46,399

هو واحد من الشخصيَّات التي تحقَّق لها نفوذًا عميقًا داخل أروقة البلاط الملكي في المغرب، ولم يفقد أدواره في أيّة لحظةٍ من اللحظات بتغيُّر الظروف السياسية. تندر عنه المعلومات، يغيب دائمًا عن شاشات التلفاز، بينما تصفه وسائل إعلام محلية بـ«صديق الملك» الذي يُصغي لنصائحه وتوجيهاته دومًا، نظرًا للثقة التي يحظى بها لدى هذا الأخير، وأيضًا لكونهما درسا معًا بـالمدرسة المولوية بالعاصمة الرباط.

يستكشف هذا التقرير جوانب من هذا النفوذ الطاغي الذي تحقق للرجل، الذي لا يهوى الظهور إعلاميًا، ويُفضل العمل بعيدًا عن الكاميرات والأضواء.

مُهندس استراتيجية تحجيم سلطات «الإسلاميين»

كان «الهمة» خيارًا وحيدًا من جانب الملك محمد السادس لتصفية الإسلاميين، عبر منحه الضوء الأخضر في 2008، بتأسيس حزب «الأصالة والمعاصرة»، مانحًا الحزب صلاحياتٍ مفتوحة، وأموالٍ سخية يُنفق منها علي فعالياته، جعلت الصحف المغربية تُسميه بـ«حزب الرئيس».

نجح حزب «الهمة» في محاصرة الإسلاميين في العام التالي للتأسيس باكتساح حزبه الانتخابات الجماعية لسنة 2009، مؤسسًا أكبر فريق برلماني من الرُّحل. في مارس (آذار) 2011، انتقل «الهمَّة» في مهمَّته المتمثلة في تحجيم سلطات الأحزاب الإسلامية من موقع المُنافس السياسيّ لهم، إلي موقعٍ أخر اختاره له المللك محمد السادس، وهو مستشار له بالديوان الملكي، مواصلًا من موقعه الجديد استثمار الصلاحيات الجديدة التي أوكلت إليه في مُمارسة مهمته الأساسية في الحد من شعبيتهم، وتقليص سلطاتهم، عبر سلسلة قوانين، وقراراتٍ حكومية ساعدته علي تنفيذ مهمَّته.

 بنكيران

تجلت المهمة الأكبر للمستشار الملكي، بعد ثورات الربيع العربي، التي أدت لارتفاع شعبية التنظيمات الإسلامية التي ارتقت السلطة بعددٍ من البلدان، إذ كان للمستشار الملكي دورًا رئيسًا في تحييد صلات حزب العدالة والتنمية مع التنظيمات الإخوانية في الخارج، وتحجيم مطالبها التي خرجت جموعٌ منها في تظاهرات تطالب بحركة إصلاحات على غرار ما حدث في مصر وتونس.

تمتَّع إخوان المغرب بشعبيةٍ كبيرة؛ جعلت قطاعات كبيرة من الشعب المغربي يذهب للتصويت لهم بأغلبية كاسحة في الانتخابات، جعلت هذا الملف يؤرق الملك كثيرًا، الذي يسعى عبر صديق الدراسة لمنافستهم على شرعيتهم الدينية كذلك التي يتمتعون بها.

ينكشف هذا الدور في الاتصالات المستمرة مع «عبد الإله بن كيران»، القيادي بحزب العدالة والتنمية، والذي كان مُكلفًا بتشكيل الحكومة، ساعيًا من وراء هذا التحركات للتأكيد الدائم علي قيادات الحزب عدم رفع شعاراتٍ دينية، ورسم صورة لإسلاميي المغرب بأنهم مختلفون عن أقرانهم في الأقطار الأخرى، والكفّ عن تحريض الجموع حيال الملك.

كان «الهمة» دائم التشاور معه في كافَّة الأسماء المرشحة من جانب حزبه لرئاسة بعض الوزارات، والاعتراض على من يشُكِّك في ولائهم للبلاط الملكي. نجح الهمة في مهمته، وفشلت كُل محاولات بعض الأجنحة داخل الحزب للجنوح بمطالبهم نحو التغيير العام في شكل السلطة في المغرب، وظل شعارهم الخالد مرفوعًا: «الله، الوطن، الملك».

يحكي عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق ملمحًا من تجليات أسطورة «الهمّة»، قائلًا: «فؤاد عالي الهمة (مستشار الملك) له مكانةٌ خاصة والجميع يعرف هذا»، بينما تحدَّث عن دوره الخفي في تشكيل حكومته: «وسواءٌ تعلَّق الأمر بالحكومة الأولى أو الحكومة الثانية، فإنه قام بدورٍ كبير في التشاور، وساهم في الوصول إلى الصيغة النهائية لهذه الحكومة».

وتُظهر واقعة اعتذار بنكيران للمستشار الملكي والملك في نهاية 2012، نفوذ «الهمة» الطاغي علي إسلاميو المغرب، وذلك عقب نقل مجلة «لافي إيكونوميك» لتصريحٍ منقول عن بنكيران، قال فيه: «لم نصل بعد إلى مستوى أكبر من التعاون مع مستشاري جلالة الملك»، قبل أن ينشر بيان اعتذار للملك ومستشاره، متحجِّجًا بتحوير كلامه في الجريدة.

مارس «الهمة» هذا الدور باقتدار، خلال تشكيل حزب العدالة والتنمية الحكومة الأخيرة، إذ تولَّى دعم كُتل سياسية بعينها، لقطع الطريق علي بن كيران في تشكيل الحكومة منفردًا، وتحويلهم إلي أقليَّة داخل التشكيل الحكومي، بالرغم من حصولهم على الأغلبية التي تكفل لهم تشكيل الحكومة. هذه المحاولات التي استاء منها بنكيران قال عنها: «نحن مسالمون، مرنون، لكن يبدو أن الأطراف الأخرى لا تستقبلنا بالقبول الحسن، فهي لا تريدنا؛ لأن عندنا هدفًا واضحًا هو الاستمرار في الإصلاح».

«الهمة»: يُجالس الملك في السيارة.. ويزداد قوَّة في كُل المراحل

شاءت الظروف أن يُزامل فؤاد عالي الهمة الملك محمد السادس في المعهد نفسه في المراحل التعليمية الأولى لكلٍّ منهما؛ إذ احتضن جدران هذا المعهد العديد ممن ساهموا في صناعة القرار في المغرب منذ عهد الملك الراحل محمد الخامس. تحوَّلت صداقة الدراسة إلي علاقةٍ شديدة الخصوصية بينهما؛ كان لها الدور في تدرُّج فؤاد علي الهمة داخل أروقة البلاط الملكي، مانحًا الملك صديقه صلاحياتٍ مفتوحة، وسلطاتٍ تضاهي سلطاته شخصيًّا.

علاقته المتميزة والتي كانت تربطه بالملك محمد السادس وهو ولي العهد آنذاك، وهما تلميذان بالمعهد المولوي، ساعدت فؤاد عالي الهمة على التدرج السريع في أسلاك المهمَّات الحساسة، كما كان لهذه العلاقة دورٌ جوهريّ ليصبح عالي الهمة أقرب المساهمين في صنع القرار، والتغلغل بكافة الدوائر الحساسة في السلطة.

لا يهوى «الهمة» الظهور على شاشات التلفاز، أو إلقاء الخُطب الوطنية، فهو يُمارس طقوسه في توسيع دوائر صلاحياته داخل البلاط الملكي بسلاسة، متواريًا فيها عن أعين الكاميرات والإعلام، بينما يقتصر ظهوره في اللقاءات الرسمية، والزيارات خارج البلاد مُرافقًا للملك، أو جالسًا إلى جانبه في سيارته.

يُلخص أستاذ العلوم السياسية المغربي، عبد الرحيم العلام، المسار السياسي للهمة في «مملكة محمد السادس» لموقع «أصوات مغاربية»، قائًلا «إنه الشخصية الوحيدة في النظام السياسي المغربي، التي لم تفقد دورها في أية لحظة من اللحظات»، موضحًا أنه «رجل يزداد قوة لأنه لا يحرق المراحل».

بينما اختارته المجلة الفرنسية «جون أفريك»، المتخصصة في الشأن الإفريقي، أكثر الفاعلين تأثيرًا في المشهد السياسي خلال عام 2014، مبررة هذا الاختيار إلى المكانة «الخاصة» التي يتمتع بها الرجل كما يعلم الجميع.

النافذ داخل الأجهزة الأمنية أيضًا

تمتَّع فؤاد عالي الهمة، بنفوذٍ كبير داخل الأجهزة الأمنية المغربية أيضًا، منذ أن كان وزيرًا للداخلية عام1999، قبل أن ينتقل من الإشراف علي وزارة الداخلية إلي كافة الأجهزة الامنية، من منصبه الذي استحدثه له الملك محمد السادس مستشارًا له.

«هشام بوشتي»، الضابط السابق بجهاز الاستخبارات المغربية – مصلحة المراقبة وجمع المعلومات – يروي واقعة دالة على نفوذ «الهمّة» داخل الأجهزة الأمنية، قائلًا: «الصفقات التي عُقدت بين المخابرات المغربية ونظيرتها الأمريكية في ما يُعرف استخباراتيًّا بالرحلات السرية لـ«سي آي إيه»، كانت بعلم الملك وإشراف صديق دراسته ومستشاره الأمني فؤاد عالي الهمة».

ولعب الهمة دورًا إشرافيًا على نقل مختطفي جهاز الاستخبارات الأمريكية إلى بلاده، ومُمارسة أشد أنواع التعذيب وانتزاع اعترافاتهم بمعتقل «تمارة» السري على أيادي ضباط المخابرات المغربية. وتمثل الدور الرئيس «للهمة»، كذلك في كسب ولاء هذه الأجهزة الأمنية لصالح الملك محمد السادس، وإثنائِهم عن السياسة، بتوسيع مصالحهم الاقتصادية، ورفع مرتباتهم المالية، وتعظيم امتيازات القيادات داخل هذه الأجهزة، وتشديد الرقابة عليهم من جانب أجهزة تتبع القصر؛ تحسبًا لأيّة حركة انقلاب، أو انشقاق، كما حدث مع بعض ضباط جهاز الاستخبارات المغربية خلال السنوات الفائتة.