يشكّل وجود المقاتلين الأجانب في إدلب معضلة كبيرة أمام مصير آخر معاقل المعارضة السوريّة المسلّحة، إذ ترغب الأطراف المتنازعة في الساحة السوريّة في إخراجهم من إدلب، والتخلّص من وجودهم المسلّح بوسائل مختلفة.

إخراج هؤلاء المقاتلين الذي يستلزم توافقات دولية كُبرى، يقع في المقام الأول على تركيا التي تعهّدت بذلك ضمن اتفاق إقامة منطقة عازلة خالية من السلاح، وهي بذلك أمام خيار التحرّك للقضاء على «هيئة تحرير الشام»، التي تحتضن غالبية هؤلاء المقاتلين، أو الاعتماد على إجراءات أخرى لإيجاد حل سياسي.

خروج المقاتلين أو اجتياح عسكري؟ إدلب تترقّب

اندلعت الانتفاضة السورية في عام 2011، وسريعًا ما شهدت الساحة دخول الآلاف من المقاتلين الأجانب إلى الأراضي السورية بهدف القتال، وفيما كانت أطراف كإيران وحزب الله تستقدم هؤلاء ضمن تشكيلات تابعة لها، وصلت موجات لمقاتلين أجانب إلى مناطق المعارضة السورية، قدموا من عدّة مناطق في العالم، كالقوقاز والعالم العربي والصين والفلبين وأفريقيا وغيرها.

Embed from Getty Images

ومع استعادة النظام غالبية الأراضي السورية بالقوة العسكرية أو الاتفاقيات السياسية، كان مصير هؤلاء المقاتلين التكدّس في آخر معاقل المعارضة، في محافظة إدلب إلى جانب مساحات من محافظتي حماة وحلب المجاورتين لها، وقد أثيرت قضية هؤلاء في 17 سبتمبر (أيلول) الماضي، عندما وقعت كل من تركيا وروسيا وإيران في مدينة سوتشي الروسية على اتفاق يقضي بإنشاء منطقة لنزع السلاح في إدلب، تفاديًا للهجوم العسكري الذي كان النظام وحلفاؤه يهددون إدلب به.

 وبعد هذا الاتفاق تركّزت الأنظار على مصير المقاتلين الأجانب المنتشرين في المنطقة، فتركيا التي ضمن لها اتفاق سوتشي متنفسًا بعيدًا عن الحل العسكري حتى 15 أكتوبر (تشرين الأول)، وهو موعد إنشاء المنطقة آنفة الذكر؛ مضطرةٌ لإخراج هؤلاء لكون روسيا تدفع ناحية الحل العسكري من خلال الهجوم على إدلب التي تتذرع بأنها «وكر للإرهابيين»، إذن يتطلب إيقاف اقتحام إدلب إخراج المقاتلين الأجانب.

وتعود أصول غالبية المقاتلين الأجانب للجمهوريات الروسية من الشيشان والطاجيك والأوزبك، فهؤلاء يشكلون قرابة الثلث، وتتشكل المعضلة في أن الدول الأصلية لهؤلاء ترفض عودتهم وعودة عائلاتهم، إذ لن يرحّب بوتين بعودة الشيشانيين إلى الشيشان، وكذلك تركمانستان، كما أن الدول الأوروبية كفرنسا وبريطانيا وألمانيا ترفض أية حلول قد تدفع نحو هجرة هؤلاء لأراضيها بعد أن اكتوت بنار العمليات المسلحة في عقر دارها.

مقاتلو «الحزب الإسلامي التركستاني» في الشمال السوري– المصدر: «رويترز»

يقول الصحافي السوري منهل باريش: «في جردة حساب تقريبية للبلدان المصدّرة، يمكن إدراك صعوبة التعامل مع هذا الملف. فدول القوقاز الموالية لموسكو لن تقبل عودة أي من مواطنيها الذين وسموا بصفة (الإرهاب) وسيلاقي هؤلاء مصيرهم السيئ، والصين أساسًا تمارس حملات اعتقال وإعدامات مستمرة بحق أكثر من 40 مليون مسلم، ولن تقبل بعودة هؤلاء بأي حال من الأحوال».

 ويتابع القول: «وحدها تركيا، يمكن أن تتدخل من أجل إجلاء الأقلية الإيغورية، وربما إعادة دمجها ضمن جاليات التركستان الهاربة من إقليم سنجان (تركستان الشرقية) والتي تتمتع بالحماية المؤقتة بوصفها جزءًا من الأمة التركية»، ويضيف في موقع «Syria TV»: «شرط حل (جبهة النصرة) لنفسها من دون تقديم ضمانات دولية تحفظ حياة المقاتلين وسلامتهم في بلدانهم لن يجدي نفعًا، خصوصًا وأن تجريمهم دوليًّا بصفتهم إرهابيين سهل وقائم بحسب قرار مجلس الأمن 2178».

ويضيف: «لذلك فإن إخراجهم من سوريا سالمين، يحتاج تحركًا سياسيًّا حثيثًا ومبادرة جدية بحيث تتحمل المعارضة السياسية جزءًا من المسؤولية فيها. فاستمرارها في تجاهل قضية المقاتلين الأجانب حمل الثورة السورية عبئًا كبيرًا، بحيث كانت وحشية السلفية الجهادية سببًا للانفضاض عن الثورة، ووقف دعمها السياسي والعسكري».

خيارات تركيا الصعبة لإخراج المقاتلين الأجانب

تعدّ تركيا هي حجر الأساس في ملف المقاتلين بإدلب، ولذلك أصبح التحدي الأكبر الذي يواجه أنقرة هو إخلاء إدلب منهم، وتدرك أنقرة أن مفتاح الحل بيد «هيئة تحرير الشام» (النصرة سابقًا)، وأسهل الخيارات هنا أن تقبل الهيئة بالتحالف مع باقي الفصائل المدعومة تركيًّا، فإن ذلك يكفي لفرض إرادتها على جميع المقاتلين بمن فيهم الأجانب، خاصة أن غالبية المنضمين تحت لواء الهيئة لا يحملون فكر القاعدة كما يشير مراقبون، فمن السهل إدماجهم خلال فترة قصيرة عبر تنظيم أو فصيل إلى قوات الجيش الحر أو غيره.

 ورغم أن تركيا تحرّكت للضغط على الهيئة بإعلانها منظمةً إرهابيةً، إلا أنها تنطلق نحو عملية تعديل وضع الهيئة بتحويلها إلى تنظيم «أقلّ راديكالية» لتصبح جزءًا من القوى المحلية ليتلاءم وجودها مع المرحلة المقبلة، فعندما يتحقق التغيير التنظيمي للهيئة تزول أهم العقبات أمام استقرار إدلب، كما يرجّح مراقبون. ويخدم هذا الهدف التركي، ضعف الهيئة بسبب قتالها الداخلي مع الفصائل السورية، فهو وضع قد يدفع نحو قبولها منطق التسوية مع القوى الموجودة لحماية أنفسهم.

 يقول الباحث في قضايا الحركات الإسلامية الدكتور عبد الرحمن الحاج إن: «التعديلات في هيكلية النصرة تتطلب تعريفًا بالخطاب، وتعديلًا في المشاريع، وإخراج المقاتلين الأجانب، رغم أن وجود مشكلات لهم في خارج سوريا قد يعقّد الأمور ويجعل المهمة صعبة إلى حد كبير»، مشيرًا خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن: «الخطة تقضي بإخراجهم تدريجيًّا، في شبكات التجنيد نفسها التي أدخلتهم إلى سوريا، تمتلك قنوات تهريب لإخراجهم منها، ولو أنها عملية معقدة وبطيئة ومكلفة».

مقاتلون من المعارضة السورية– المصدر: «CNN»

لكن تبقى مشكلة المقاتلين في إدلب متمثّلة في الفصائل التي تحمل فكر القاعدة، إذ إن فكرها لا يقبل إلقاء السلاح ومغادرة ساحة المعركة دون قتال، كما يرفضون الدخول في أتون مصير مجهول من الاعتقال أو القتل، وفيما اختار هؤلاء القتال بوصفه الخيار الأوحد، تصّر دول الصراع في سوريا على مواجهتهم والقضاء عليهم في سوريا، إلا أن وجود أكثر من 3 ملايين سوري في إدلب يبقى معضلة كبيرة أمام خوض معركة واسعة في هذه المنطقة.

ولذلك دعت أنقرة إلى حملة محدّدة تستهدف المقاتلين الذين يسيطرون على مناطق من إدلب، بدلاً من هجوم واسع، وفي حال رفض هؤلاء الاستسلام للتحالف والوصاية التركية، فإن خيار شن عمليّة عسكريّة تعتمد على الفصائل السورية الموالية لأنقرة يبقى قائمًا، خاصة أن المعلومات تشير إلى أن التنسيق الثلاثي بين روسيا، وتركيا، وإيران أسفر عن تشكيل مركز استخباراتي يُعنى بجمع المعلومات عن المقاتلين الأجانب، وهو ما يتيح سهولة في توجيه ضربات دقيقة ومباشرة لهم، لكن سقوط ضحايا مدنيين يبقى احتمالًا قائمًا.

في المحصلة، تبقى خيارات أنقرة صعبة، مما يخلق توقعًا بأن يلجأ عناصر الهيئة بعد فشل الجهد التركي ووقوع معركة بإدلب للتحالف مع «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» وصنع تشكيلات جديدة موازية، أو أن يتحول المسار الجديد إلى منطقة الساحل والصحراء، خاصة إلى ليبيا، حيث بدأت عناصر تنتقل إلى ليبيا في السنوات الأخيرة ممن فضّلوا التعاون مع أنقرة، وهناك انضموا إلى تنظيم «أنصار الشريعة».

من هم المقاتلون الأجانب في سوريا؟

لا توجد إحصائية محددة عن عدد المقاتلين الأجانب في سوريا، لكن قد تتضح هذه الأمور بالتفصيل قريبًا؛ لكون تركيا قد طلبت من جميع الفصائل ومن بينها «هيئة تحرير الشام» ذاتيات مقاتليها ونوعية السلاح الخاص بها وكميّته، تبعًا لمقتضيات إنشاء منطقة منزوعة السلاح بين الفصائل العسكرية والنظام السوري، لكن يمكن القول إن أبرزهم هم شيشانيون، وتركمانستانيون- صينيون، والأوزبك، ومسلمون عرب وأوروبيون، ويعد من أبرز فصائل المقاتلون الأجانب:

1- الحزب الإسلامي التركستاني

تأسس الحزب الإسلامي التركستاني في أفغانستان في عام 1993 بعد سيطرة الجماعات الإسلامية على الحكم في
أفغانستان، ومارس نشاطه داخل الصين، ثم ذهبت عناصر من الجماعة الأم إلى سوريا في العام 2012، وقد مرّوا عبر تركيا التي يتحدّثون لغتها، مما سهل عليهم الانتقال نحو الأراضي السورية.

يقود هذه الجماعة حاليًا رجل يدعى عبد الحق، أما القائد العسكري فيدعى أبو إبراهيم، ويتكون هذا الحزب من المقاتلين الإيغور الذين قدموا من إقليم شينجيانغ الصيني، وهم يقيمون في قرى منطقة جسر الشغور في محافظة إدلب، ورغم صعوبة اندماج هؤلاء مع المجتمع السوري فإنهم معروفون بقتالهم الشرس، بل لعبوا في العديد من المعارك دور رأس الحربة، كما حدث في عملية السيطرة على مطار أبي الظهور في محافظة إدلب عام 2015.

وفيما لا يعرف عدد هؤلاء المقاتلين بالتحديد، قال السفير السوري في الصين العام الماضي إن عدد الإيغور في سوريا يبلغ خمسة آلاف، وتعد مسألة عودتهم من أعقد الأمور؛ بسبب موقف الحكومة الصينية منهم التي تعدهم، بعد اكتسابهم خبرات قتالية عالية، مصدر خطر أمني كبير لبكين.

2- المقاتلون الشيشان

وهم من أكثر المقاتلين الأجانب شراسة، إذ جاؤوا إلى سوريا بخبراتهم القتالية الناجمة عن معاركهم الطويلة مع روسيا، وقد انتقلوا إلى سوريا من منطقتي الشيشان وشمال القوقاز منتصف العام 2012، وهو العام الذي شكلت فيه «كتيبة المجاهدين» التي قادها عمر الشيشاني، ذو الأصول الجورجية، والذي صعد نجمه عقب انضمامه لـ«تنظيم الدولة الإسلامية».

وتقاتل الآن جماعتا «جند الشام» و«أجناد القوقاز» الشيشانيتان مع «هيئة تحرير الشام»، رغم حرص هذه الجماعات على عدم الاشتراك في جولات الاقتتال لفصائل المعارضة الداخلية، وحسب تقدير بوتين عام 2017 فإن عدد المقاتلين الروس في سوريا يقدر بنحو 4 آلاف مقاتل إلى جانب 5 آلاف مقاتل من دول الاتحاد السوفيتي السابق.

3- المقاتلون الأوزبك

يوجد في إدلب مجموعة لا يستهان بها من مقاتلين من الأوزبك الذين يقاتلون مع «هيئة تحرير الشام»، فهؤلاء امتلكوا مهارات قتالية من خلال قتالهم إلى جانب حركة «طالبان» أو تنظيم القاعدة في باكستان وأفغانستان، قبل أن يتوجهوا إلى سوريا كامتداد لتنظيم القاعدة آنذاك.

ومن الجماعات المحسوبة عليهم كتيبة «التوحيد والجهاد» التي تقاتل ضمن لواء الهيئة، ومعظم مقاتليها من الأوزبك، والطاجيك، وأفراد من إقليم تركستان غربي الصين، و هناك أيضًا «كتيبة الإمام البخاري» التي تتكون أغلب عناصرها من الأوزبك القادمين من آسيا الوسطى، وهي أصغر فصائل المقاتلين الأجانب التي صنفت على لوائح الإرهاب الأمريكية؛ بسبب قتالها إلى جانب الهيئة.

4- تنظيم «حراس الدين»

يضم هذا التنظيم أعدادًا متنوعة من المقاتلين الأجانب الذين انشقوا عن الهيئة، ويغلب على قيادته العناصر الأردنية، مثل إياد الطوباسي الملقب بـ«أبي جليبيب» وهو صهر أبي مصعب الزرقاوي، إذ يبايع تنظيم القاعدة بقيادة أيمن الظواهري.

المصادر

تحميل المزيد