لا تصدق كثيرًا صرخات الرجل ذي الشعر الأصفر والمظهر الفوضوي، إنها مُجرّد شعارات ديماغوجية ليجذب بها أشباهه حوله، فهذا الذي يُهاجم مرارًا وتكرارًا المسلمين والعرب ومجمل المهاجرين إلى بلاده الولايات المتحدة الأمريكية، كان لغير الأمريكيين وللمهاجرين فضل كبير عليه، في ملياراته التي يُديرها عبر عشرات الشركات حول العالم، وفي إدارته للبيت الأبيض، والمثير في وجوده بالحياة.

رغم صيحاته الإقصائية المتكررة، والتي كان آخرها قرار حظر دخول اللاجئين للولايات المتحدة الأمريكية حتى إشعار آخر، وإيقاف إصدار التأشيرات لثلاثة أشهر لمواطنين أو ذوي أصول ست دول مسلمة، هي: إيران والعراق واليمن وليبيا والسودان والصومال، وهو القرار المعنون بـ«حماية الأمة من دخول الإرهابيين إلى الولايات المتحدة»؛ رغم ذلك يرتبط الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب بالمهاجرين ارتباطًا وُجوديًّا، فوالدته أجنبية، وزوجتان من بين ثلاث تزوجهن لم تكونا أمريكيتين.

أما فيها يخص عالم المال والأعمال، فيعتمد ترامب بشكل كبير على استقدام العمالة الأجنبية للولايات المتحدة للعمل في شركاته، كما يعتمد على العديد من الوكلاء المعتمدين لشركاته من أعراق مُختلفة، فضلًا عن شراكاته مع مستثمرين أجانب، من بينهم عرب ومسلمون (لم يُدرج أي من الدول التي لها استثمارات فيها ضمن قائمة الحظر)، وبعضهم أنقذه من الإفلاس، كما أنه استعان بعدد من الشخصيات المنحدرة من أصول غير أمريكية، وبعضهم له أصول عربية، ليعملوا مستشارين في حملته الانتخابية، وفي إدارته للبيت الأبيض.

نجل العائلة المهاجرة

فضلًا عن أن معظم مواطني الولايات المتحدة الأمريكية هم مُهاجرون، وليسوا سكانًا أصليين لهذه الأرض، ترامب أيضًا ينتمي لأسرة مُهاجرة، هجرةً حديثةً نسبيًّا، فوالدته ماري آن ماكلويد وُلدت في إسكتلندا عام 1912، وتحمل الجنسية البريطانية، ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة عام 1930، وهناك تزوجت من فريد ترامب، وهو أمريكي لأب ألماني الأصل.

جد ترامب جاء مُهاجرًا من ألمانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1885، وعمل في استخراج الذهب، ثُم اتجه لافتتاح سلسلة فنادق في آلاسكا. يقول ترامب: «كان يُحب هذا البلد، وبعده والدي، وأنا من بعدهما»!

رغم أصوله القريبة غير الأمريكية كما يتضح، يُوحي خطاب ترامب الإقصائي والمناهض للمهاجرين أنه قد وُلد لأب وأم من أصول أمريكية خالصة، ربما يتضح ذلك جليًّا في إحدى خطبه الانتخابية العام الماضي، حين قال: «عليك أن تكون حذرًا، عليك أن تكون ذكيًّا وحاد الطباع، وإلا هناك حوالي 11 مليون مهاجر سيأخذون وظائفكم».

تزوج ترامب ثلاث مرات، مرتين من سيدتين من أصول غير أمريكية، من بينهما زوجته الأخيرة التي هي السيدة الأولى حاليًا للولايات المتحدة، ميلانيا ترامب. الزواج الأول لترامب كان من سيدة الأعمال، وعارضة الأزياء السابقة إيفانا ماري ترامب، والتي وُلدت في تشيكوسلوفاكيا عام 1949، وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي انتقلت إلى الولايات المتحدة لتلتقي بترامب في نيويورك ويتزوجا عام 1977، وأنجبت له ثلاثة أبناء هم: دونالد ترامب الصغير، وإيفانكا ترامب، وإيريك فريدريك. وظلت إيفانا في الولايات المتحدة تعمل في مؤسسات وشركات ترامب إلى أن حصلت على الجنسية الأمريكية عام 1988، قبل أن ينفصلا عام 1992 بسبب إحدى علاقاته الغرامية.

زواجه الثاني كان من الممثلة الأمريكية مارلا مابلز، وذلك عام 1993، وهي الزوجة الوحيدة لترامب التي تعتبر من أصول أمريكية دون غيرها، واستمر زواجهما ست سنوات إلى أن انفصلا عام 1999. أما زواجه الثالث والمستمر للآن فكان عام 2005 من ميلانيا ترامب اليوغسلافية الأصل، حيث ولدت هناك عام 1970، قبل أن تنتقل إلى إيطاليا عام 1992 للعمل هناك عارضة أزياء، ثُم هاجرت للولايات المتحدة عام 1996.

اقرأ أيضًا: حظر دخول المسلمين.. ترامب يُهدِّد النظام العالمي في عقر داره

يعتمد في شركاته على العمالة الأجنبية

رغم تأكيده مرارًا وتكرارًا على أنه سيخلق فرص عمل للأمريكيين فقط، إلا أن المصلحة الاقتصادية لترامب، وفي المقام الأول، دفعته للاعتماد على العمالة الأجنبية في شركاته داخل الولايات المتحدة، لدرجة أنها تثمل نسبة أكثر من العمالة الأمريكية نفسها، ما يُعطي انطباعًا بالتناقض بين خطابات الرجل وشعاراته مثل «اشتري المنتجات الأمريكية، ووظف الأمريكيين»، وبين ما يُنفذه فعلًا في أعماله الخاصة.

وتُشير الوثائق والبيانات المتاحة إلى توظيف شركات ترامب لعدد كبير من الأجانب؛ بل إن بعض شركاته تشترط في إعلانات طلبات العمل أن يكون المتقدّم أجنبيًّا، وذلك وفقًا لوثيقة نشرتها وزارة العمل الأمريكية، تكشف عن أن إحدى مصانع النبيذ المملوكة لترامب في منطقة شارلوتسفيل بفيرجينيا، قد طلبت تعيين عدد من الموظفين الأجانب بأجر قيمته 10.72 دولار في الساعة، في وظيفةٍ موسمية تبدأ من يناير (كانون الثاني) وحتى نهاية يونيو (حزيران) 2017، كما كشفت شبكة «سي إن إن» عن أن شركات ترامب طلبت نحو 190 تأشيرة عمل أجنبية خلال عام ونصف فقط، في الفترة ما بين يونيو (حزيران) 2015، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2016.

خلال 15 عامًا عيَّن ترامب 1256 عاملًا أجنبيًّا في شركاته.

رغم تعهده خلال حملته الانتخابية بالتضييق على المهاجرين واللاجئين والعمال الأجانب، إلا أنّ ترامب من جهة أُخرى كان قد عيّن خلال 15 عامًا الأخيرة 1256 عاملًا أجنبيًّا في شركاته الخاصة داخل الولايات المتحدة، وللدقة هؤلاء هم الذين تمت الموافقة والتصريح لهم بالعمل داخل الولايات المتحدة، ولربما تم رفض الكثيرين من قبل. وعبر المواقع الرسمية لشركات ترامب، يُمكن اكتشاف أن عددًا من الوكلاء والسماسرة المقترحين من جانب شركاته آسيويون وشرق أوسطيون.

 

ابتكارات لمسلمين وعرب ساهمت في ثراء لترامب

أكثر ما يحب ترامب التباهي به ناطحات السحاب المنتشرة حول العالم حاملة اسمه، أولها ما تملكه ترامب عام 1983، لكن ربما لا يعلم ترامب أن الفضل في تطوّر بناء ناطحات السحاب يعود لـفضل الرحمن خان، الذي بنى أشهر ناطحات السحاب في شيكاغو. وفضل الرحمن خان هو مهندس بنجلاديشي، من المسلمين الذي هاجروا إلى الولايات المتحدة للدراسة، حيث حصل هناك على درجتي الماجستير والدكتوراه، وابتكر ما يُسمّى بـ«الأنبوب المدعوم» و«الأنبوب المُجمّع»، وكلا الاختراعين غيّرا من طريقة التفكير في الهندسة المعمارية، وساهما في خفض كمية الفولاذ المطلوبة لبناء المباني الشاهقة، مع الحفاظ على الثبات والاستقرار المطلوبين لمواجهة الظواهر الطبيعية. تُوفي فضل الرحمن خان عام 1982، وكرمته ولاية شيكاغو بإطلاق اسمه على أحد شوارعها.

ولا يقتصر الأمر على الإنجازات المهمة، فعلى مُستوى الامتاع والرفاهية ثمّة من له فضل على ترامب ممن ينتمي للذين يحظرهم ترامب، ويحاربهم في خطاباته، وبسياساته المُعلنة، إنه السوري إرنست حموي الذي هاجر للولايات المتحدة للعمل في صناعة الزلابية، وذلك عام 1904، وكان جاره يبيع المثلجات، عندما نفذت منه العبوات ففكر حموي في صناعة قرطاس من العجين تُوضع فيها المثلجات، لتنتشر الفكرة كأحد الابتكارات الثورية في صناعة المثلجات. وجه استفادة ترامب من ذلك، أنه من بين ما يتربح منه مُنتج يُسمّى «آيس كريم ترامب»، يُمكن اكتشاف أنواعه المُختلفة غبر موقع برج ترامب.

المهاجرون

مثلجات ترامب

 

لكنه يُحب أثرياء العرب

من الملاحظ عند إصدار ترامب قرار حظر دخول الولايات المتحدة لرعايا بعض الدول العربية والإسلامية، عدم اقترابه من أية دولة له فيها استثمارات. ووفقًا لآخر إقرار مالي لترامب، فإنه يمتلك 144 شركة فردية في 25 دولة منتشرة في كل من آسيا، وإفريقيا، وأمريكا الجنوبية، وأمريكا الشمالية، وأوروبا.

الدول العربية التي يمتلك ترامب فيها استثمارات وفقًا للتقرير، هي: المملكة العربية السعودية، وقطر، والإمارات، ومصر، ودول إسلامية أُخرى كأذربيجان، وتركيا، وإندونيسيا، وجميعها، وغيرها لم ترد في قرار المنع، رغم أن دولة كالسعودية تعتبر من أكثر الدول تصديرًا لـ«المتشددين» المنضوين تحت جماعات مسلحة متطرفة، ورغم قانون»
العدالة ضد رعاة الإرهاب المعروف بـ«جاستا»، الصادر بموافقة الكونجرس الأمريكي في سبتمبر(أيلول) 2016، والذي يمنح أسر ضحايا هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، الحق في المطالبة بتعويضات من الحكومة السعودية.

ويرتبط ترامب بعلاقات قوية بعدد من رجال الأعمال العرب، حتى أن موقع »بيلي بيست« يرى أن الملياردير السعودي الأمير الوليد بن طلال، أنقذ ترامب من أكبر الأزمات التي ألمت به في منتصف التسعينيات، عندما اشترى منه يختًا بمبلغ وصل إلى 18 مليون دولار، واشترى كذلك فندق بلازا نيويورك، أحد أكبر فنادق ترامب بنحو 300 مليون دولار. ووفقًا لنفس الموقع يُشيد ترامب بمالك شركة داماك العقارية، الإماراتي حسين السجواني، الذي وصفه ترامب بـ«الصديق الجيد، والرجل العظيم».

اقرأ أيضًا: لهذا يُحب ترامب السعودية على عكس ما يُشاع

مستشارون عرب وأجانب

بالرغم من الهجوم المستمر من جانب ترامب على المهاجرين، إلا أن الرجل اختار مستشارين من المهاجرين، بعضهم عربي الأصل، على رأس هؤلاء وليد فارس اللبناني الأصل، والذي سافر للولايات المتحدة عام 1990 بعد دخول الجيش السوري الأراضي اللبنانية. وكان وليد أحد قادة القوات اللبنانية، (وهي ميلشيات مسيحية كان لها دور في الحرب الأهلية اللبنانية).

تدرج فارس بشكل سريع في الداخل الأمريكي، حتى أصبح يقدم على أنه «خبير في الإرهاب»، ومدرب في مجتمع الاستخبارات والجيش والأمن الوطني، وله كتابان، أدرجا في مكتبة الكونجرس الأمريكية. كما أنه كان أحد مستشاري ميت رومني، المرشح الجمهوري الأسبق في الانتخابات الأمريكية ضد باراك أوباما.

وهناك أيضًا مصرية في الفريق الانتقالي لترامب، وهي دينا حبيب المسؤولة التنفيذية في مصرف جولدمان ساكس، والعضوة السابقة في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش. ودينا من مواليد القاهرة عام 1973، وهاجرت إلى الولايات المتحدة في سن الرابعة مع أسرتها. وكانت قد شغلت في عهد بوش الابن منصب مساعدة الرئيس لشؤون الموظفين، وهي في الـ29 من عمرها.

وبعيدًا عن العرب، نجد أمريكي إيطالي هو أنثوني سكاراموتشي، الخبير في الاستثمار المصرفي، والذي عرف مستشارًا اقتصاديًّا في الحملة الانتخابية لترامب. ولا يجد سكاراموتشي مشكلة في أن يعرف نفسه دائمًا على أنه أمريكي إيطالي، ودائمًا ما يتحدث عن علاقاته بعائلته في إيطاليا، وعبر حسابه على موقع التدوينات القصيرة تويتر، يُمكن ملاحظة كيف أنه يُتابع أنشطة حياته كرجل إيطالي في المقام الأوّل.

أمّا أبرز الأسماء في فريق ترامب، هو الذي كان يُنافسه من داخل الحزب الجمهوري على الترشح في الانتخابات الأمريكية، قبل أن يُعلن انسحابه وتأييده لترامب، إنه جرّاح الأعصاب بن كارسون، ذو الأصول الإفريقية. وقد رشحه ترامب ليترأس وزارة الإسكان، وفي انتظار موافقة الكونجرس.

المثير للاهتمام، والذي يجعل ترامب رئيسًا لا يتوقعه أحد، هو البيان الذي نشره على موقع حملته الإلكتروني، والذي وصف فيه بن كارسون بأنه «زعامة وطنية متميزة، تغلب على العديد من مشاكل شبابه المضطرب، ليصبح جراح أعصاب مشهورًا. لديه عقل لامع ومولع بدعم المجتمعات والعوائل الموجودة في هذه المجتمعات«.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد