رائحة الدمار والموت تزكّم الأنوف في الشوارع والأزقة التي احتقنت بالجثث والدماء، حرائق هنا، وصرخات هنالك، وتوسلات لا تجد لها آذانًا، وصدمة وانكسار يغشيان ما تبقى من الوجوه في مدينة غدتْ مرتعًا للفناء، بعدما كانت حاضرةَ مُلكٍ، ومَوئِلَ رخاء.

هكذا كانت حال مدينة تونس في صيف عام 1535 شديد الوطأة، بعد الاجتياح الإسباني لواسطة عِقد الساحل الجنوبي للمتوسط، واستباحتها لثلاثة أيام من قِبل جنود الإمبراطور شارل الخامس، الذين لم يتركوا جريمة بحق سكان تونس لم يرتكبوها. حتى الشيوخ والأطفال والحوامل، ومن لجأوا إلى المساجد يطلبون الأمان؛ لم يسلموا من أحد المصائر المشئومة على يد الغزاة الصليبيين المؤتمرين بأوامر أقوى حكام أوروبا آنذاك.

سقط عشرات الآلاف من التوانسة قتلى، وهام أمثالهم على وجوههم محاولين الفرار من أتون الجحيم. وخرِبَت المدينة العامرة في أيامٍ معدودات، وأعاد المحتل الإسباني تنصيب حليفهم، مولاي حسن الحفصي، واليًا على تونس، بعد عامٍ من خلعه من حكم تونس، وضمها إلى حكم الدولة العثمانية على يد القبطان العثماني الشهير خير الدين بربروس، قائد الأسطول العثماني، وحاكم ولاية الجزائر، وأحد أبرز خصوم إسبانيا، قائدة العالم الكاثوليكي آنذاك.

Embed from Getty Images

سيطر الإسبان على المواقع الحيوية على الساحل التونسي، خاصة منطقة حلق الواد، التي تمثل صمام أمان مدينة تونس، وتركوا لمولاي حسن الحُكم الاسمي على ما تبقى من حاضرة ملكه وجوارها القريب، وألزموه بتوقيع اتفاقية مهينة، يعترف فيها بحق إسبانيا في الهيمنة العسكرية المباشرة على ما وضعت يدها عليه من الرقعة التونسية، ويمنح امتيازات تجارية وقضائية وسياسية هائلة للرعايا الإسبان.

كانت فترة مولاي حسن الذي ارتضى العودة إلى عرشٍ ملطخٍ بدماء شعبِه ومدنسٍ ببارود العدو الأجنبي، تعبيرًا عما آلت إليه أحوال الدولة الحفصية من انهيارٍ مروع، بعد أن ظلت تلك الدولة لقرون، سيدة المغرب الأوسط وواحدة من أبرز القوى المتوسطية سياسةً وحربًا واقتصادًا وعمرانا.

انتشرت الاحتفالات في كافة أرجاء أوروبا عندما ذاعت أنباء احتلال جيوش شارل الخامس التي ضمت أكثر من 26 ألفًا من الجنود، جلُّهم من الإسبان والطليان والألمان، لتلك الحاضرة الإسلامية الجديدة، وخلع عليه بابا روما لقب ملك أفريقيا، إذ كانت أوروبا الكاثوليكية متعطشة لأي انتصارٍ ضد الدولة العثمانية التي أصبحت كابوسًا عسكريًا وسياسيًا لقوى أوروبا الكاثوليكية، خاصة في جبهة البحر المتوسط، حيث بدأ البحارة العثمانيون وعلى رأسهم بربروس، حربًا طويلة لتحرير الساحل الجنوبي للبحر المتوسط من طرابلس ليبيا شرقًا، إلى سبتة غربًا، من الاحتلال الصليبي، وخاصة الإسباني.

