توسع حضور القوى الدولية في المشهد الليبي، سواء عبر التدخل العسكري المباشر، أو من خلال دعم طرف على حساب طرف آخر، دبلوماسيًا أو عسكريًّا، ليصبح البلد العربي المُثقل بآثار الحرب الدائرة لخمس سنوات وقبلها 30 عامًا من حُكم الرئيس الراحل مُعمر القذافي، ميدانًا للنزاع بين الخصوم الدوليين.

الاهتمام غير المسبوق بليبيا من جانب كُل الفاعلين الدوليين تقف وراءه أهداف وأسباب متباينة، تُحدد موقف كل دولة من دعم أطراف الصراع في ليبيا، وهو ما يحاول التقرير التالي التعرف عليه عبر استكشاف أهداف ومكاسب أبرز الدول في هذا الصراع، والتي حددت بدورها طبيعة تدخلها.

تركيا.. 3 أهداف استراتيجية

أهداف عدة، تتنوع بين السياسة والاقتصاد، تسعى لتحقيقها تركيا التي دعمت – سياسيًا وعسكريًّا – حكومة الوفاق الليبية المُعترف بها دوليًا، لتقلب طاولة الصراع في الشهور الأخيرة.

يربط الكثيرون بين التدخل التركي في ليبيا ورغبة أنقرة في الاستحواذ على النفط، غير أن هذا الهدف يسبقه أهداف أخرى أكثر أهمية لأنقرة في سياستها الخارجية وحضورها النافذ في العديد من مناطق النزاع في الشرق الأوسط.

سياسة

منذ 4 شهور
«المونيتور»: ما المتوقع من التفاهم التركي – الروسي حول ليبيا؟

أولًا، تأتي الرغبة التركية في وجود موطأ قدم لها في شمال أفريقيا في ظل مواجهة نفوذ خصومها، فالهدف من توسعات أنقرة خارجيًا، ومنها التدخل في ليبيا والدول الأفريقية، ليس كما يروج خصوم أردوغان أو هو نفسه محليًا على أنه أجندة «عثمانية جديدة»؛ بقدر ما هي محاولة لمواجهة خصومه في صراع النفوذ داخل هذه المنطقة.

يتفق ذلك مع تحليل نشرته وكالة «الأناضول» التركية الحكومية، أشار لحرص أنقرة على الوجود في ليبيا لمواجهة الدول التي تهدف لمنع «أي محاولة تواجد تركية في جميع مناطق الشرق الأوسط والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا».

ثانيًا، تسعى تركيا لتوظيف ملف المهاجرين في علاقتها مع أوروبا، وهو القضية ذاتها التي قد تنجح أنقرة في السيطرة عليها حال التحكم بشكل كامل في المشهد الليبي، وتوظيفها باعتبارها أحد أوراق التفوق التركي في العلاقة مع أوروبا.

يتقاطع ذلك مع أولوية سياسة تركيا الخارجية، وهي النجاح في تأسيس علاقة مستقرة مع أوروبا عبر أوراق نفوذ مختلفة.

تحدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن هذه النقطة في مقال منشور له بمجلة «بوليتيكو» الأمريكية، وقال: «أوروبا ستواجه مجموعة جديدة من المشاكل والتهديدات إذا سقطت الحكومة الشرعية في ليبيا». ووجه أردوغان في المقال رسالة لقادة أوروبا: «يمكن لأوروبا أن تعتمد على تركيا – باعتبارها صديقًا قديمًا وحليفًا مخلصًا – لوقف العنف وعودة الاستقرار في ليبيا».

ثالثًا، تحاول تركيا مواجهة التحالف القائم في شرق المتوسط بين مصر واليونان وقبرص وإسرائيل، وهو ما يتضح من كون بداية التدخل التركي في الملف الليبي شمل توقيع مذكرة تفاهم مع فايز السراج ممثلًا عن حكومة الوفاق والدولة الليبية، في ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي.

هذه المذكرة كانت معنية بالأساس بالسيادة على المناطق البحرية في البحر الأبيض المتوسط، وتقسيم الحدود المائية، لمواجهة الاتفاق القائم بين مصر وقبرص اللذين وقعتا اتفاقًا لترسيم الحدود البحرية بينهما في عام 2013، وهو الاتفاق الذي بادرت في إثره الدولتان، إضافة إلى إسرائيل واليونان، بعمليات التنقيب عن الغاز والنفط على مساحات واسعة شرق المتوسط.

نجح أردوغان في توظيف شرعية وصلاحيات الحكومة المعترف بها دوليًا في عقد هذا الاتفاق، ليكون قائمًا لا يناله أي تغيير حال حدوث أي تحول سياسي؛ إذ تنص الفقرة (2ح) من المادة (8) من اتفاق الصخيرات المغربية لعام 2015، على أن من مهمات المجلس الرئاسي «عقد الاتفاقيات والمعاهدات الدولية على أن تتم المصادقة عليها من مجلس النواب»، في حين تنص الفقرة (8) من المادة (9) على أن من مهمات مجلس وزراء حكومة الوفاق «التفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية».

الإمارات.. دعم حفتر يفوق المكاسب الاقتصادية

يأتي الدعم الإماراتي للمشير خليفة حفتر، ضمن استراتيجية ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد في بناء دولة تواجه حركات الإسلام السياسي في العالم العربي. لذلك، شرعت أبوظبي في تأسيس قاعدة جوية سرية في نهاية سنة 2016، في شرق ليبيا، تنطلق منها الطائرات لقصف أعداء حفتر في بنغازي، ودعمت قوات الجنرال العسكري بأسلحة حديثة وتمويل ضخم.

يؤكد ولي عهد أبوظبي دومًا في أحاديثه مع الدبلوماسيين الأمريكيين، أن مختلف ألوان الطيف الإسلامي تتشارك في نفس الهدف، وهو إرساء خلافة يقوم فيها القرآن مقام الدستور؛ ولهذا يرى أن لبلاده دورًا رئيسيًّا في دعم أي جماعة سياسية تعادي التيارات الإسلامية كحال خليفة حفتر في ليبيا. وبحسب دبلوماسية أمريكية مُقربة من ابن زايد، فالأخير يحاول من تدخله في ليبيا «تفرقة الأحزاب التي لا يحبها، لكن سيفهم في النهاية أنه لا يمكنهم التصرف هكذا».

رغم أن أبوظبي ترى أن استثمارها الأيديولوجي في حفتر يفوق أي اعتبارات اقتصادية مستقبلية، وأن الجانب الاقتصادي لا يُشكل هدفًا أولًا للتدخل الإماراتي، إلا أن الدعم الإماراتي لحفتر يأتي أيضًا ضمن استراتيجية إماراتية ترمي إلى بناء مجموعة من المواني، حتى تُصبح جزءًا من مشروع «الحزام والطريق» الذي ستنجزه الصين؛ إذ تسعى أبوظبي للعب دور محوري في المشروع الصيني، وأن تصبح شريكًا لا غنى عنه في إنجاح هذه المبادرة.

وبحسب تحليل صادر عن مركز بحثي إيطالي متخصص في العلاقات الدولية، فاهتمام دولة الإمارات العربية المتحدة بالسيطرة على البنى التحتية للمواني في ليبيا (مثل بنغازي وطبرق)، يعد جزءًا أساسيًا من استراتيجية أبوظبي لتصبح الفاعل الإقليمي الرئيسي في التجارة البحرية، مع الاستفادة من الفرص المتعلقة بمبادرة الحزام والطريق الصينية.

يدعم هذا الافتراض ما أعلنته أبوظبي، نهاية العام الماضي، عن افتتاح الصين أول مكتب إقليمي في منطقة الشرق الأوسط، بدبي، لمتابعة مشاريع مبادرة الحزام والطريق العملاقة. كما تروج وسائل الإعلام الإماراتية لدور أبوظبي في المشروع الصيني. وبحسب تصريح سابق لسلطان المنصوري وزير الاقتصاد الإماراتي، فبلاده هي «البوابة المثالية لانطلاق طريق الحرير بالاتجاه نحو الغرب وأفريقيا».

أخيرًا، تعمل أبوظبي على توظيف نفوذها داخل ليبيا لتعزز تواجدها في أفريقيا، التي أسست له من خلال قواعدها ومد نفوذها في القرن الأفريقي، حيث توجد العديد من المصالح الجيوسياسية الإماراتية، والتي توسع اهتمام أبوظبي بها في السنوات الأخيرة.

فرنسا.. نفط وإعادة إعمار وخطط عسكرية

بدأ الدعم العسكري الفرنسي لحفتر «سرًا» في بنغازي، في وقت مُبكر من عام 2015، بما اعتبره البعض مخالفًا لقيم باريس الديمقراطية الليبرالية، ضمن استراتيجة موسعة لها في تطوير تحالفات عسكرية في أجزاء أخرى من أفريقيا لتأمين الساحل والمصالح الفرنسية بالقارة الأفريقية.

دولي

منذ سنة واحدة
رحلة في عقل فرنسا وإيطاليا.. كيف يتصارعان على ليبيا الآن؟

ويسود رأي داخل الدوائر الحكومية في باريس أن حلول الرجل القوي، في الدول التي توجد فيها مصالح فرنسية، هي السبيل الوحيد لمواجهة التشدد الإسلامي والهجرة الجماعية.

وشمل الدعم الفرنسي السري لحفتر أسلحة وتدريب ومده بمعلومات استخباراتية وبعض من القوات الخاصة، والتي كان شاهدًا عليها وفاة ثلاثة جنود فرنسيين سريين في حادث طائرة هليكوبتر في ليبيا عام 2016 كانت مشاركة مع قوات حفتر.

يأتي التدخل الفرنسي أيضًا تجاوبًا مع دعوة الإمارات لها لدعم حفتر، عقب انسحاب واشنطن من الشرق الأوسط، فأبوظبي هي حليف سياسي وعسكري لباريس، حاولت توظيف المصالح المشتركة الاقتصادية والأمنية لها مع باريس، التي تُقدر بمليارات الدولارات، لدفعها لدعم حفتر، ونجحت في هذا الأمر.

كما يرتبط بالنقطة السابقة ميل فرنسا للتحالف القائم بين الإمارات والسعودية ومصر، على حساب التحالف القطري التركي، إذ تتعاظم مصالحه مع التحالف الأول.

كانت فرنسا قد أعلنت بعد سقوط القذافي أنه من «المنصف والمنطقي» أن تستفيد الشركات الفرنسية من كعكة النفط الليبية، بعد قيادتها للتحالف الذي أسقط الرئيس السابق.

ولطالما كان العامل الاقتصادي أحد دوافع الانخراط الفرنسي في الصراع الليبي منذ بدايته، وتطمع فرنسا بشكل أساسي في عقود النفط وإعادة الإعمار، وكان ذلك سبب تبنيها سياسة قائمة على الدعم العسكري والسياسي لقوات حفتر سرًا، والحرص في الوقت ذاته على التواصل مع المؤسسة الوطنية الليبية للنفط التي تقع في طرابلس، والتي تحمل الصفة الرسمية في عملية بيع النفط وإبرام الاتفاقيات.

تسيطر قوات الجنرال العسكري على معظم حقول ومنشآت النفط في ليبيا، بما فيها حوض سرت الذي يمثل نحو ثلثي الإنتاج الليبي من النفط. ويستقر إنتاج النفط الليبي عند نحو 1.25 مليون برميل يوميًا، فيما يمثل الإنتاج الليبي نحو 2.5 بالمئة أي 55 الف برميل من إجمالي إنتاج «توتال» الفرنسية.

وحصدت باريس ثمار تواصلها سياسيًا مع المؤسسة الليبية، في الشهور الأخيرة، إذ وافقت المؤسسة، في ديسمبر العام الماضي، على شراء «توتال» الفرنسية حصة «ماراثون أويل» في امتيازات الواحة بليبيا.

إيطاليا.. المستعمر السابق وأكبر مستثمر في قطاع الطاقة

ليبيا، بالنسبة لروما، هي المُستعمرة الإيطالية السابقة، التي تُعد محورًا مركزيًا لسياستها الخارجية منذ عقود طويلة في الشرق الأوسط، وأولوية قصوى لمصالحها الاستراتيجية؛ ولهذا كانت إيطاليا حاضرة منذ اندلاع الصراع سواء بإبرام اتفاقيات مع حكومة السراج، أو بقيادة العملية الأوروبية (إيريني) في البحر المتوسط لمراقبة إرسال الأسلحة إلى ليبيا.

كذلك تعد ليبيا المورد الرئيسي للغاز الطبيعي والنفط الخام بالنسبة لإيطاليا؛ كما تعد شركة «إيني» الإيطالية أكبر منتج أجنبي للمحروقات في ليبيا.

أمنيًّا، يأتي دعم إيطاليا للوفاق بناء على قناعة مسؤوليها بعجز حفتر عن كسب ولاء قيادات قبائل التبو والطوارق التي تهيمن على جنوب ليبيا أو الفصائل المحلية المتعددة في شمال غرب البلاد، حتى مع تقدم قواته عسكريًا، وذلك في ضوء دراسة وفهم إيطاليا للديناميكيات الاجتماعية المُعقدة في ليبيا.

يُشكل الملف الليبي أيضًا ورقة انتخابية مؤثرة في الداخل الإيطالي، إذ تحاول الحكومات المتعاقبة توظيفه سياسيًا، عبر الربط بين نفوذها في الداخل الليبي ومنع وصول مهاجرين لأراضيها، كما كان يكرر دومًا وزير الداخلية الإيطالي السابق المناهض للمهاجرين ماتيو سالفيني، في التجمعات وخطبه السياسية.

تعد ليبيا بوابة عبور المهاجرين لإيطاليا منذ عقود طويلة؛ إذ يسافر نحو 82 في المائة من المهاجرين إلى أوروبا عبر الممر البحري بين ليبيا وإيطاليا، بعدما أصبحت الأخيرة مقصدًا للكثير من المهاجرين من دول شمال أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى الراغبين في الهرب إلى أوروبا.

كانت هذه القضية دافعًا رئيسيًا لروما في تعزيز صلاتها مع حكومة الوفاق الليبية، التي أثمرت عن توقيع اتفاقية بين الجانبين، ساعدت إيطاليا بموجبها السلطات البحرية الليبية على إيقاف الزوارق وإعادة الأشخاص إلى مراكز الحجز. كما عملت إيطاليا على تدريب وتجهيز خفر السواحل الليبي وأجهزة أخرى لإبقاء المهاجرين داخل ليبيا.
وأثمر هذا التنسيق الدائم في نجاح حكومة الوفاق بالتنسيق مع القوات الإيطالية في ضبط نحو 40 ألف شخص وإعادتهم إلى ليبيا، منذ عام 2017.

مصر.. من وسيط محايد لدعم حفتر

كانت المحطات التي تنقلت خلالها مصر في تفاعلها مع الأزمة الليبية مرتبطة بأهداف مختلفة بنت عليها القاهرة سياستها.

المحطة الأولى للدور المصري، كانت الانخراط في الصراع من أجل الحفاظ على نفوذ القاهرة وتأمين حدود البلاد مستقبلًا في ظل أي سيناريو يحتمل حدوثه بجارتها الغربية، وكان تلك هي المهمة الرئيسية للقائمين على إدارة الملف برئاسة محمود حجازي، رئيس أركان الجيش المصري آنذاك، دون سيطرة هاجس «الاستئصال الكامل للإسلاميين في ليبيا» على مصر في ذلك الوقت.

يتأكد ذلك من تأييد فصائل إسلامية في ليبيا أبرزها الإخوان المسلمون لجهود القاهرة في تسوية النزاع. ومضت القاهرة، من أجل هذه المهمة، في عقد مباحثات سياسية مع رؤساء دول كالجزائر وتونس، والتي أسفرت آنذاك عن عقد قمة ثلاثية بين الرؤساء الثلاثة.

بحسب دبلوماسي مصري تحدث لموقع «مدى مصر»، قبل ثلاث سنوات، كانت الغاية المصرية خلال تلك الفترة هي: «إعادة تثبيت القاهرة في موقع اللاعب العربي الأهم في ليبيا بعد طول غياب»، و«تغيير الصورة الذهنية المترسخة عن مصر بوصفها طرفًا غير محايد وعقبة أمام التسوية الليبية».

وفق هذه الاستراتيجية، دعت القاهرة السرّاج أكثر من مرة إلى زيارتها، رغم اعتراضات حفتر، وجرى التنسيق مع قادة دول الجزائر وتونس رغم الخلافات السياسية.

المحطة الثانية للدور المصري كانت إطلاق استراتيجية دعم مفتوح لحفتر، مدفوعًا برغبة إماراتية لتوحيد الدعم المادي والعسكري لقوات الجنرال العسكري، مقابل التخلي عن دور الوسيط الموثوق به من الجميع.

وبعد التدخل التركي في ليبيا عسكريًا، تبدلت أهداف مصر من اكتفائها بكونها محطة لدعم وتأييد حفتر، إلى محاولة بناء تحالف جديد على المستوى الإقليمي بشأن ليبيا، يواجه النفوذ التركي، من خلال تحالف سياسي جديد داخل ليبيا، يكون عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي، أحد أركانه.

كان أبرز المؤشرات لهذا التحول المصري هو دعوة القاهرة، بداية العام الجاري، بعد يومٍ واحد من إرسال أردوغان معدات عسكرية لدعم قوات الوفاق، كلًا من إيطاليا، وفرنسا، وقبرص، واليونان، لبحث مسألة تشكيل تحالف دولي في الداخل الليبي.

لاهتمامات مصر في الداخل الليبي جانب اقتصادي أيضًا، يتمثل في إمكانية تصدير الغاز إلى أوروبا عبر خط أنابيب يمتد من حقل ظهر إلى الحقول الليبية التي تديرها شركة إيني، وربط الحقول البحرية الليبية مع خط غاز بحري إلى إيطاليا، وهو ما يفسر تصعيد الخطاب المصري بعد اقتراب قوات حكومة الوفاق من مدينة سرت، المهمة في صناعة النفط الليبية.

روسيا.. الحنين لليبيا القذافي وتوسيع نفوذ موسكو

تدخل ليبيا ضمن دائرة اهتمام موسكو في سياق استراتيجية الكرملين لعودة النفوذ الروسي بشكل عام إلى الشرق الأوسط. وحظيت ليبيا بخصوصية كُبرى في الاستراتيجية الروسية، في ظل التحالف السابق لها مع الجنرال مُعمر القذافي، قبل أن ينحسر النفوذ الروسي عقب سقوطه بتدخل حلف شمال الأطلسي عسكريًا؛ لتفشل موسكو في حماية عقود بقيمة 10 مليارات دولار كانت قد وقّعتها مع نظام القذافي.

دولي

منذ 4 شهور
درسٌ في البراجماتية.. كيف تلعب روسيا على حبال الجميع في ليبيا؟

لهذا، تمسكت موسكو، عقب فشل المبادرات لتوحيد ليبيا، بالعودة من جديد بدور أكبر في الداخل الليبي؛ إذ رأت في الجنرال خليفة حفتر الشريك الذي يمكن التعويل عليه لتعزيز المصالح الروسية، لتدعمه بقوات وأسلحة رغم الحظر الدولي المفروض، وتعرض، في الوقت ذاته، نفسها وسيطًا يرعى المبادرات.

ويمثل الوجود العسكري في ليبيا فرصة لروسيا للحصول على قاعدة عسكرية قرب الساحل الليبي، مما يضمن تعزيز نفوذ روسيا في البحر الأبيض المتوسط، ويتيح للجيش الروسي التواجد على مسافة أقرب من أوروبا والقواعد الأمريكية في صقلية.

أمام الدعم الروسي السياسي والعسكري لخليفة حفتر، ورقة روسيا النافذة في ليبيا، نجحت موسكو في تعزيز حضورها فاعلًا مؤثرًا ودوليًّا، وتحقيق بعض المكاسب الاقتصادية. إذ سهل حفتر لموسكو الدخول في سوق الطاقة الليبية واستخدام مواني البحر المتوسط في طبرق ودرنة.

الجزائر وتونس.. الجارتان الوسيطتان بلا أطماع

تلعب الدولتان المجاورتان لحدود ليبيا الجنوبية، دور الوسيط في الأزمة الليبية، دون انخراط عبر الدعم العسكري لأي فصيل من أطراف الصراع، لكنهما يدعمان حكومة الوفاق الليبية سياسيًا. ونجحا مؤخرًا في فرض وجودهم باعتبارهما وسطاء، في ظل انتخاب رئيسين جديدين للبلدين، وتوطد صلاتهما سياسيًا.

وتتضائل المكاسب الاقتصادية لكلتا الدولتين من وراء الانخراط باعتبارهما وسطاء، إذ تنحصر الفائدة فقط في امتلاك شركة «سوناطراك» الجزائرية عقد امتياز ملء النفط قرب الحدود الجزائرية الليبية، لكن المكسب الأهم من وراء هذا الانخراط بالنسبة للرئيسين الجزائري والتونسي، هو تعزيز حضورهما، وتنشيط دبلوماسية بلديهما بعيدًا عن الركود الذي أصابهما في السنوات الماضية.

توجت هذه الجهود سريعًا، إذ تسابق وزراء خارجية دول مؤثرة في الداخل الليبي على زيارة الجزائر، والالتقاء بتبون أو مسؤوليه بحثًا عن تنسيق معهم، لتصبح الجزائر وتونس محطة مهمة ونافذة على الشأن الليبي، ورقمًا يصعب القفز عليه لتمرير مبادرة لتسوية النزاع دون حضورهما فيها بوصفهما رعاةً لها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد