ماذا يعني أن يُحذر مسؤولون سياسيون بل وعسكريون ليبيون، قبل أن يحذر غيرهم من الجيران وغير الجيران، من “خطر” التدخل العسكري الأجنبي في ليبيا؟

مؤيد ومعارض

متظاهرون ليبيون يطالبون بالأمن

يبدو أن كلمة “المخاطر” هي الأبرز والأصلح لأن تكون عنوانًا لجواب صعب المنال عن السؤال أعلاه، بحيث لا يكاد فصل من المشاكل والقلاقل السياسية والأمنية ينتهي في المشهد الليبي، حتى يُفتح فصل آخر ربما يكاد يكون أكثر وأقسى وأخطر من الفصل الذي سبقه، إلى درجة أن المتتبع والإعلامي يصعب عليه مواكبة تغطية الأحداث الأمنية المتواترة في بلاد ثورة 17 فبراير، التي أنهت حقبة أربعين سنة من الحكم بالحديد والنار، من طرف نظام “العقيد” معمر القذافي، لكنها لم تنجح بعد مرور أزيد من ثلاث سنوات في جعل البلاد والعباد ينعمان بالأمن الذي بات أول مطالب المواطنين !

وكما اختلف الثوار والساسة الليبيون بعدما انقضّوا على نظام الدكتاتور القذافي، حول نزع سلاح الميليشيات والجماعات المسلحة التي شاركت في الثورة، وجعله في يد سلطة مركزية واحدة، اختلف هؤلاء أيضًا بين مؤيد ومعارض لأي تدخل عسكري أجنبي في البلاد. وطفق كل واحد من الطرفين يدلي بدلوه فيما يعتبره أسبابًا وجيهة لما يطرحه ويتبناه في الموضوع؛ ففي حين يعتبر الرافضون لهذا التدخل الأجنبي أن الليبيين قادرون على وضع حد لفوضى السلاح المنتشر لوحدهم واستتباب الأمن والمطلوب فقط مسألة وقت، لأن أي تدخل أجنبي لن يكون إلا بمثابة صب الزيت على النار والذي من شأنه أن يؤجج ويعقد الوضع أكثر، بل وقد يجعل بعض الجماعات المسلحة تنحو منحىً أكثر تطرفًا في رفضها وضع سلاحها، يرى المطالبون بالتدخل الأجنبي أن ذلك بات ضرورة ملحة تفرضها الحالة المتدهورة التي عجزت عن تطويقها السلطة المركزية غير المستقرة والهشة، بل إن تدخل قوات أجنبية يعتبر شيئًا عاديا وطبيعيا مادام أنه يتم بطلب من السلطات الشرعية ويدخل في نطاق التعاون الدولي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمحاربة “الجماعات المتشددة” في إطار ما يسمى محاربة الإرهاب، معتبرين أن بعض “المتشددين” باتوا يشكلون خطرًا ليس على السلطات والدولة الليبية وحسب، بل حتى على دول الجوار والمنطقة ككل، وهو ما لا يخفيه هؤلاء من خلال إبداء تعاطفهم مع بعض “الجهاديين” في المنطقة الذين أصبحوا “منبوذين” من قبل دول عربية كانت تدعمهم في وقت سابق، كما هو الشأن لبعض فصائل الثورة السورية.

تحذيرات !

صورة أرشيفية لبعض ثوار ليبيا

إذا كان الرافضون لتدخل أجنبي بموقفهم ذلك يحذرون من خطر تكرار سيناريو العراق أو أفغانستان، فإن الداعين إلى التدخل الأجنبي، يبررون موقفهم، في الغالب، بأن ليبيا ما تزال تحت طائلة مقتضيات وبنود قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1970، الذي أدى إلى تدخل الحلف الأطلسي لدعم الثوار الليبيين من أجل إسقاط نظام القذافي، وهو القرار الذي اتخذ كمبرر له “حماية المدنيين”.

هؤلاء المدنيون هم اليوم مهددون وفق ما يذهب إليه المطالبون أو الملمّحون بتدخل عسكري أجنبي، وكان أبرز هؤلاء رئيس الوزراء المقال علي زيدان الذي سبق أن حذر مواطنيه في تصريحات نقلتها “بي بي سي”، من تدخل أجنبي محتمل في حال استمرت الفوضى السائدة في البلاد، مؤكدا أن “المجتمع الدولي لن يتركنا هكذا منطقة في وسط البحر المتوسط مصدرا للإرهاب والقلاقل والعنف”.

وأضاف “ما زلنا تحت القرار 1970 الذي صدر لحماية المدنيين وأي شخص يخرج بسلاحه ويقتل المدنيين ويعتدي على المدنيين، يخضع لبنود القرار، قبل أن يوضح، “هذا ليس تهديدًا ولكن شرح للواقع وقد يتجه المجتمع الدولي لهذا الأمر”.

وقد اتخذ القرار الدولي بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز للمنظمة الدولية اتخاذ “الإجراءات اللازمة” لحماية المدنيين. واعتمد هذا القرار في مارس/ آذار 2011، بعد اندلاع الانتفاضة ضد نظام معمر القذافي السابق بهدف حماية المدنيين من القوات الموالية للزعيم الليبي الراحل.

معادلة..

عناصر من الجيش الليبي

لكن مهما اختلف الساسة الليبيون فإن هناك حقيقة لا يمكن الاختلاف بشأنها وهي وجود أزمة أمنية بالإضافة إلى أخرى سياسية، وبينما تفرّق الثوار الذين قادوا وشاركوا في ثورة 17 فبراير للإطاحة بنظام “العقيد”، إلى شيع وزمر تدين بالولاء لأشخاص أو لقبائل، ولا توالي السلطة المركزية الهشة وغير المستقرة، بل تشكل تهديدًا واضحًا عليها، فإن السياسيين لا يزالون منقسمين تارة حول اسم رئيس الوزراء القادر على إدارة المرحلة وهو ما يعصف بكل رئيس وزراء مباشرة بعد قضائه أيامًا معدودة فقط في المنصب، وتارة أخرى حول أجندة الانتخابات التشريعية والرئاسية، التي لم يحسم فيها حتى الآن، وهو ما يساهم بشكل فعّال في استمرار تدهور الأوضاع مع ما يرافق ذلك من حديث عن التدخل العسكري الأجنبي .. إنها المعادلة الليبية العصية عن حلٍّ يرضي كافة أطياف الثورة الذين اتفقوا بالأمس فقط على الوحدة ضد واحد من أعتد الدكتاتوريات العربية!

عرض التعليقات
تحميل المزيد