رغم مرور 68 عامًا على النكبة، ورغم مسح فلسطين عن الخارطة العالمية، ورغم كُل الجهود الصهيونية التي تُحاول النيل من كُل ما هو فلسطيني، فإن الإبداع والابتكار لا يزال حاضرًا بين الفلسطينيين في خدمة قضيّتهم، كمشروع «ريمكس فلسطين» الذي سخّر التكنولوجيا لنا كي يصنع كُل منّا قصته الخاصة عن فلسطين كي لا ننساها، تمامًا كما أبدع الشباب الفلسطيني في مشروع «تصوّر العودة» حيث صوّروا كيف ستكون قراهم بعد التحرير والعودة بأفلام «ثلاثية الأبعاد»، هذا غير أن أمثال د. سلمان أبو ستّة أتاحوا لأمثال هؤلاء «أطلس فلسطين» يحتوي تفاصيل كل فلسطين ينهلون منه ما شاؤوا من المعارف التي تجعل العودة أقرب، وهو ما يُحاول أن يفعله لاعبو فريق «بالستينو» في تشيلي ولكن بأساليب إبداعية أخرى كما سنرى في التقرير التالي.

 

1- «بالستينو».. أكثر من مجرد ناد

يُقال في تشيلي: «لا توجد قرية واحدة ليس فيها راهب وصياد وفلسطيني»، فالفلسطينيون مُنتشرون في تشيلي بشكل مدهش، حيث يصل تعدادهم بحسب بعض الدراسات إلى 400 ألف فلسطيني، وبالتالي تُعد الجالية الفلسطينية هناك أكبر جالية فلسطينية خارج العالم العربي، وقد استطاعت الجالية الاندماج في المجتمع التشيلي والمحافظة على هويتها وكذلك فإن عائلتين من أثرى العائلات في تشيلي هي عائلات فلسطينية ولكن «بالستينو» هو فخر الجالية، وهو السلاح الذي تُقاوم به الاحتلال بطريقة إبداعية.

2016-635979809012974153-297

في عام 1920، تأسس نادي كرة القدم «بالستينو» والذي يُعد من أفضل الفرق التشيلية، فقد حقق نتائجَ مُبهرة بين 1978 وحتى منتصف 1979، إذ إنه لم يهزم طوال 44 مُباراة، ولكن الإنجاز الثاني الذي حققه هذا الفريق أنه قام باستبدال رقم واحد من قمصان اللاعبين ورسم خارطة فلسطين مكانه، كما أن ملابس الفريق حملت ألوان العلم الفلسطيني وهو الأمر الذي أزعج اللوبي الصهيوني في أمريكا الجنوبية كلها، وليس فقط في تشيلي.

بالنسبة لصحيفة «يديعوت أحرونوت» فقد كتبت أن هذا التغيير في ملابس اللاعبين يرسخ مضامين سياسية ستبقى في أذهان الجماهير، وبالنسبة لرئيس النادي فقد علّق على الموضوع مؤكدًا على صلة الفريق بفلسطين مُشيرًا إلى أن: «أحداث غزة الأخيرة زادت من قوة علاقاتنا بفلسطين ومع أصولنا».

هذا الموقف، كانت نتيجتها غرامة 15 ألف دولار، ولكن المثير أكثر أن اللاعبين اعترضوا على القرار ورسموا خريطة فلسطين على أذرعهم في المباراة التي تلت تغريم النادي، كما بيعت أعداد كبيرة من القمصان تحمل خريطة لفلسطين التاريخيَّة عوض الرقم 1.

 

2- أطلس فلسطين

فلسطين

بالنسبة لمؤرخ مثل د. سلمان أبو ستّة، فإنه لا يُمكن أن يقتنع لمُجرد رسم خارطة فلسطين على قميص لاعب، فهو مُولعٌ بتفاصيل فلسطين، بل يكاد عشقه لفلسطين يسوقه لتحديد موقع كُل حجر وحجر، والمتأمل للخرائط يجدها تكشف أرض فلسطين عشيّة النكبة بكُل تفاصيلها ودقائقها حيث تظهر المدن والقرى والهضاب والأنهر والجبال والسواحل والخرب الفلسطينية بتفصيل مذهل.

13161832_10154265511089604_4240797036411792667_o

لقد استغرق أكثر من 20 عامًا وبجهدٍ فردي ودون دعم من أي مؤسسة، عمل المهندس المؤرخ د. أبو ستة، من مقر إقامته بالكويت، حتى أصدر «أطلس فلسطين» ويُحكى أنه عندما انتهى من تجهيز الأطلس وذهب إلى المطبعة فقال: «اليوم وُلدتُ من جديد»، وقد كان في الستينيات من عمره، كما أنه يؤكد أنه لم يتلق المُساعدة من أحد طيلة فترة عمله، بل قام بكُل هذا العمل «الضخم» الذي ضمّ أكثر من 45 ألف اسم موقع لفلسطين، وهذا يعني أنها لم تنحصر في ذكر أسماء المُدن والقرى الفلسطينية، فهناك مثلًا أسماء الأراضي والمقامات والجبال والمُدهش أكثر هي أسماء «قطع الأرض».

 

كمثال فقط، لو تأملنا في أي خارطة لفلسطين المنطقة الواقعة بين «كفر قاسم» وبين «مجدل صادق» فإننا لن نجد غالبًا أي مُسمى أو لربما نجد اسمًا او اسمين مثل «خربة سرطة أو عزبة طه»، أما في اطلس د. سلمان أبو ستة، فسنجد الأسماء التي كان يُطلقها الفلسطينيون على الأراضي مثل «مرج العبد، والزلطة، ورجوم أبو حواس» وأسماء أخرى تبدو كاللوغارثميّات بالنسبة للكثيرين، ولكن هذا التوثيق بالنسبة للمؤرخ الفلسطيني دليل أكيد، على أن لهذه الأرض أصحابًا، وأنهم مهما طال الزمان عائدون!

 

3- اللجون والغابسية.. وكيف تكون العودة؟

الجميل أن د. سلمان أبو ستّة نفسه لم يكتف بعشرين عامًا من العمل على «أطلس فلسطين» للتأكيد على حق الفلسطيني في العودة، فإنه يقوم حاليًا على مُسابقة للمهندسين المعماريين لإعادة تعمير القرى المُهجرة وإلى حين إنجاز الدكتور سلمان وفريق «هيئة أرض فلسطين» لمشروعهم، لا بُد أن نلتفت إلى مجموعة من الشباب المُبدع من «جمعيّة بلدنا» الداخل الفلسطيني قام بما يُسمى مشروع «تصوّر العودة».

هذا المشروع يكشف مدى إصرار «الجيل الثالث» من الفلسطينيين على العودة، فهم لم يكتفوا بترديد الشعارات حول حق العودة والوقوف في المؤتمرات، بل راحوا يضعون تصوّرات فعليّة للعودة وكيف ستكون القرية عند العودة إليها وذلك بالتعاون مع مُهندسين وبالاستعانة بخرائط مثل خرائط «أطلس فلسطين» وكذلك بزيارات ميدانية للقرية وبالعمل المتواصل من خلال ورشات متخصصة لمدة 4 أشهر، حتى تم إنجاز فيلم ثلاثي الأبعاد للقرية ولمرافقها وحاراتها المختلفة عند العودة إليها، وقد تم حتى الآن العمل على قريتين فقط، قرية اللجون والغابسيّة. لكن هذا المشروع مختلف لأنه يجمع التاريخ مع المستقبل في تفاعل هندسي جغرافي شبابي غير مسبوق.