الصراع على المتوسط

منذ بداية الوجود الإسلامي المهيمن في شبه الجزيرة الأيبيرية بعد فتح الأندلس عام 92هـ – 711م، انحسر الوجود المسيحي إلى المناطق الجبلية النائية في أقصى شمال شبه الجزيرة. ومنذ عام 720م، حيث ثبَّت المسيحيون موقعهم في تلك المعاقل البعيدة بانتصارهم في موقعة كوفادونجا، بدأ عمليًا ما عُرِف بحرب الاسترداد المسيحية، الهادفة لاقتلاع الوجود الإسلامي من الجزيرة.

ستستمر فصول تلك الحرب بين مدٍّ وجزر لأكثر من سبعة قرون. في نصفها الأول تمدّد الوجود المسيحي بصعوبةٍ شديدة جنوبًا نظرًا للقوة النسبية لإمارة قرطبة الأموية، ثم خلافتها، مؤسِّسًا عدة ممالك مسيحية هيمنت على شمال شبه الجزيرة، بينما تعززت الهيمنة الإسلامية في الشرق والوسط والجنوب.

Embed from Getty Images

منذ عصر الفترة الأندلسية الكبرى، وما تلاها من انقسام الأندلس الإسلامية إلى أكثر من 20 دُوَيْلة في عصر ملوك الطوائف في القرن الحادي عشر الميلادي، وتزامن ذلك مع قوة مملكة قشتالة المسيحية خاصة في عصر ألفونسو السادس؛ بدأت حرب الاسترداد تأخذ منحنى صاعدًا. تجلىَّ باحتلال أولى القواعد الأندلسية الكبرى، مدينة طليطلة عام 1085م. لكن أدى استنجاد الأندلسين بدولة المرابطين المغربية القوية، ثم وارثتها دولة الموحدين، وضمهما الأندلس، إلى تباطؤ حرب الاسترداد على مدار قرنٍ ونصف.

مع الضعف الشديد الذي اعترى دولة الموحدين بعد هزيمتها الساحقة أمام الإسبان في موقعة العقاب عام 1212م، شهد النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي فصول الانهيار الواسع للأندلس الإسلامية، فابتلعت موجات الاسترداد المسيحية كافة الحواضر الأندلسية الكبرى، الواحدة تلو الأخرى، باستثناء غرناطة في أقصى الجنوب، حيث تحصَّن بنو الأحمر، وأقاموا مملكة إسلامية صغيرة ظلَّت لقرنيْن ونصف تصارع أشباح الفناء.

عام 1492م، اكتملت حرب الاسترداد في عهد الملكيْن الكاثوليكييْن إيزابيلا، وفرناندو، اللذيْن وحَّدا إسبانيا المسيحية في دولةٍ قويةٍ، ونجحا في الاستيلاء على غرناطة، وإنهاء الكيان الإسلامي تمامًا في الأندلس. تزامن هذا مع بدء اكتشافات العالم الجديد، والتي ضخَّت ثرواتٍ هائلة على الخزانة الإسبانية، ممكنةً الدولة الإسبانية من تجهيز جيوشٍ بريةٍ وبحريةٍ بالغة القوة، جعلت منها قوةً عظمى، في النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي، خاصةً في عهد شارل الخامس، الذي ضمَّ بالحرب والسياسة معظم أقاليم أوروبا الهامة تحت سلطانه؛ إمبراطورًا للإمبراطورية الرومانية المقدّسة برعاية بابا روما.

بدأ الإسبان في تصدير حرب الاسترداد خارج أراضي شبه الجزيرة الأيبيرية منذ القرن الخامس عشر الميلادي، وبدأوا في شن غزواتٍ ضارية ضد المغرب الإسلامي، وغربي أفريقيا. تصاعدت تلك الغزوات في أعقاب سقوط الأندلس، لينجح الإسبان في سنواتٍ معدودات من العقديْن الأوليْن من القرن السادس عشر في الاستيلاء على معظم الساحل الجنوبي للبحر المتوسط من طرابلس ليبيا شرقًا، حتى سبتة المغربية غربَا، واستوطنوا في تلك البلدان الإسلامية، واتخذوا فيها العديد من المواقع الحصينة، وتطلَّعوا مع نظرائهم البرتغاليين إلى ممتلكات دولة المماليك المتداعية، والتي كانت تهيمن على خطوط التجارة بين الشرق والغرب.

شهد عام 1518م، حدثًا فارقًا في مثار الأحداث في البحر المتوسط، فقد أرسل أعيان مدينة الجزائر وفدًا إلى السلطان العثماني سليم الأول، المنتصر لتوّه على دولة المماليك، وضم مصر والشام إلى سلطانه عامي 1516 و1517م؛ يطلبون منه انضمام الجزائر رسميًا بزعامة البحار الشهير خير الدين بربروس – الذي قاوم الإسبان مع أخيه عروج باشا لسنواتٍ، وأنشأ دويلة ساحلية صغيرة في الجزائر – إلى الدولة العثمانية.

تاريخ

منذ 6 شهور
السلطان سليم الأول.. الشاب «الصارم» الذي غيّر تاريخ العالم العربي

من هو السلطان سليم الأول الذي غير تاريخ العالم العربي عبر معركة مرج دابق ومعركة الريدانية بعدما قتل السلطان قانصوه الغوري والسلطان طومان باي.

وافق سليم الأول فورًا، وأمدَ خير الدين بقواتٍ برية وبحرية كبيرة، تمكن من خلالها من ترسيخ دولته الناشئة في الجزائر، والإغارة المستمرة على السواحل الإسبانية والإيطالية.

عام 1534م، ضمَّ خير الدين بربروس مدينة تونس إلى سلطانه، في نقلةٍ إستراتيجية خطيرة في الحرب الضروس بين العثمانيين والأوربيين؛ مما استفزَّ شارل الخامس أقوى ملوك أوروبا للقيام بغزوة صيف 1535م الضارية، والتي صدّرنا بمشاهدها جولتنا التاريخية الحالية، والتي نجح خلالها في احتلال تونس مجدَّدًا، بعد أن استباحها لأيام، وسفك جنوده أرواح عشرات الآلاف من سكانها.

بالرغم من تنصيب الإسبان لحاكم محليٍّ هو مولاي حسن الحفصي واليًا باسمهم على تونس، فإن درة الساحل الجنوبي للبحر المتوسط لم تعرف الاستقرار أبدًأ. لتبدأ دواماتٌ متداخلة من حروب المقاومة، والنزاعات الأهلية، والمعارك الفاصلة الكبرى، بين مختلف أطراف الصراع، والذين يمكن تمييزهم في معسكريْن رئيسيْن.

الأول هو الاحتلال الإسباني وعملاؤه من أنصار مولاي حسن، وقبائل البدو، وحلفائه، مثل دويلة فرسان مالطة الصليبيين. أما الثاني فهم العثمانيون، وكبار رجالهم، مثل البحاريْن: خير الدين بربروس، وتورغوت باشا، واللذيْن التفَّ حولهما آلاف مؤلفة من التوانسة وغيرهم، من التوَّاقين لتحرير تونس، وتطهيرها من الإسبان وأذنابهم.

تونس 1535م – 1566م.. دوامات الصراع الشرس

«كانت البلادُ تعيش حالة عداء شديد للإسبان، فرفض الأهالي الاعتراف بمعاهدة الحماية، وانتفضوا ضد مولاي حسن، والذي لم تتجاوز سلطته مدى المدافع الإسبانية» * نيقولاي إيفانوف، الفتح العثماني للأقطار العربية

حكم سليمان القانوني، أقوى السلاطين العثمانيين على الإطلاق، حتى عام 1566م، أي أن حكومته استمرّت أكثر من 30 عامًا بعد سقوط تونس في قبضة الإسبان، خصم العثمانيين اللدود آنذاك.

لا غرو أن سليمان كرَّس جانبًا بارزًا من القوة العسكرية والسياسية لدولته في سبيل استعادة هذا البلد ذي الموقع الإستراتيجي الفريد، الذي يتوسط البحر المتوسط، ويهدد معاقل الكاثوليكية في جنوب أوروبا، خاصة في شبه الجزيرة الإيطالية.

تلقَّى خير الدين بربروس دعمًا عسكريًا كبيرًا، خاصة في القوة البحرية، مما مكَّنه – وقد أصبح القائد العام للأسطول العثماني إلى جانب ولاية الجزائر – من تحقيق انتصار بحريٍ هائل ضد الإسبان وحلفائهم في موقعة بريفيزا شرق البحر المتوسط عام 1538م، مما قوَّى الموقف العسكري العثماني كثيرًا في جبهة المتوسط المشتعلة.

تزامن هذا الانتصار البحري، مع تصاعد المقاومة المنظَّمة والعشوائية ضد الإسبان وحلفائهم في الداخل التونسي في السنوات القليلة التي تلت عام 1535م. خرجت القيروان عن حكم مولاي حسن، وسيطر عليها الثائر مولاي عرفة، والذي تمكن بالتحالف مع البحار العثماني تورغوت باشا من صد أربع حملات كبرى شنَّها ضده مولاي حسن والإسبان بين عاميْ 1535م و1540م.

لكن الإسبان نجحوا عام 1540م في أسر تورغوت باشا بعد إحدى المعارك، ليظل في محبسهم سنوات. أحدث هذا هزّة عميقة في جهود النضال ضد الإسبان، الذين انتهزوا الفرصة واستولوا على مدنٍ تونسية أخرى، مثل صفاقس وسوسة، لكن سرعان ما دفعتهم ثورات السكان إلى الانسحاب من أكثر تلك المواقع في الأعوام التالية.

عام 1541م أراد شارل الخامس توجيه ضربةٍ قاضية إلى الوجود العثماني، والمقاومة الإسلامية في شمال أفريقيا، فشنَّ هجمة كبرى ضد مدينة الجزائر، أقوى المعاقل المعادية له جنوب المتوسط؛ لكن باءت تلك الحملة بفشلٍ ذريع عندما اجتمع عليها الأحوال الجوية السيئة، والمقاومة الجزائرية الباسلة.

«لا أستطيع البقاء في تونس ساعة واحدة إذا رفض عظمته مساعدتي».

*ملك تونس مولاي حسن، في رسالةٍ عام 1536م، مستعطفًا فيها شارل الخامس لإمداده بالمزيد من القوات ليتمكن من إخضاع تونس

بعد هزيمة الإمبراطور شارل تحت أسوار الجزائر، شعر مولاي حسن بحرج موقفه كثيرًا، وتصاعد المعارضة ضد حكمه المستند على الإسبان. عام 1543م، سافر مولاي حسن إلى إيطاليا لمقابلة شارل الخامس، ليدبر بعض رجال بلاطه انقلابًا، مستغلين غيابه. عيّن المتآمرون مولاي حميدة أخا حسن سلطانًا على تونس، وقبلت الحامية الإسبانية هذا التعيين على مضض، بضغطٍ من الأعيان والسكان الذين أيدوا عزل حسن.

مثَّل هذا الانقلاب ضغطًا شديدًا على الإسبان، حيث كان مولاي حميدة على علاقة جيدة بالعثمانيين، لذلك لم تمر بضعة أسابيع حتى نصَّب الإسبان ابن مولاي حسن، المعروف بمولاي محمد سلطانًا لتونس، والذي تمركز في معقلهم الرئيس، حلق الواد.

في تلك الأثناء افتدى بربروس بمبلغ كبير تورغوت باشا عام 1543م، ليعود الأخير إلى نشاطه العسكري الكبير في تونس وجوارها، حيث تحالف مع مولاي حميدة ضد الإسبان، وأخذ في الأعوام التالية يشن الغارات المتتالية على السواحل الإيطالية، وعلى مالطا، المعقل الصليبي القوي. ثم استولى عام 1549م على مدينة المهدية الساحلية بتونس، والتي تشرف على سواحل صقلية والجنوب الإيطالي.

إزاء ذلك، نُظِّمَت حملة صليبية واسعة لانتزاع المهدية من تورغوت باشا، حيث قاومت المدينة بقيادة ابن أخي تورغوت لأكثر من شهرين، لكنها سقطت آخر المطاف عام 1550م، بعد أن سقط الآلاف من حاميتها وسكانها بين قتيلٍ وأسير.

انتقامًا مما وقع في المهدية؛ أعدَّ السلطان العثماني سليمان القانوني حملة بحرية كبرى في العام التالي 1551م، نجحت في تحرير طرابلس من فرسان مالطة الصليبيين، بعد أكثر من 40 عامًا من الاحتلال. في السنوات التالية عاد تورغوت للنشاط بقوة في تونس، واستعاد بعض المواقع التي فقدها بعد هزيمة المهدية عام 1550م.

عام 1560م تفشل حملة صليبية بحرية كبيرة في إعادة احتلال طرابلس، فتوجَّهت إلى تونس، حيث مُنيَت بهزيمة ساحقة قبالة سواحل جزيرة جربة التونسية. عام 1565م، تفشل حملة عسكرية عثمانية كبرى في الاستيلاء على جزيرة مالطا، معقل الصليبيين الحيوي، بعد معارك شرسة، واحتفت أوروبا الكاثوليكية كثيرًا بالصمود الأسطوري لفرسان مالطا الصليبيين ضد الغزوة العثمانية الكاسحة.

في العاميْن التاليّيْن، أصيبت مناطق عديدة من حوض البحر المتوسط بقحطٍ شديد، فتوقفَت العمليات العسكرية إلى حدٍ كبير، لتشهد بعد ذلك الأعوام ما بين 1568م و1574م وصول الصراع على المتوسط إلى ذروة جديدة للصراع، ونهاياتٍ دراماتيكية.

ذروة الصراع.. تحرير فاحتلال فتحرير

يعتبر الكثير من المؤرخين وفاة السلطان العثماني سليمان القانوني عام 1566م إيذانًا بنهاية عصر القوة العثمانية الطاغية، وبداية عصور التذبذب، ثم الضعف. رغم تلك الحقيقة السابقة، فإن القصور الذاتي للقوة العسكرية والسياسية للإمبراطورية، جعل من المنطقي أن تستمر يدها الطولى في ساحات النزاع الرئيسة لسنواتٍ عديدةٍ لاحقة.

شهد عصر السلطان العثماني سليم الثاني بن سليمان القانوني (1566- 1574م)، أربعة أحداث عسكرية كبرى في ساحة البحر الأبيض المتوسط الملتهبة، يفصَّلها الكاتب الروسي نيقولاي إيفانوف في فصلٍ كامل من كتابه «الفتح العثماني للأقطار العربية». أعان على هذا التركيز على ساحة المتوسط، اتفاقيات السلام التي عُقِدت مع النمسا عام 1568م، ومع فرنسا عام 1569م.

كان الحدث الأول هو ثورة كبرى اندلعت في الأندلس ضد الإسبان بين عامي 1568 و1570م، بالتنسيق مع أولوج علي، حاكم الجزائر العثماني آنذاك، والذي حاول القيام بإنزال بحري كبير في الساحل الشرقي الإسباني، لكن حال العوامل الجوية واللوجستية دون نجاحٍ هذا الإنزال كما كان مخطَّطا.

Embed from Getty Images

وجه الإسبان قوتهم الضاربة لقمع تلك الانتفاضة الخطيرة، وقاد جهودهم في ذلك دون خوان، الأخ غير الشرعي لفيليب الثاني ملك إسبانيا وابن شارل الخامس، والذي لم يدخر أية وسيلة مهما بلغت شراستها ووحشيتها في قمع الأندلسيين، ومنع محاولات الأسطول العثماني المتكررة لدعم المنتفضين، ليبدأ بعدها الفصل الأخير من الوجود الإسلامي في الأندلس، عندما تبدأ عمليات التهجير الواسع للأندلسيين المسلمين – الموريسكيين – إلى المغرب الإسلامي، والتي ستستمر حتى مطلع القرن التالي.

أما الحدث الثاني فكان الصراع على جزيرة قبرص الإستراتيجية التي تتحكم في العديد من خطوط التجارة والمواصلات البحرية شرقي البحر المتوسط. احتلّ العثمانيون تلك الجزيرة عامي 1570 و1571م، والتي كانت خاضعةً لمملكة البندقية. استُنفرت القوى الأوروبية لتلك الهزيمة الجديدة في الصراع المفتوح مع العثمانيين، وتشكّل برعاية بابا روما ما عُرفت بتحالف العصبة المقدسة، والذي حشد أسطولًا بحريا قويًا، بقيادة دون خوان الإسباني، ليتمكن هذا الأسطول من تدمير الأسطول العثماني قرب السواحل اليونانية، في واحدة من أشرس المعارك البحرية في التاريخ، وهي معركة ليبانت البحرية أواخر عام 1571م، لكن لم يتمكن المتحالفون من استعادة جزيرة قبرص.

لكن في الشهور التالية تمكّن العثمانيون من إعادة بناء الأسطول، ليعود في العام التالي إلى نشاطه في البحر المتوسط، ويهاجم السواحل الإيطالية بشراسة، فارضًا على جمهورية البندقية عام 1573م صلحًا مُذِلًّا لا يتناسب مع حجم الهزيمة العثمانية في ليبانت.

أما الحدث الثالث، فكان تجدد الصراع الإسباني – العثماني حول تونس عام 1565م، حصَّن الإسبان وجودهم في منطقة حلق الواد الإستراتيجية، والمشرفة على تونس العاصمة، ببناء قلعة كثيفة التحصين، وأقاموا بعض الروابط السياسية والتفاهمات مع بعض قادة القبائل العربية في تونس، لتأمين الوجود الإسباني.

في ذلك الوقت كان تونس تحت حكم مولاي حميدة الحفصي، والذي حاول اللعب على توازن دقيق في علاقاته مع كلٍّ من الإسبان والعثمانيين، لكنه كان عاجزًا عن السيطرة على حالة الفوضى المتفشية في أرجاء البلاد، سواءً الساحل أو الداخل.

عام 1569م يقرر أولوج علي باشا حاكم الجزائر العثماني، القيام بهجومٍ مفاجيء على تونس، خاصة مع ما نقلته له العيون من حالة الاضطراب العاصفة، ومن ميل غالبية التوانسة إلى الحكم العثماني في مقابل الحكومات المحلية الضعيفة، والاحتلال الإسباني.

بدأت القوات العثمانية هجومها في أكتوبر (تشرين الأول) 1569م، وكانت تتألف من آلاف الإنكشارية والجزائريين، ومن انضمَّ إليهم من المتمردين التوانسة. لم تتمكّن جيوش مولاي حميدة من المواجهة الفعالة، نظرًا لميل الكثير من الجنود والأهالي إلى الغزاة، فتمكَّن الأخيرون من دخول تونس العاصمة دون مقاومةٍ تُذكَر في مطلع عام 1570م، ثم سيطروا على كامل الأراضي التونسية في الأسابيع التالية، باستثناء منطقة حلق الواد المتحصِّن بها الإسبان، والتي فرَّ إليها مولاي حميدة مستجيرًا، وعجزت القوات العثمانية عن اختراق تحصيناتها.

أرسل أولوج علي للسلطان العثماني طالبًا مددًا كثيفًا لفتح حلق الواد، لكن انعكست الأمور. فقد طلب منه السلطان الانضمامَ بأسطولِه إلى الأسطول العثماني في مواجهة العصبة المقدسة، ليتعرض الأسطول الجزائري لخسائر مؤثرة في موقعة ليبانت كما ذكرنا آنفًا. لكن نجحت مهارة أولوج باشا في إنقاذ 40 سفينة جزائرية من تلك الهزيمة الطاحنة، فكافأته إسطنبول بتعيينه قائدًا عامًا للأسطول العثماني إلى جانب ولاية الجزائر.

في تلك الأثناء، قرّر دون خوان استغلال انشغال العثمانيين بتبعات موقعة ليبانت، وانصراف تركيزهم عن تأمين تونس، فشن حملة عسكرية بحرية كبيرة على تونس أواخر عام 1573م.

عندما ظهر أسطول دون خوان في خط أفق تونس، أمر الوالي العثماني بالانسحاب العام من المدينة، ففرَ معظم السكان، خوفًا من تكرار مذبحة عام 1535م. دخل الإسبان تونس فوجدوها مدينة للأشباح، فانشغلوا بسلب ونهب ما بقي منها، حتى اقتلعوا أعمدة الرخام من البيوت، وأتلفوا مكتبة جامع الزيتونة، الذي كان من أبرز جامعات العالم الإسلامي. وقبل عودة دون خوان إلى أوروبا، أنشأ الإسبان قلعة حصينة لصيقة لتونس، لتأمين وجودهم فيها.

Embed from Getty Images

طالب مولاي حميدة الإسبانَ بإعادة للعرش تابعًا لهم، فرفضوا ونفوْه إلى صقلية. إذ كان دون خوان يريد تونس قاعدة حكم شخصيٍّ له، وموئلًا للكاثوليكية في منتصف المغرب الإسلامي، وكان الإسبان يخشون من تقلبات مولاي حميدة وطموحاته، وميوله القديمة للعثمانيين. في المقابل، عيَّن الإسبان حفصيًا آخر، هو مولاي محمد، زعيم للمسلمين الخاضعين للحكم الإسباني، ولكي يقوم بتجنيد القبائل الموالية له لدعم المجهود الحربي الإسباني.

حاول مولاي محمد مطلع عام 1574م القيام بهجوم ضد أبرز مناطق الوجود العثماني من تونس العاصمة، فمُنيتْ قواته البدوية الإسبانية المشتركة بهزيمة ثقيلة في منطقة الحمَّامات، رفعت من أسهم العثمانيين، وحلفائهم.

عام 1574م.. معركة الحسم

في فبراير (شباط) 1574م اندلعت انتفاضة شعبية في مدينة تونس ضد الإسبان، بعد تطاول أحد جنودهم ضد أحد السكان، لكن الإسبان قمعوا الانتفاضة بمنتهى القسوة، وقتلوا المئات من المنتفضين، مستغلين النقص العددي في السكان بعد فرار أكثرهم العام الماضي. أثار هذا القمع حفيظة التوانسة أكثر فأكثر، فأصبحوا بانتظار القوات العثمانية على أحر من الجمر.

استمرّ والي تونس العثماني حيدر باشا في التقدم ببطء نحو تونس العاصمة، حتى رابطت جيوشه على مسافة بضعة أميال من القلاع الإسبانية الحصينة، وفي يوليو (تموز) 1574م، تمكَّنت بعض قواته من اختراق دفاعات تونس العاصمة، وانضمَّ إليهم الكثير من الأهالي، فنجحوا في القيام بحربٍ شوارع شرسة ضد الإسبان، أسفرت عن تحرير معظم الأحياء السكنية.

في غضون ذلك، تكثَفت المراسلات بين إسطنبول وحلفائها في تونس والجزائر، لتنسيق حملة قوية مشتركة لاستعادة تونس. تزامن هذا مع مراسلاتٍ أخرى بين العثمانيين وحلفائهم الأوروبيين، بروتستانت هولندا، وملك فرنسا شارل التاسع، لتنسيق عمل عسكري مشترك ضد إسبانيا، عدو الجميع.

منتصف عام 1574م، جهّّز سليم الثاني العثماني حملةً ضخمة مؤلفة مما يقارب 300 سفينة، وأكثر من 70 ألف جندي عثماني، يدعمهم الآلاف من مختلف أجزاء المغرب، من طرابلس، وتونس، والجزائر، وحتى من فاس ومراكش المغربيَّتيْن، غير الخاضعتيْن للحكم العثماني.

وصلت الحملة الضخمة إلى سواحل تونس في أواخر صيف عام 1574م، بينما الثورة على أشدها في تونس العاصمة. توجهت القوات العثمانية المشتركة فورًا لحصار قلعتيْ تونس وحلق الواد. فوجيء الإسبان بضخامة الحملة، إذ نجح العثمانيون في التمويه الجيد على جواسيس الإسبان في المضائق التركية (الدردنيل خاصة)، حيث تحرك الأسطول العثماني نهارًا باتجاه البحر الأسود، ثم تسلَّل ليلا باتجاه بحر إيجة والمتوسط.

«كيف يمكن لسبعة آلاف جندي الصمودَ أمام جيشٍ شديد الضخامة والعناد، ويحارب على أرضه؟» * الكاتب الإسباني ميجيل دي سرفانتس، معلقًا على معركة حلق الواد، والتي كان شاهدًا عليها.

أمر سنان باشا قائد الحملة العثمانية بقصف حلق الواد بلا رحمة على مدار ساعات الليل والنهار، بعد أن عزلتها القوات العثمانية عن قلعة تونس. شنَت القوات البرية أكثر من 20 هجومًا ضد دفاعات القلعة الحصينة، قدَّم فيها المهاجمون من الإنكشارية والمغاربة وسواهم آلاف الشهداء، ومنهم والي طرابلس العثماني.

أخيرًا سقطت حلق الواد بعد شهرٍ من المعارك الضارية يوم 23 أغسطس (آب) 1574م، فأباد العثمانيون الحامية الإسبانية بالكامل، ثم نسفوا القلعة حتى لم يبقَ فيها حجر على حجر، خوفًا من حملة إسبانية جديدة تتحصن بها.

بعد أربعة أيام، بدأ قصف المعقل الأخير للإسبان، وهو قلعة تونس. فشلت ثلاثة هجمات عثمانية كبرى أمام استبسال الحامية الإسبانية استبسالَ اليائس. في 12 سبتمبر (أيلول) نجح العثمانيون في تفجير أبراج القلعة بعد زرع البارود أسفلها، وبدأوا الهجوم الرابع والأخير، وسيطروا في ذلك اليوم على ما بقي من تلك القلعة، وقتلوا معظم الحامية الإسبانية باستثناء بعض الأسرى وعمال البناء.

تونس تتحرر وتنجو

انتشرت الاحتفالات في كافة أرجاء العالم الإسلامي بتحرير تونس نهائيًا من الوجود الإسباني الصليبي. كانت تلك الهزيمة بمثابة إعلان نهاية لحرب الاسترداد الإسبانية في شمال أفريقيا. أما دون خوان الإسباني، فلم يتمكن من نجدة جنوده في تونس نظرًا للسرعة الكاسحة للحملة العثمانية في سحق القلاع الإسبانية وفرض الأمر الواقع.

لم تتمكن إسبانيا من شن حملة انتقامية في الأعوام التالية نظرًا لانشغالها بحروب أخرى في وسط أوروبا ضد البروتستانت خاصة في هولندا، إضافة إلى إفلاس الخزانة الإسبانية عام 1575م. كذلك لم يتمكن العثمانيون من استكمال مشروعهم الطموح باحتلال إسبانيا وإحياء الأندلس، فقد انشغلوا في العقود التالية بحروب كبرى في الشرق ضد الصفويين، وفي وسط أوروبا ضد البندقية والنمسا. اما تونس فظلت بعيدة عن الاحتلال الاوروبي حتى جاء الاستعمار الحديث واحتلتها فرنسا أواخر القرن التاسع عشر الميلادي.

تاريخ

منذ 5 شهور
معركة الجزائر 1541.. عندما سُحقت أقوى جيوش أوروبا على أبواب الجزائر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد