تحولت مهام السلطات المصرية، في السنوات الأخيرة، من حاضنة للأساتذة الأجانب والطلاب من دارسي الماجيستير والدكتوراه، عبر ترك هامش لهم للحركة، أو مساحة للنقد خلال مؤتمرات في جامعات مصرية، أو حتى آراء منشورة في أوراق بحثية؛ إلى سجن لأغلبهم، بل وصل ببعضهم للموت، كحال الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، طالب الدكتوراه في الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

هذا الهامش كان مسموحًا به في ظل سنوات حُكم الرئيس المخلوع، محمد حسني مُبارك، والذي انعكس في زيادة عدد الطلاب وبرامج التبادل بين الجامعات الأجنبية والحكومية في مصر، وإتاحة التسهيلات الأمنية المطلوبة لهم في بحوثهم، قبل أن ينعدم هذا الهامش، مدفوعًا بالتعامل معهم بوصفهم «جواسيس» يشكلون خطرًا على الأمن القومي.

في التقرير التالي نحاول التعرف إلى أبرز الوقائع المُثبتة التي حولت القاهرة إلى«سجن» للطلاب الأجانب، في ظل انتهاء مصائرهم بين السجن بتهم «التخابر على أمن مصر القومي»، والترحيل خارج البلاد، أو المنع من دخولها كما حدث مع عشرات من بينهم، أو حتى القتل.

طمعًا في غاز مصر؟ لهذه الأسباب أزالت إيطاليا أهم لافتة لريجيني

«طلاب ولكن جواسيس»..

بات استدعاء تُهم «التخابر» و«الجاسوسية» من جانب السلطات المصرية للأجانب أمرًا معتادًا في السنوات الخمس الأخيرة، ليصير أي مواطن تنطبع على وجهه سمات المواطن الأوروبي عرضة لمواجهة هذه القائمة من التُهم، التي تنتهي بصاحبها، في الأغلب إلى السجن، والترحيل بعد ذلك، وأحيانًا إلى الموت كما حدث في حالة جوليو ريجيني، طالب الدكتوراه في «جامعة كمبريدج» البريطانية.

ويزيد هذا الاشتباه في حالة الأجانب العاملين في البحث أو التدريس؛ خصوصًا هؤلاء الذين تدور بحوثهم حول قضايا في الشأن العام؛ وهو ما أدى لتعرض أعداد أكبر منهم للسجن والترحيل، والتي كان آخرها من أسبوعين، حين اعتقلت الشرطة المصرية طالبين من «جامعة أدنبرة» البريطانية، ضمن حملة اعتقال عشوائية طالت نحو 2900 مواطن مصري، على خلفية التظاهرات التي خرجت تطالب بإصلاحات سياسية واقتصادية.

أفراد من قوات الأمن المصرية منتشرة بطول أحد الجدران

وكان اعتقال الطالبين ذا وقع كبير على «جامعة أدنبرة»؛ إذ تحركت الأخيرة لتنجح في إطلاق سراحهم، وتبعها قرار رسمي من إدارة الجامعة بمغادرة جميع طلابها التسعة، الذين يدرسون في القاهرة، والعودة إلى بلدهم، وبررت ذلك بأن «لديها مخاوف بشأن سلامتهم».

سبق هذه الحادثة، وقائع تتشابه خلفياتها، وتشترك جميعها في نوعية الاتهامات الموجهة للطلاب والباحثين الأجانب بوصفهم «جواسيس». من بينهم حالة وليد الشوبكي، طالب الدكتوراه في «جامعة واشنطن» الأمريكية، الذي تعرض للاختفاء في مايو (أيار) العام الماضي، قبل أن يظهر في نيابة أمن الدولة، ويُجدد له الحبس 15 يومًا، بعد التحقيق معه دون حضور محام.

كان هدف زيارة الشوبكي لمصر هو إجراء بحث ميداني حول دور القضاء في التغيرات السياسية في مصر في السنوات الأخيرة، تحضيرًا لأطروحته عن استقلال القضاء، قبل أن يلقى القبض عليه، ويُصبح متهمًا بنشر الأخبار الكاذبة والانضمام لجماعة إرهابية. الشوبكي ظل ستة شهور قيد الحبس؛ قبل أن تخلي السلطات سبيله في ضوء الضغوط الدولية. اللافت في قضية الشوبكي، أنه التقي مستشارين ومسؤولين في الدولة ضمن مشروعه البحثي؛ غير أن ذلك لم يحل دون إدراجه في قائمة المروجين للأخبار المغلوطة.

واقعة أخرى بطلها هذه المرة كانت فاني أوييه، طالبة ماجستير في كلية «دراسات العلوم الاجتماعية المتقدمة (EHESS)» بفرنسا، التي تعرضت للقبض خلال عملها الميداني ببحث حول تحليل أنماط النشاط السياسي للشباب في مصر بعد أحداث 30 يونيو (حزيران) 2013، وتحديدًا في محافظة دمياط؛ قبل أن يلقي القبض عليها 10 رجال أمن في الثالثة صباحًا، ويقتادوها إلى قسم الشرطة.

وتروي فاني أوييه شهادتها، في دراسة منشورة في «مركز حرية الفكر والتعبير»، بعنوان «مشتبه بهم.. عن ملاحقة الأجهزة الأمنية للباحثين الأجانب في مصر»، وقالت: «خشيت أن أتحدث معهم بالعربية، حتى لا يعتقدوا أني جاسوسة، ومن ثم قاموا بترحيلي.. عندما قرأت عن حادثة جوليو ريجينى بعد سبعة شهور من ترحيلي من مصر، شعرت أنني أكثر من محظوظة».

أما الواقعة الأبرز بين عشرات حالات الاحتجاز لباحثين أجانب، فكانت واقعة الشاب الإيطالي جوليو ريجيني، طالب الدكتوراه في «جامعة كامبردج» البريطانية، الذي عُثر عليه مقتولًا وعلى جثته آثار تعذيب في فبراير (شباط) 2016، في منطقة صحراوية بمدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة. وأعلن الجانب الإيطالي المعني بالتحقيق، قائمة تضمّ 26 اسمًا عدهم متهمين بقتل ريجيني، قبل أن يستبعدوا منها أسماء سياسيين وأشخاص تابعين لجهات سياسية تنفيذية؛ فيما انحصرت مسؤولية بعض المتهمين في القائمة الإيطالية على معرفتهم بالجريمة، بحكم المناصب الرسمية.

مؤخرًا، باتت السلطات المصرية تستبق وضع المعوقات أمام الباحثين الأجانب الراغبين في الدخول إلى مصر، عبر وضع قيود على الحصول على تأشيرات ﻷغراض البحث العلمى، إذ تمتنع السفارات المصرية في أوروبا غالبًا عن منح تأشيرات للباحثين بغرض إجراء بحوثهم في مصر، ما يضطر معه الباحثون إلى الحصول على تأشيرة سياحية ليتمكنوا من دخول مصر وإجراء هذه البحوث.

زائرون أو أساتذة.. الأجانب ممنوعون في الجامعات المصرية

امتدت القيود كذلك إلى الأساتذة الأجانب العاملين في الأغلب بالجامعة الأمريكية في القاهرة، عبر سلسلة قرارات بالمنع من دخول البلاد، في ضوء تقييم لمواقفهم السياسية، ومراجعة للمقالات التي ينشرونها عن مصر.

من بين أبرز هذه الحالات إيمي أوستن هوليماز، والتي عملت مساعد ورئيس وحدة علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والتي مُنعت من العودة لمصر، بعد كتاباتها الناقدة لمصر بعد عام 2013، وتحديدًا مقالها حول النوبة والتهميش الذي يواجهه أهلها على إثر السياسات الحكومية، في صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، والذي جاء تحت عنوان «النوبة غارقة بقرار جمهوري: أوضاع الأقلية الأفريقية في مصر»، بحسب مصدرين في القسم بالجامعة تحدثا لـ«ساسة بوست» حول أسباب رحيل هوليماز.

الفناء الداخلي لمبني الجامعة الأمريكية في شرق القاهرة

تنضم للحالة السابقة واقعة مماثلة، هو شون مكماهان، المدرس بقسم العلوم السياسية في الجامعة، ذو الهوى اليساري، الذي كان لمواقفه شديدة النقد الدائم للسلطات المصرية تبعات على منع التجديد له من جانب الهيئة الإدارية غير المخولة بهذه المهمة، وذلك دون مشاورة مع أعضاء هيئة التدريس أو مجلس الشورى، أو رئيسة القسم. وقد حرك مكماهن دعوى قضائية ضد الجامعة في المحاكم الأمريكية، بحسب مصادر خاصة تحدثت لـ«ساسة بوست».

ولعل أحد انعكاسات هذه الحملات الأمنية التي طالت عشرات الباحثين الأجانب، هو انخفاض أعدادهم في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، إذ قال إيهاب عبد الرحمن، الرئيس الأكاديمي للجامعة، في تصريحات سابقة له، أن هدفه هو التوسع فى زيادة عدد البرامج المُشتركة مع الجامعات الأجنبية فى الخارج؛ لاستقطاب أعداد أكبر من الاكاديمين الأجانب للعمل فى الجامعة الامريكية بالقاهرة، خصوصًا بعد رحيل أعداد كبيرة منهم في ضوء الظروف السياسية غير المستقرة التي مرت بها مصر.

غير أن مسؤولًا إداريًّا رفيع المستوى في الجامعة الأمريكية بالقاهرة دافع عن القرارات السابقة، من منظور له علاقة بالواقع الحالي الذي تعيشه مصر، ولا تنفصل عنه الجامعة. ويقول في اتصال هاتفي لـ«ساسة بوست» إن: «التجديد لريتشارد دوني السفير الأمريكي السابق في القاهرة رئيسًا للجامعة، من جانب مجلس الأوصياء، خلافًا لما هو متبع في أن يكون أكاديمي في هذا المنصب، أمر له علاقة بإدراك المجلس ظروف مصر السياسية».

ويشرح ذلك بالقول: «سفير لديه علاقات مع الأجهزة الأمنية، ويتمتع بنفوذ كبيرة وهيبة؛ بوصفه سفيرًا سابقًا لأمريكا في مصر لسنوات طويلة؛ وهي كُلها مؤهلات تجعله يتصدي لكثير من القضايا غير المعروفة إعلاميًّا، ولولا وجوده لصارت الجامعة كحال الجامعات الحكومية».

يكمل: «صحيح أن هناك الكثير من المواقف لم يستطع أن يفعل فيها شيئًا، كحال الأكادييمين الأجانب الذين تم ترحيلهم، أو اضطر لإنهاء فترات عملهم؛ غير أنه في المقابل نجح في ضوء هذا «الهلع الأمني» أن يُجنب الجامعة مسار كُل الجهات في مصر، وعلى رأسها التمسك بمنع وجود أفراد للشرطة داخل الجامعة، كما طالبت السلطات أكثر من مرة، وتحايل على ذلك بالتعاقد مع شركة أمنية خاصة».

قضية آخر تصدى لها دوني هي واقعة الطالب الذي أزاح صورة السيسي التي كانت مثبتة على جدران الجامعة في فنائها الداخلي وقطعها، إذ نجح في رفض طلب «الأمن الوطني» التحقيق معه؛ ورضخ الأمن له في النهاية».

وكثير من الأساتذة المصريين المُعينين في الجامعة ذوي ميول نقدية للنظام الحالي، ولهم آراء يجهرون بها على وسائل التواصل الاجتماعي ضد السيسي بشكل شخصي، أو في المحاضرات؛ ومع ذلك فهم مستمرون، ولم يتعرض لهم أحد. يختتم المسؤول الذي يُعد من الدائرة المُقربة لدوني في الجامعة حديثه مع «ساسة بوست»: «لازم يبقوا مُدركين أنهم عايشين في مصر؛ قبل ما يتكلموا عن الحريات الأكاديمية».

وتجدر الإشارة إلى أن قائمة حظر الأساتذة الأجانب من الدخول إلى مصر، تحظر دخولهم زائرين أو مُحاضرين في الجامعات الحكومية المصرية.

وكتب مصطفي كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، في شهادة منشورة في صحيفة «الشروق» المصرية، قائلًا: «القاعدة الجديدة أنه لا يمكن لهم الالتقاء بشخصيات أجنبية سواء من أساتذة الجامعات أو الصحفيين قبل الحصول على موافقة الأجهزة الأمنية في الجامعات، وإذا كان الأستاذ الأجنبي لا يعيش في مصر، فإنه يجب تقديم طلب اللقاء قبل حضوره إلى مصر بشهرين. أما إذا كان مقيمًا في مصر، فيكتفي بتقديم الطلب قبلها بشهر».

ويضيف: «لقد زرت ودرست في جامعات عديدة في الولايات المتحدة، وأوروبا، وآسيا، ودول عربية، ولم أعرف فيها قيودًا مماثلة. بل الأكثر من ذلك لقد دعوت بنفسي ودعا زملائي شخصيات جامعية شهيرة للمحاضرة في كلية الاقتصاد في عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، دون تطلب مثل هذه الموافقات».

ولذلك لن تفتح الجامعات الأجنبية فروعًا لها

تروج الحكومة المصرية، في العامين الأخيرين، خططًا طموحة لافتتاح فروع لجامعات أجنبية في مصر، كما أعلن خالد عبد الغفار، وزير التعليم العالي المصري، في فبراير الماضي، عن افتتاح ثمانية فروع لجامعات خارج مصر، بحلول عام 2020. غير أن خطط الترويج، والتصريحات الاحتفائية تصطدم بواقع صعب، يظهر صداه سريعًا في هذه الجامعات الأم، التي سرعان ما تتراجع عن هذه الخطط وتنسحب، وتضطر لنفي ما يذكره الجانب المصري، استجابة لضغوط الأكاديميين.

المقر الرئيسي لكلية لندن للاقتصاد في العاصمة البريطانية

حدث ذلك الأمر في يونيو العام الماضي، حين خرج وزير التعليم العالي بتصريحات احتفائية، عقب لقاء مع رئيسة «جامعة ليفربول»، مُبشرًا «بقرب إنشاء فرع لجامعة ليفربول في مصر، بالإضافة لزيارات متبادلة خلال اليومين القادمين بين وفد من الجامعات البريطانية والجامعات المصرية».

لم تمض شهور معدودة على هذا الإعلان، حتى احتجت أوساط أكاديمية في «ليفربول» ومنظمات حقوقية على هذه الخطوة، في ضوء الانتهاكات المستمرة في مصر؛ لتقرر الجامعة في ضوء ذلك إلغاء خططها.

ففي أكتوبر الماضي (تشرين الأول)، أعلنت الجامعة الإنجليزية إلغائها خططًا لافتتاح فرع جامعي لها في مصر، بعدما انتهى إجراء تحليلٍ أوّلي، نفذته لجنتها الإنمائية الدولية، إلى أن المخاطر المتأتّية عن فتح فرع لها في مصر، سيكون سببًا في «تعرُّض سمعتها للضرر»، وهو أكبر من أي منافع مالية يمكن تحقيقها.

وتكررت هذه الواقعة من جديد مع «كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية»، إذ انتشر خبر في كافة الصحف المصرية، بتاريخ سبتمبر (أيلول) العام الجاري، بتوقيع السفارة المصرية في لندن، اتفاقية مع «كلية لندن للاقتصاد (London school of economics)»؛ لإنشاء فرع للجامعة في العاصمة الإدارية الجديدة، بحضور السفير المصري في بريطانيا ووزير الخارجية.

وتبعها تصريحات متباهية بقدرة مصر على استقطاب هذه الجامعات، كالتي ذكرها ناصر كامل، سفير في لندن، :«أن مصر لديها القدرة على جذب أكبر الجامعات، مؤكدًا أن هذه الخطوة ستنعكس على جودة التعليم في مصر، وتتماشى مع خطة الدولة في تعزيز قطاع التعليم».

لم يمض على حالة التباهي المسيطرة على مسؤولي مصر أيام معدودة؛ حتى خرجت الجامعة الإنجليزية ببيان رسمي، إثر مهاجتمها من جانب أصوات أكاديمية غربية وبريطانية على قرار افتتاح فرع لها بمصر، ونفت خلاله  هذه الأخبار، وأكدت أن التبادل سيكون في بعض البرامج فقط، دون أن يتضمن تأسيس فرع.

هل تلِد الجامعة الأمريكية في مصر ولبنان الطغاة العرب؟

المصادر

تحميل المزيد