بعد إنجاز مشروع «تصوّر العودة إلى قرية اللجون» قرر الشباب أن يقوموا بمشروع مُكمل لتصوّر العودة وهو عبارة عن فيلم يُخلّد التاريخ الشفوي للقرية وكيف كانت قبل النكبة، وفي حديث مع مُخرج الفيلم «عمر سمير» أكّد لنا أن الفيلم يؤكّد كذلك أن الجيل الثالث والرابع للنكبة ما زال يقوم بزيارات للقرية وينظّم المهرجانات والجولات التثقيفيّة فيها للتعريف بأرض أجدادهم.

4- ريمكس فلسطين.. اصنع قصّتك عن فلسطين!

كي يكون هناك المزيد من الشباب من أمثال «عمر سمير» ممن يصنعون قصصهم الخاصّة عن فلسطين، فإن المخرجة الفلسطينية روان الضامن والتي اشتهرت بفضل سلسلة «النكبة» والتي تُرجمت لأكثر من 10 لغات كما تُساهم الآن في نشر فكرة «ريمكس فلسطين» الذي سهرت عليه لياليَ طويلة كي يُمكن كُل إنسان وبأدوات بسيطة جدًا أن يصنع «فيلمه الخاص» عن فلسطين.

dab3aefa-9e82-4a17-9286-1f1334c2b67f

ريمكس فلسطين يحتوي على 30 فيلمًا باللغة العربية، منها أفلام حول النكبة، وأخرى عن غزّة كما أن هناك أفلامًا عن اللاجئين ومعاناتهم، وأخرى في الشؤون الإسرائيلية، هذا غير أفلام الهدم والتهجير، ونفس الأفلام متوفرة عدا العربية بأربع لغات وهي الإنجليزية والتركية والبوسنية ومؤخرًا بالإسبانية.

ولكن ما المميز في كُل هذا؟ من خلال «ريمكس فلسطين» يُمكنك مثلًا أن تبحث عن كلمة «لاجئ» وتصل من خلال البحث إلى كُل مقطع ظهرت فيه كلمة لاجئ في الـ30 فيلمًا المتاحة، ولو كُنت مثلًا من حيفا، فيُمكن أن تبحث عن «حيفا» فتصل إلى كل المقاطع عن حيفا ثم تبدأ بصناعة قصّتك الخاصة عن اللجوء وحيفا، دون الحاجة لكل برامج مونتاج الفيديو المعقدة.

بالنسبة للصحفي التقني «جون أوديل» فيرى أن «السحر» في ريمكس فلسطين هو أن يعتمد على برمجة ذكيّة تتيح للمستخدمين إمكانية إنتاج الأفلام على الإنترنت بشكل سريع من خلال تحضير البيانات عن «الأفلام» وبثها ورفعها بشكل مبسط وسريع، فالتقنية ترتكز على برمجة النصوص على مستوى الجُملة والكلمة للتزامن مع ظهور الفيديو الخاص عند التوقيت الملائم.

image-7

وفي حديث لساسة بوست مع روان الضامن حول العمل على الفكرة، فأكدت أن العمل لم يكن سهلًا وأن العمل على هذه البرمجة استمر 5 سنوات، وأشارت أن العمل ما زال لم يصل لمرحلة احترافية 100% بعد، ولكنها فخورة بأن فريقها كان من الأوائل الذين قاموا بالعمل على «شيء سيكون جزءًا من المستقبل»، كما تفتخر بأن المشروع قد حصل على جائزة الابتكار الرقمي من جوائز الإعلام الرقمي في لندن.

ولكنها كذلك لا تنسى كيف تم ترشيح الموقع لإحدى الجوائز الأمريكية وبعد وضع اسم المشروع على الموقع، لم تمر أكثر من 24 ساعة حتى ثار الصهاينة وتم محو اسم «ريمكس فلسطين» من الموقع نهائيًا بعد أن كان قد فاز بالجائزة، لكن هذا بالتأكيد لا يثني روان وفريقها عن المزيد من العمل والإبداع من أجل فلسطين.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد