3,335

في الثالث من يناير (كانون الثاني) الجاري، أعلن البنك المركزي المصري عن ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى 37.020 مليار دولار في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2017؛ ليصل بذلك إلى مستوى غير مسبوق، ويصبح أعلى مستوى لاحتياطيات البلاد من العملة الصعبة، منذ بدء تسجيل بيانات الاحتياطي في مطلع التسعينات، وبالرغم من أن هذا الخبر غاية في الإيجابية، إلا أنه يثير تساؤلات كثيرة حول الطريقة التي تمكَّن من خلالها «المركزي» الوصول إلى هذه القفزة، بزيادة تصل إلى 13 مليار دولار بنسبة 53% عن مستواه في نهاية 2016، وسط الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد.

المثير للدهشة أكثر، أنه في نفس اليوم الذي تم فيه الإعلان عن القفزة  الهائلة في الاحتياطي النقدي، نقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط الحكومية الرسمية عن مصدر بالبنك المركزي – لم تذكر اسمه – أن مصر سددت ديونًا والتزامات خارجية طوال العام 2017 بنحو 30 مليار دولار، فكيف تمكنت مصر من الحفاظ على هذا المستوى من الاحتياطي، وفي نفس الوقت قامت بسداد كل هذه الالتزامات؟

ما هي أهمية الاحتياطي النقدي؟

منذ تولي طارق عامر منصب محافظ البنك المركزي المصري في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 ظهر اهتمام ملحوظ من البلاد برفع قيمة احتياطي مصر من النقد الأجنبي، إذ لم يتراجع سوى مرتين فقط، منذ ذلك الحين، الأولى كانت في يوليو (تموز) 2016، والثانية في أكتوبر 2016، وبخلاف ذلك واصل احتياطي النقد الأجنبي تحطيم الأرقام القياسية؛ إذ وصل الأمر إلى الاقتراض الخارجي فقط من أجل دعم الاحتياطي، ولكن لماذا هذا الاهتمام الكبير؟ وما هي الميزة التي يمكن أن تحققها البلاد من ارتفاع قيمة الاحتياطي؟

طارق عامر، محافظ البنك المركزي

في البداية يمكن تعريف الاحتياطيات النقدية الدولية بأنها الودائع والسندات من العملات الأجنبية التي تحتفظ بها البنوك المركزية؛ إذ يتكون من عملات أجنبية، بالإضافة إلى رصيد ذهبي ووحدات حقوق السحب الخاصة، وفي الغالب يتم استخدام هذه الأصول، إما لسداد الديون وتمويل ميزان المدفوعات، أو للتدخل في أسواق الصرف للحفاظ على سعر محدد للعملة المحلية، بالإضافة إلى أهداف أخرى، أهمها: صناعة حالة من الاستقرار في الاقتصاد، من خلال تعزيز ثقة الدائنين والمستثمرين الأجانب؛ إذ يُعد الاحتياطي النقدي أحد أهم الضمانات التي تشير إلى قدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها الخارجية.

وتسعى الدول النامية بشكل خاص لزيادة أرصدة الاحتياطي لديها، من أجل تعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات المالية وامتصاص آثارها، بالإضافة إلى تشجع وكالات التصنيف الائتماني العالمية على إصدار تصنيفات ائتمانية جيدة، باعتبار أن الاحتياطي يعكس مستوى الجدارة الائتمانية للبلد وقدرته على سداد ديونه الخارجية.

رحلة صعود الاحتياطي النقدي المصري

منذ أن تخلى البنك المركزي عن دعم العملة المحلية من خلال تحرير سعر الصرف (تعويم الجنيه) في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016،لم يتراجع الاحتياطي النقدي، على مدار نحو 14 شهرًا، إذ كان أحد أهداف التعويم، وقف استنزاف الاحتياطي النقدي والذي كان يضخ منه المركزي المليارات لدعم الجنيه، ففي أول شهرين بعد التعويم، قفز الاحتياطي النقدي بنحو 5.2 مليار دولار، ليبلغ في نهاية ديسمبر 2016، إلى 24.265 مليار دولار، بينما كان في يوليو 2016 يقدر بنحو 15.54 مليار دولار، وهو ما تكشفه بيانات البنك المركزي، كما يظهر في الرسم البياني التالي:

النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي – نوفمبر 2017

ويمكن القول أن 2017، كان عام انتعاش الاحتياطي النقدي في مصر، إذ ارتفع بواقع 12.755 مليار دولار، كما لم يسجل أي تراجع على مدار العام، إذ ارتفع نهاية يناير 2017 إلى 26.36 مليار دولار، ليصعد بنهاية فبراير (شباط) الماضي إلى 26.541 مليار، ثم وصل إلى 28.5 ثم 28.64 مليار دولار، في مارس (أذار) وأبريل (نيسان) 2017، على التوالي، وسجل قفزة تاريخية في نهاية يوليو  2017، بزيادة بلغت قيمتها 4.7 مليار دولار عن الشهر السابق ، ليصل إلى 36.036 مليار دولار ، وهي المرة الأولى التي يتخطى فيها الاحتياطي النقدي ذلك الرقم، بينما أنهى هذا العام الاستثنائي عند 37.020 مليار دولار في نهاية ديسمبر .

ومع بداية عام 2018، من المتوقع أن يواصل الاحتياطي النقدي الارتفاع، إذ تتوقع شركة المجموعة المالية «هيرميس» وصول الاحتياطي المصري من النقد الأجنبي إلى 39.8 مليار دولار، وذلك بحلول العام المالي المقبل 2018/ 2019، واستندت الشركة خلال تقريرها السنوي حول التوقعات الاقتصادية للعام 2018، إلى توقعات بارتفاع إيرادات السياحة إلى أكثر من 8.4 مليار دولار، وتراجع فاتورة الاستيراد، وتحقيق البلاد الاكتفاء الذاتي من الغاز المسال، وهو ما سيوفر جزءًا كبيرًا من النقد الأجنبي، ويقلل الضغط على العملة المحلية.

الأسباب الحقيقية لارتفاع الاحتياطي النقدي في مصر

يبقى السؤال الآن هل كان التعويم فقط هو سبب هذه القفزة في الاحتياطي؟ فكما ذكرنا سابقًا كان التعويم  أحد الأسباب، لكنه لم يكن السبب الرئيس، ولا يمكن القول أيضًا أن هذا الصعود الكبير، جاء بفضل الاستقرار المالي والتحسن الاقتصادي في البلاد؛ لأنه في الوقت الذي كانت فيه عائدات السياحة وقناة السويس والاستثمارات الأجنبية، وتحويلات المصريين في الخارج عند أعلى مستوى في تاريخها خلال 2010، لم يصل الاحتياطي إلى هذا المستوى بهذه السرعة، إذ ما هي الأسباب الحقيقية؟

في 10 ديسمبر الماضي أعلن «المركزي» عن تسجيل فائض بميزان المدفوعات بنسبة 168% خلال الربع الأول من العام المالي الجاري 2018/2017، إلى 5.1 مليارات دولار، مقابل فائض بقيمة 1.9 مليار دولار في الفترة المقابلة من 2016، وبالرغم من أن هذا الرقم إيجابي جدًا، إلا أنه بالنظر في تفاصيل تقرير المركزي، نجد أن زيادة الفائض تخص الحساب الرأسمالي والمالي، والذي يعتمد على تعاملات القروض والاستثمارات الداخلة إلى مصر والخارجة منها، وهو ما يجعلنا نقول إن الارتفاع جاء لسببين أساسيين، وهما:

زيادة الديون بنهاية يونيو.. 41%

تشير البيانات إلى أن مصر خلال 2017، حصلت على العديد من القروض، سواء مباشرة، أو على شكل سندات واستثمارات في أدوات الدين، وكما يقول محمد عبد الحكيم، خبير أسواق المال ورئيس قسم البحوث لدى شركة «ماسترز» لتداول الأوراق المالية، خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: إن «ارتفاع الاحتياطي له ما يبرره من القروض الخارجية، موضحًا أنه عند حساب الفارق ما بين قروض مصر الخارجية منذ بداية العام الماضي، والزيادة في الاحتياطي النقدي، نجد أن قيمة الزيادة في القروض أكبر من قيمة الزيادة في الاحتياطي».

وسجّلت ديون مصر قفزات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وخاصة خلال 2017، ففي يونيو الماضي، أعلن البنك المركزي المصري أنّ ديون مصر قفزت بنهاية السنة المالية 2017/2016، نحو 41% عن مديونيات العام المالي السابق، إذ ارتفع الدين الخارجي فقط بنحو 23.2 مليار دولار، فيما تشير التقديرات إلى أن مصر ملتزمة بخطة سداد ما يبلغ 12 مليار دولار من أصل الدين والفائدة في 2018، إذ قفز الدين الخارجي من 55.8 مليار دولار في 2016، ليصل إلى 79 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي، كما يكشف الجدول التالي:

النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي – نوفمبر 2017

وأظهر تقرير الاستقرار المالي للبنك المركزي المصري، أنّ الديون قصيرة الأجل تمثل نحو 39% من احتياطيات النقد الأجنبي للبلاد، كما ارتفع الدين العام (الخارجي والمحلي) إلى 124.7% من النّاتج المحلي الإجمالي في العام المالي 2017/2016، مقابل 113.3% في العام المالي السابق له.

اقرأ أيضًا:

وبالرغم من الزيادة الكبيرة في الديون الخارجية التي تعد العمود الأساسي في الاحتياطي، إلا أن الأرقام السابقة لم يدخل ضمنها القروض الخارجية التي حصلت عليها مصر بعد 30 يونيو 2017، ومنها الشريحة الثالثة من قرض صندوق النقد الدولي والتي تقدر بنحو 2 مليار دولار، والشريحة الثالثة من قرض البنك الدولي البالغ قيمتها 1.150 مليار دولار، وغيرها من القروض التي حصلت عليها البلاد خلال آخر ستة أشهر.

قفزة في استثمارات الأجانب في أذون الخزانة

على الجانب الأخر استطاعت مصر جذب استثمارات أجنبية في أدوات الدين الحكومية بلغت نحو 19 مليار دولار منذ تحرير سعر الصرف في نوفمبر الماضي، وحتى السادس من ديسمبر الماضي، بحسب وزير المالية المصري عمرو الجارحي؛ إذ ساعد في جذب المستثمرين الأجانب لأدوات الدين رفع أسعار الفائدة الأساسية على الإيداع والإقراض 700 نقطة أساس في نحو 10 أشهر حتى يوليو الماضي.

لتفاصيل أكثر، اقرأ أيضًا:

وبالنظر إلى الأرقام السابقة، سواء من الديون الخارجية، أو استثمارات الأجانب في أدوات الدين، يمكن القول إن الصعود التاريخي في الاحتياطي منطقي، وربما يكون الارتفاع متواضعًا مقارنة بهذه المدخلات.

ما هي تكلفة الاحتياطي على الاقتصاد المصري؟

ويذهب ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي ونقيب الصحافيين الأسبق، للتأكيد على فكرة أن نسبة زيادة الاحتياطي لا تتناسب مع الزيادة في القروض الخارجية، قائلا: «إن مصر حصلت في ديسمبر الماضي على 2 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، في الوقت الذي زاد الاحتياطي بـ296 مليون دولار، بينما في شهر نوفمبر زاد الاحتياطي 185 مليون دولار، وكان المركزي اقترض 3.1 مليار دولار من عدة بنوك أجنبية خلال نفس الشهر».

وتابع، «الولي» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن البنك المركزي قام خلال 2017 بتأجيل سداد أقساط الدين الخاص بالإمارات والسعودية، وتجديد القرض الذي حصل البنك المركزي عليه من عدة بنوك دولية، بعد أربعة أيام فقط من السداد خلال شهر نوفمبر الماضي، وبقيمة أعلى، فبينما كان السداد بقيمة 2 مليار فقط، كان التجديد بقيمة 3.1 مليار دولار.

وينتقل الخبير الاقتصادي إلى النقطة الأهم وهي تكلفة الاحتياطي على الاقتصاد المصري، قائلًا: «بينما تقترض مصر بسندات بفائدة تتراوح بين 6.5% إلى 8.5%، يتم توظيف الاحتياطي عبر أذون الخزانة الأمريكية بفائدة تتراوح بين 2 إلى 2.5% حسب أجل السندات، كما أنه يبيع أذون الخزانة المصرية للأجانب بفائدة 19%، لكن تتم دفع تلك التكلفة للفوائد من خلال الموازنة المصرية، وهو ما يبرر وصول قيمة فوائد الدين إلى 415 مليار جنيه بالعام المالي الحالي».

لغز سداد مصر لــ30 مليار دولار في 2017

مع الحديث عن سداد مصر لـ30 مليار دولار من التزامات ومستحقات مالية وديون خارجية خلال العام الماضي، يظل هذا الأمر لغزًا حتى الآن، ولن نفترض عدم مصداقية هذا الأمر، لأنه نُشر على لسان مسؤول بالبنك المركزي، في تصريح لوكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية بدون تفاصيل واضحة، ولكن بالعودة إلى أبريل 2017، نجد أن المركزي ذكر أن إجمالي الدين قصير الأجل المستحق على مصر وواجب السداد قبل نهاية ديسمبر 2017، يبلغ 11.9 مليار دولار، فكيف تم سداد 30 مليار؟.

يرى «عبد الحكيم»، أن: «تداخل البيانات وعرض أرقام مجردة في غير سياقها الكامل يؤدى إلى تشويش المعلومة، فمجرد الحديث عن تسديد مبلغ ما، كبيرًا كان أو صغيرًا، لا يعطى مؤشرا في معزل عن باقي البيانات المرتبطة»، بينما يُرجح نعمان خالد، محلل الاقتصاد الكلي في «سي.آي كابيتال»، خلال تصريح لوكالة «رويترز»، عدم استخدم مصر للاحتياطي لسداد الديون في أي مرحلة ولذا نجده دائما في ارتفاع، قائلا: «كلما اقتربنا من توقيت سداد سندات أو ديون نمدد أجل معظمها مرة أخرى»، فهل يدخل ضمن الـ30 مليار دولار الديون التي تم تأجيلها؟

اقرأ أيضًا:

ربما يحتاج هذا الأمر للتوضيح من البنك المركزي، ففي الوقت الذي لا نعرف فيه ما هي المصادر التي تم من خلالها سداد 30 مليار دولار في 12 شهرًا، لا يعرف أحد كذلك الأوجه التي ذهب إليها المبلغ.

Embed from Getty Images