في واحدةٍ من أكثر المناطق الجغرافية اشتعالًا في العالم، يُمثّل الشرق الأوسط الحديث ساحة معارك لا تنتهي أبدًا، والوضعُ حاليًا ازداد ضراوة بوجود ثلاث دول في حالة حروب داخلية (اليمن وسوريا، وليبيا)، إضافة إلى الاضطرابات السياسية التي تعصف بالعراق ولبنان، وهي لا تقل في حجم تأثيراتها عن الانقسام الذي يشهده مجلس التعاون الخليجي منذ أكثر من عام ونصف من جراء حصار قطر، لكنّ تلك الصراعات ترتبط بشكلٍ أو بآخر بالعداء السعودي الإيراني، ورغم أنّ الدولتين تجمعهما كراهية علانية، فإنّ الظروف اقتضت دومًا عدم خوض حرب مباشرة. لكن قصة الحرب الباردة بين إيران والسعودية، والتي أسست لصراع الوكالة في المنطقة، لم تخل من المواجهة المباشرة في بعض الفترات، وهو الفصل المنسي الذي يوضحه التقرير.

حرب الخليج الأولى.. حين نقلت إيران الحرب إلى داخل السعودية

قبل سقوط نظام الشاه؛ كانت السفارة الأمريكية في طهران عمودًا يرتكز عليه الشاه لحفظ سلطانه؛ ولمّا كانت طهران من أهم اللاعبين في الشرق الأوسط لأنها تحفظ مصالح واشنطن، اختارت الولايات المتحدة مدير استخباراتها الأسبق، ريتشارد هيلمز ليكون سفيرها في طهران عام 1973؛ وبحسب ما ذكره هيكل في كتابه «مدافع آية الله»، فالشاه كانت تجمعه زيارة أسبوعيًّا مع السفير الأمريكي، ومع اندلاع الثورة عام 1979، فقدت واشنطن أهم حلفائها في المنطقة، كما انتفضت دول الخلافة الحاكمة في الخليج العربي، وعلى رأسها السعودية بعد سقوط الملكية في إيران.

(حرب الخليج الأولى 1980: 1988)

روّج الخميني بأنّ الثورة جعلت من إيران دولة إسلامية شرعية، ثم دعا الشعوب العربية لإطاحة الملكيات واستبدال الجمهوريات الإسلامية بها، والهجوم أصبح أكثر خصوصية تجاه السعودية، حين أعلنت طهران رسميًّا على لسان قائد ثورتها أن: «أن مكة كانت في أيدي عصابة من الزنادقة، وأنّ الوهابيين مثل الخناجر الذين اخترقوا دائمًا قلب المسلمين من الخلف»، والأمر أصبح أكثر خطورةً حين نشبت الانتفاضة الشيعية في «القُطيف»، شرق السعودية، حيث آبار النفط التي صنعت نفوذ أغنى دولة عربية في مدينة الفقراء الشيعة، والأحداث تزامنت مع استيلاء 200 مُسلح على الحرم المكي بهدف إسقاط النظام.

ونشرت الاستخبارات الأمريكية عام 1980 وثيقة تتهم إيران بمساعدة الجماعات الشيعية للانقلاب على الحكومات في العراق، وأفغانستان، والسعودية، وهو ما دفع السعودية في العام نفسه لخيار المشاركة في الحرب بالوكالة؛ حفاظًا على نظامها الملكي، لذا دعمت العراق لخوض حرب ضد إيران في معركةٍ تسمّت بـ«القادسية»، في رمزية دينية حملت اسم المعركة التي أسقط بها المسلمون الإمبراطورية الفارسية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.

ردت إيران على الدعم السخي الذي قدمته السعودية للعراق والذي بلغ 40 مليار دولار، عبر محاولة نقل المعركة بين إيران والسعودية إلى داخل المملكة عن طريق اغتيال الدبلوماسيين السعوديين في الخارج، وقصف ناقلات النفط السعودية والكويت في الخليج العربي، لتبدأ حرب الناقلات التي أغرقت 40 ناقلة من أصل 250 ناقلة أُصيبت، وهو ما دفع الدول المتضررة التي شعرت بالخسارة إلى الاستغاثة بالجيش الأمريكي التي رابضت قطعه الحربية في مياه الخليج، لكنّ ذلك لم يُثنِ الجمهورية الإسلامية عن التصعيد في حرب إيران والسعودية.

وفي عام 1984، رسمت السعودية في منتصف الخليج العربي خطًّا وهميًّا –الخط فهد- وهددت الرياض بإسقاط أي طائرة معادية تحاول اختراقه، إلا أن إيران أرسلت أربع طائرات من طراز «F 4» لاختراق المجال الجوي السعودي لتنفيذ أهداف في ميناء الدمام الاستراتيجي شرق المملكة، وهو ما أجبر السعودية على الدخول في اشتباك جوي بالاستعانة بطائرتين أمريكيتين من طراز «F 15» والتي مثلت وقتها أقوى مقاتلات سلاح الجو الأمريكي، لتنتهي الجولة الأولى لصالح الطيران السعودي بإسقاط طائرتين، وأصاب الثالثة لكنه فشل في إصابة الرابعة التي حققت أهدافها.

وفي تطورٍ للحرب، دخلت حاملات الطائرات الأمريكية على الخط، فأرسلت إيران مُجددًا 11 طائرة سُرعان ما ظهرت على أجهزة الرادار، وشرعت في اختراق المجال الجوي السعودي، لكنّ تقديرات الموقف دفعت السرب الإيراني للانسحاب؛ خوفًا من الوقوع في مصيدة الطائرات السعودية الأمريكية.

منطقة الشرق

منذ 4 شهور
«الباسيج».. قوات تعبئة الفقراء والمستضعفين التي يخشاها الخليج

صواريخ «رياح الشرق».. صفقة الأسلحة السعودية لقصف إيران

وفي العام الخامس من حرب الخليج الأولى، كان الرئيس العراقي قد أصبح زعيمًا عربيًّا بعدما تصدرت صورته عناوين الصُحف الخليجية تحت عنوان «سلمت يداك يا أبا عُدي»، وفي صدفة نادرة في السياسة حظي «مهيب الركن» على دعم واشنطن، والاتحاد السوفيتي، والصين، وفرنسا، وبريطانيا، وأغلبية الدول العربية، ومنها الكويت التي فتحت موانيها للجيش العراقي، لكن المهتم الأكبر بالحرب كانت الرياض التي ضغطت لإسقاط النظام الإيراني، فبدأت «حرب المدن» بتمويل مباشر من المملكة.

(صاروخ باليستي برأس نووي)

أطلق العراق عشرات الصواريخ على المدن الإيرانية الكبرى، الواقعة في النصف الغربي من إيران، حيث شملت الهجمات الصاروخية والجوّية العراقية، العاصمة الإيرانية طهران، بينما كانت المدن الحدودية القريبة من الجبهات، أهدافًا دائمة، واستخدمت في قصفها الأسلحة المدفعيّة، بينما على الجانب الآخر استهدف الجيش الإيراني العاصمة العراقية بغداد ومدينتي البصرة وكركوك المنتجتين للنفط، وفي تلك الأثناء ظهرت فضيحة «إيران-كونترا»، التي كشفت أنّ واشنطن خذلت صدّام وباعت سرًّا أسلحةً إلى إيران، وهو التهديد الجديد الذي دفع السعودية للتصعيد خوفًا من استهداف الدول الخليجية، ودفع لدخول حلقة جديدة من الصراع بين إيران والسعودية.

قرر الملك السعودي فهد بن بن عبد العزيز سرًّا امتلاك بلاده صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية بهدف الاستعداد لحرب وشيكة ضد إيران، وبدأت السعودية سرًّا في بدء تنفيذ مشروع سرِّي للحصول على صفقة صواريخ باليستية صينية بدون علم الولايات المتحدة؛ استعدادًا للهجوم المضاد، خاصة أنّ الخميني رفض الانسحاب من الحرب.

وفي سرية تامة، وصلت صفقة «رياح الشرق» إلى السعودية، في الوقت الذي أرسلت فيه الرياض ضباطها إلى الصين، وحين عادت القوة المُجهزة للحرب، أسست المملكة لهم مراكز تدريب في الصحراء، ولم يُسمح لأفراد الكتيبة بالعودة إلى منازلهم خوفًا من تسريب المعلومة، وعلى الأرجح كانت الرياض ستزود صواريخها البالستية برؤوس نووية من حليفتها باكستان، واللافت أنّ شبكة «سي إن إن» كشفت مؤخرًا عبر الأقمار الصناعية منشأة سرية في الصحراء، يُعتقد أنها مصنع للصواريخ البالستية شيدته الرياض بمساعدة الصين بعيدًا عن وكالة الاستخبارات الأمريكية.

وفي عام 1988، انتهت حربُ الخليج الأولى بتوقيع إيران مُضطرةً هُدنة «كأس السُمّ» – كما يُسمّونها- لوقف الحرب التي استمرت ثماني سنوات، وخلّفت وراءها نحو مليون قتيل، وأكثر من مليار دولار، كان نصيب العراق منها 561 مليون دولار، ونصف مليون من الدماء، وكانت السياسة الإيرانية وقتها تدخل في عهد رئيسها الإصلاحي هاشمي رفسنجاني، وتقوم على الاعتدال السياسي والنأي عن سياسة المواجهة، كما أنه قاد إعادة العلاقات مع السعودية بزيارته التاريخية للرياض عام 1998.

منطقة الشرق

منذ 5 شهور
«ف. بوليسي»: «استعدوا لأحداث كبرى».. ما مصير الحرس الثوري الإيراني بعد خامنئي؟

صور الخميني في مكة! المواجهة المباشرة بين إيران والسعودية

في الوقت الذي كانت تُخطط فيه السعودية لاستهداف إيران من الداخل، على الأرجح لم تكن طهران بعيدة عن طريقة التفكير نفسها في الصراع بين إيران والسعودية، وفي عام 1986، اكتشفت السعودية بحسبها بالصدفة عددًا من الحجاج الإيرانيين القادمين لمطار جدة يخفون في حقائبهم مادة شديدة الانفجار، وبتعميم التفتيش لكل الركاب الإيرانيين، اكتشفت الشرطة 95 حقيبة مُحمّلة بكمية قدرها 51 كجم من مادة شديدة الانفجار، بحسب الرواية السعودية، واعتقلت المملكة نحو 113 حاجًّا.

(صور الخميني مرفوعة في مكة خلال تظاهرات 1988)

بعد سنواتٍ من الحادثة، قال نجل نائب الخميني، أحمد منتظري، صاحب المشكلات المتعددة مع النظام الإيراني، خلال ظهوره على التليفزيون الإيراني، بأنّ الحرس الثوري دبّر – خلال كره وفره في إطار الصراع بين إيران والسعودية – الحادثة لتفجير الحرم المكي بأوامر مباشرة من آية الله خامنئي – المرشد الحالي- وراوي القصة يكتبُ في مذكراته أنه أرسل رسالة إلى الخميني جاء فيها: « لقد ارتكب الحرس الثوري خطأً غير مقبول أثناء الحج، واستخدم حقائب 100 حاج إيراني، بمن فيهم رجال ونساء مسنون دون علمهم بشكل وضع إيران وثورتها في موقف شديد الحرج»، لكنّ الخميني رد على الرسالة بحسبه قائلًا: «هل توجد أساليب أخرى للقيام بأي عمل ثوري في مكة غير ما حدث؟ هذه الخطط تنجح أحيانًا ولا تنكشف.. لا يعني هذا موافقتي على ما حدث. لكنه أسلوب متبع في الصراعات».

وبعدها بعامٍ واحدٍ، خططت إيران لإفشال موسم الحج ولكنّ بطريقةٍ أخرى؛ فالحجاج الإيرانيون الذين بلغ عددهم وقتها نحو 155 ألف حاج تجمعوا بعد صلاة الجمعة في مظاهرة سياسيةٍ رفعوا فيها صورة زعيمهم آية الله الخميني مُرددين شعار ثورتهم الأثير: «الموتُ لأمريكا، الموتُ لإسرائيل»، لكنّ شرطة مكافحة الشغب السعودية فتحت النار، وانتهت المواجهات بمقتل 402 بينهم 275 حاج إيراني؛ وعلى إثر ذلك الحدث، أغلقت السعودية سفارتها في إيران، لتنهي علاقتها الدبلوماسية معها تمامًا، قبل أن تعود عام 1991.

وبانتهاء حرب الخليج الأولى عام 1988، أوقفت طهران مواجهتها ضد العراق، لكنّ حربها ضد السعودية لم تتوقف، وفي يونيو (تموز) عام 1989، توفي الخميني ليتولى من بعده خامنئي، والذي بحسب الرواية السعودية سُرعان ما أعطى الضوء الأخضر لعملية تفجيرية جديدة بمحيط الحرم المكي خلال موسم الحج الذي شهد انفجارين، طال أحدهما الجسر المجاور للحرم، بينما وقع الثاني في الطريق المؤدي للحرم نفسه، وذلك وفق الرواية السعودية.

ألقت السعودية القبض على 16 مواطنًا كويتيًّا شيعيًّا، وأحالتهم للمحاكمة، ثم أعلنت السعودية انتهاء التحقيقات، أنّ المتهمين تلقوا تعليماتهم من محمد باقر المهدي بحسبها، المرجع الشيعي في الكويت بالتنسيق مع دبلوماسيين إيرانيين في السفارة الإيرانية، وتمثلت العملية وقتها بحسب التحقيقات السعودية في استلام متفجرات من نوع عسكري من الباب الخلفي للسفارة الإيرانية بالكويت، ثم نقلها إلى داخل السعودية، حيث قام المتهمون بزرعها وتفجيرها، وامتنعت الكويت عن إرسال وفد لمتابعة المحاكمة التي انتهت بإعدامهم جميعًا.

منطقة الشرق

منذ 4 شهور
رغم أن خامنئي نجح في إخمادها.. 5 أشياء غيرتها احتجاجات إيران الأخيرة

المصادر

تحميل المزيد