ترجمة وتحرير الخليج الجديد

قبل شهر واحد، غادر «وليد»، البالغ من العمر 28 عاما وصاحب الدخل المنخفض والمقيم في ضاحية دوار هيشر التونسية، بيته وعائلته للقتال في حرب خارجية.

«لقد قال لوالدي إنه حصل على عقد عمل فجأة ولفترة قصيرة في ليبيا»، هكذا قالت ابنة عمه «أ. م» وهي تحتسي القهوة مع صديقتها في متجر صغير تعمل فيه. لكن ليبيا لم تكن المقصد الحقيقي لـ«وليد»، ولكنها كانت مجرد محطة على الطريق توصله لمقاتلين في تنظيم «الدولة الإسلامية»، ذلك التنظيم الذي أنشأ عدة معاقل له في البلاد. لقد كانت محطة «وليد» النهائية هي سوريا.

وليس «وليد» هو الشخص الوحيد. فوفقا لمصادر في وزارة الداخلية والأمن الخاص التونسية، انضم ما يقرب من ثلاثة آلاف تونسي إلى الحرب في سوريا، غالبيتهم خرج للوقوف في الجبهة المضادة للرئيس «بشار الأسد». وتشير مجموعة «صوفان»، شركة استشارات أمنية، أن هذا العدد غير متناسب بشكل صارخ مع بلد يبلغ تعداد سكانه حوالي 11 مليون نسمة، وأضافت أن تونس قد ساهمت بعدد أكبر من المقاتلين الذين انضموا للدولة الإسلامية أكثر من المملكة العربية السعودية وتركيا. وقد يبدو من المستغرب أن قصة نجاح الديمقراطية الوحيدة في الربيع العربي قد أنتجت المزيد من المتطرفين.

وفي الواقع، فإن التحول الديمقراطي الهش في البلاد قد يكون هو السبب الرئيسي. ورغم أنها دولة خالية من الاستبداد والقبضة الحديدية، إلا أنها ليست قوية أو متقدمة بما يكفي لتقديم حياة أفضل لمواطنيها، وأصبحت تونس أراضي خصبة للمجندين المتطرفين، كما تبين من الهجوم «الإرهابي» الدموي هذا الأسبوع في وسط تونس، والذي أعلنت «الدولة الإسلامية» مسؤوليتها عنه.

وانتهج «وليد» التطرف في أحد مساجد الحي الذي يسكن فيه، بحسب قول «أ. م» وصديقتها، اللتين تذكرتا اليوم الذي توقف فيه عن تحية النساء. وقالت الصديقتان إنهما ارتابا في أمره، كما يعتقدا بأن أحد عناصر «أنصار الشريعة»، جماعة سلفية متطرفة، استغلت هشاشة الانتقال السياسي في البلاد، قام بتجنيده. ومكنت العملية الأمنية الهشة في تونس ما بعد الثورة بجانب توسيع حرية الدين والتعبير، بعد سنوات من العلمنة القسرية، «أنصار الشريعة» من تكوين دوائر صغيرة خاصة بها عكفت على تعبئة الأفراد على يد سلفيين أصوليين.

ونمت المجموعة بسرعة في دوار هيشر. «قام بعض التلاميذ بترك المدارس للانضمام إلى أنصار الشريعة»، بحسب «سونيا» مدرسة اللغة الإنجليزية البالغة من العمر 42 عاما في مدرسة «خالد بن الوليد» التي تبعد بضع مئات الأمتار من مسجد النور، أحد المساجد الكثيرة التي سيطرت عليها الجماعة السلفية عقب الثورة.

وقال الطالب بالمدرسة «م. ح»: «لقد حاول السلفيون إقناعي عدة مرات. قالوا لي: إذا ذهبت إلى سوريا يمكنك أن تدخل معك 70 من أفراد عائلتك الجنة، بعض الطلاب المتفوقين في المدرسة ارتدوا الزي السلفي التقليدي. لقد أخبروني أيضا بأن الجهاد فرض عين».

وتم تصنيف «أنصار الشريعة» منظمة إرهابية من قبل الحكومة التونسية في أغسطس/آب 2013، وكانت هناك مواجهات مع قوات الأمن في دوار هيشر منذ قيام الثورة. ولكن هذا لم يمنع عناصر المنظمة من القيام بأعمالهم، ويعتقد السكان المحليون أن ما لا يقل عن 40 من شباب المنطقة غادروا للقتال في سوريا. وأبقى «زين العابدين بن علي»، ديكتاتور تونس ما قبل الثورة،غطاء محكما على الإسلاميين؛ فقد وضع العديد من المساجد تحت رقابة الحكومة، وزج بـ«المتطرفين» في السجن. ولكن بعد الثورة، تم إطلاق سراح حوالي ألفين منهم، حيث تعلق «أ. م» بأن المجندين جاءوا من بين صفوفهم.

ولا يزال هذا الحي متوترًا حتى اليوم. «إذا كنت تشكك في الإسلام، فأنت لست من المسلمين من وجهة نظر السلفيين»، بحسب «سونيا» التي أعلنت أنها تخاف أن تتحداهم علنا. وتعرضت المدرسة التي تعمل بها «سونيا» لضغوط من «أنصار الشريعة»، ولكن الحكومة تقف عاجزة عن المقاومة. زوج «سونيا»، وهو أيضا معلم، حضر ما يقرب من مائة سلفي إلى المدرسة لتخويفه وتهديده لأنه كان قد طلب من امرأة منتقبة مغادرة الفصول الدراسية. ولحسن حظه جاءت الشرطة هذه المرة. ومنذ ذلك الحين تطلب المدرسة حماية إضافية من الشرطة ولكن دون جدوى. وتضيف «سونيا»: «تقول الشرطة إننا نطلب أكثر من اللازم». وفي الوقت نفسه؛ فإن نفوذ المتطرفين لم يختف. وقالت إنه يمكنها أحيانا سماع الطلاب من الشباب الذكور يتحدثون عن «الدولة الإسلامية»، وتهمس «سونيا»: «إنهم يقولون إنهم أقوياء».

ولم تجدِ الثقافة السياسية غير الناضجة في تونس ما بعد الثورة. فلبعض الوقت، شجع بعض أعضاء حزب النهضة، الحزب الإسلامي المعتدل الذي جاء إلى السلطة في أول انتخابات ديمقراطية في تونس، علنا المؤيدين للسفر إلى سوريا لمحاربة «الأسد». وبعد ظهور «أنصار الشريعة» بشكل جدي، جادلت المعارضة بأن حزب النهضة قد غض الطرف عن نمو المجموعة على أمل الفوز بالأصوات السلفية.

واعترفت النائبة بمجلس نواب الشعب عن حركة النهضة «السيدة الونيسي» أن «النهضة لم يدرك حقا وزن هذه المشكلة في البداية». (في أعقاب الهجوم الإرهابي هذا الأسبوع، أصدر حزب النهضة بسرعة بيانات إدانة خلت من أي تحفظ). ومن الناحية التاريخية، تمت محاربة الإسلام الراديكالي في تونس بقمع شديد للحريات المدنية، وبعض السياسيين أنفسهم كانوا عرضة للقمع في عهد «بن علي»، «لقد كان هناك خوف أيضا من أن تهميش السلفيين يمكن أن يؤدي إلى العنف»، بحسب النائبة البرلمانية.

وتؤكد «سونيا»، مدرسة اللغة الإنجليزية، أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية مثل البطالة والفقر جعلت الناس لقمة سائغة للأفراد المنتشرين بهدف تجنيد عناصر جديدة. وإجمالا يمكن أن نقول أن مثل هذه الظروف هي التي دفعت البائع المتجول «محمد البوعزيزي» أن يشعل النار في نفسه في عام 2010، مشعلا معه شرارة الربيع العربي الأولى. ولقد تعمقت هذه المشاكل منذ قيام الثورة. وفي أجزاء مهمشة من البلاد مثل محافظات القصرين وسيدي بوزيد، نقاط انطلاق الثورة، ينتشر اليأس على نطاق واسع.

«يكمن الخطر في أن الشباب هنا تحول لدعم الإرهاب بسبب الفقر»، بحسب «محمد إبراهيمي»، الذي قام بعمل وثائقي قصير عن الإرهاب يجادل بأن الجماعات المتطرفة تجذب الشباب من خلال منحهم مبالغ كبيرة من المال. ويدعم حجته بمصدر غير متوقع. حيث يقول عضو مجهول من حزب «التحرير» السلفي أن ظلم النظام العلماني الحالي يدفع العديد من الشباب التونسيين للانضمام إلى الجهاد في سوريا والعراق. وأضاف «إنهم يذهبون للبحث عن بدائل من شأنها الحفاظ على كرامتهم». وتوفر «الثورة الإسلامية في سوريا»، بحسب وصفه، متنفسا لهذه المشاعر.

ولا تريد المدونة والناشطة الشابة «آية الشابي» أن تعطي العامل الاقتصادي الاجتماعي الكثير من الوزن. واستشهدت بابن عمها، طالب شاب غير ملتزم دينيا،يعود لعائلة من الطبقة المتوسطة سلك هو الآخر أيضا طريق التطرف. «لقد حدث كل شيء بسرعة شديدة»، هكذا وصفت حال ابن عمها، مشيرة إن الأمر لم يستغرق سوى ثلاثة أشهر فقط قبل أن يقرر الذهاب إلى سوريا.

وأضافت «الشابي»: «لقد بدأ الذهاب إلى المسجد وارتداء الملابس السلفية ورفض أن يصافح يدي». وقالت إنها تعتقد أن أحد المجندين نجح في استمالته، ولحسن الحظ تدخلت عائلته في الوقت المناسب وأخذته إلى أحد مزارعها لعزله عن تلك البيئة الخطرة. لقد نجحوا في قطع الطريق على ذهابه إلى سوريا، على حسب وصفها.

أهم دور للشخص الذي يقوم بالتجنيد هو إقناع من يستهدفهم بأنه يمكنهم تحقيق شيء أكبر وأفضل في حياتهم، بحسب ما ذكره الطبيب النفسي الذي يعمل في مجال الطب الشرعي «جون هورغان»، مؤلف كتاب سيكولوجية الإرهاب. وفي الوقت الراهن، يمكن لشبكة الإنترنت ووسائل الإعلام الاجتماعية أن تكون الطريقة الأكثر فعالية لفتح تواصل مع الشباب الذي يتأثر بسرعة، وأصبحت «الدولة الإسلامية» بارعة في تجنيد مستخدمي تلك الوسائل.

«فيس بوك يدمر جيل الشباب، والآباء لا يعرفون شيئا عن ذلك»، هكذا تحسر «إبراهيمي». صبي يبلغ من العمر 17 عاما في القصرين شرح له كيف أن الراديكاليين وصلوا إليه عن طريق الإنترنت. يبدأ الأمر تدريجيا عن طريق الوعظ والنصح وأشرطة الفيديو الدعائية وآيات من القرآن الكريم، ثم يسألون أسئلة حول الجيش، وأماكن تمركز الشرطة، وطبيعة الأمن من مكان إلى مكان. وربما يبدأ شباب من الطبقة المتوسطة في البحث بأنفسهم عن طريقة للالتحاق. ويرى «هورغان» أن «الفرص التي تلوح اليوم للأفراد المسؤولين عن التجنيد داخل صفوف تلك الحركات الإرهابية فريدة من نوعها. إنها أكبر من أي فرص أخرى في أي وقت مضى في تاريخ الإرهاب».

وسوف تناضل تونس في الأشهر والسنوات القادمة من أجل إحراز تقدم في مجال الديمقراطية. ومع ذلك، فإن التحدي الذي يمثله المتطرفون الذي لا يرحمون، والذين هم على استعداد لاستغلال أي ضعف، سيبقى شبه مؤكد.

المصدر | كريستين بيتري- فورين بوليسي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد