. تقول إحدى المستبعدات إن القرار قد سبب لها جرحًا بالغًا لها ولأسرتها، وأنها لم تكن تتمنى سوى أن يتم التعامل مع الأمر داخليًا في ماسبيرو، بدون التشهير والإساءة والسخرية، في حين قالت أخرى:« هل نسيت صفاء حجازي أن لدينا عائلات تضررت من هذا القرار؟ ألم يكن من الأفضل لفت انتباهنا إلى الأمر في الغرف المغلقة؟».

على جانب آخر، علقت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، من زاوية خاصة جدًا، حيث ذكرت في تقرير لها: «إنه على مدار السنوات الماضية، كان مذيعو التلفزيون يحافظون على ألسنتهم؛ حتى لا يغضبوا النظام الحاكم ويحافظوا على وظائفهم. أما الآن، فإن الحكومة تتدخل أيضًا في شكل أجسادهم، وتأمر بعض المذيعات العاملات في التلفزيون الرسمي بضبط وزنهن كما يضبطن ألسنتهن».

هل المرأة البدينة قبيحة حقًا؟

في دفاعها عن قرارها، اعتبرت صفاء حجازي، أن البدانة تعد مظهرًا غير لائق. في الواقع ربما لا تعرف حجازي أن أبيات الشعر العربي، حتى قرون قريبة، كانت تنضح بالثناء والغزل في المرأة الممتلئة، وأن هذا التحول باتجاه اعتبار المرأة النحيفة رمزًا للجمال، لم يحدث سوى من فترة قريبة، مع اعتماد معايير معينة شيئًا فشيئًا، باعتبارها المقاييس المطلقة للجمال، نتيجة تطورات عالمية واقتصادية وسياسية عميقة، وهي معايير أقرب ما تكون إلى نموذج الجمال الغربي.

مصدر الصورة: (رصيف 22)

هذه الصورة الموجودة بالأعلى، هي لفتاة تحدت تلك المعايير المطلقة، التي يفرضها العصر الحديث بعنف، واستطاعت أن تنتزع اعتراف الجميع بجمالها وأنوثتها، هي جيسيكا البالغة من العمر 24 عامًا، ويبلغ طولها 159 سم، ويبلغ وزنها 88 كيلوجرامًا، وقد فازت جيسيكا في عام 2014، بمسابقة ملكة جمال البدينات العرب.

قالت جيسيكا في تصريحات صحافية، إن اشتراكها في المسابقة كان بهدف تعريف المرأة البدينة »أنه يجب عليها النضال لاكتساب حقها في الحياة بالشكل الذي تريده، وعدم الاستسلام لمضايقات المجتمع«. في الواقع باتت جيسيكا شديدة التصالح مع ذاتها وحتى مع تعليقات الناس الساخرة، إذ تقول: »أشد المواقف فجاجة هو تعرضي للسخرية من البعض عند ارتدائي لباس البحر، كوني  بدينة، لكنني تعودت تلك السخافات، وما عادت تزعجني بل تضحكني أحيانًا، فهؤلاء لا يتمتعون بالبصيرة لتقبل الآخر«.

وفي هذا المقطع أيضًا، تظهر فتاة أخرى تعتني بجمالها، ولا تجد أي تعارض بين الأنوثة والجمال وبين كونها بدينة، إنها سيرينا التي فازت في مسابقة ملكة جمال البدينات بالعالم العربي، في عام 2015.

تتذكر سيرينا ذكرياتها الأليمة في المدرسة، حين كانت طفلة، وكيف كانت تتلقى التعليقات الساخرة من الجميع على جسدها، لذلك ترى أن هدفها من المشاركة آنذاك في المسابقة كان »مساعدة أطفال المدارس الذين يعانون من البدانة، ويتعرضون لمضايقات، لتخطي تلك التعليقات السلبية، والنظر إلى أجسادهم بطريقة إيجابية«، وقد أهدت سيرينا اللقب آنذاك، لكل من حاول إحباطها في يوم من الأيام أو السخرية منها، فقط لكونها بدينة.

صورة للمذيعة المصرية شيماء سيف (مصدر الصورة موقع دوت مصر)

وبعيدًا عن تلك النماذج، فإن حديث التليفزيون المصري، عن أنه يريد زيادة نسبة مشاهدته عبر إبعاد المذيعات البدينات، يأتي في وقت حققت فيه المذيعة والفنانة المصرية الصاعدة شيماء سيف مقدمة برنامج »نفسنة«، على إحدى القنوات الخاصة نجاحًا كبيرًا، وهي إحدى المذيعات ذوات الوزن الزائد، حيث يعد البرنامج من أعلى البرامج فيما يتعلق بنسب المشاهدات، وهو ما يضع حديث المسؤولين في التليفزيون المصري، عن ارتباط نسب المشاهدات بالسمنة والنحافة، في محل التشكيك.

عرض التعليقات
تحميل المزيد