دعني أُخمِّن أنك تعمل يوميًا من الساعة الثامنة أو التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً، بمعدل 40 ساعة أسبوعيًا، فأكثر الناس لو تأملنا يقومون بهذا الشيء على مدار 40 عامًا، بالنسبة لـ«تيم فيريس» Tim Ferriss، فإنَّه لم يحتمل هذه الحياة لأنه يراها «حياة عبودية» لا يُمكن لحر أن يقبلها على نفسه؛ فقرر أن يُغامر حتى وصل إلى حالة وجد فيها مشروعاته تُدر المال وهو لا يدري ولم يعد يضطر للعمل لأكثر من 4 ساعات أسبوعيًا، نعم 4 ساعات أسبوعيًا فقط، وقد يبدو الأمر مُستحيلًا وفيه شيء من «الجنون»، إلا أن الذي يتأمل كتابه «أسبوع الساعات الأربع عملًا» سيجد الكثير من الأفكار المُثيرة والملهمة والتي قد تجعلنا نفهم الأمر وتجعله يبدو منطقيًا نوعًا ما، فيما لو قررنا أن نُغامر كما غامر «تيم».

الوصفة السحريّة: Outsourcing

الغنى الحقيقي لأي إنسان يُقاس بكميّة الأشياء التي لا يحتاج التفكير بها، هذا ما يقوله الكاتب الأمريكي هنري ثرو، وهو ما يؤكده تيم فيرس وهو يُحاول شرح نظريّته «العجيبة» حول العمل أربع ساعات أسبوعيًا فقط في كتابه «The 4 Hour Workweek» والتي لا يُمكن أن تكون واقعًا مُعاشًا لمُجرد ترتيب الإنسان لأولوياته ومُحاولته الاستفادة من وقته في العمل بأقصى شكل ممكن من خلال تطوير مهاراته في التركيز وزيادة الإنتاجية.

فالعمل 4 ساعات في الأسبوع فقط يحتاج إلى أن “تُؤتمت – Automation” حياتك، بمعنى أن تُدخل الكثير من العناصر والأدوات التي تقوم بمهامك اليومية وأعمالك بدلًا عنك، بصورة «أوتوماتيكية» بينما أنت نائم أو لربما بينما أنت في رحلة مع العائلة، وصولًا إلى حالة Cash cow «البقرة الحلوب» حيث تبدأ المشروعات بإدرار المال وأنت لا تدري.

قبل الوصول إلى حالة «البقرة الحلوب» لا بُد من الاستعانة بالتعهيد أو التوكيل الخارجي Outsourcing وهي فكرة قد نعرفها من مجال الصناعة، حيث إن الكثير من السلع في الدول الغربية مثلًا لم تعد تُصنع في هذه الدول بل في الصين، والهند، وغيرها من الدول ذات العمالة الرخيصة. واليوم، مع التطوُّر التكنولوجي الحاصل، بات بالإمكان تفويض الكثير من «الخدمات» إلى جهات أخرى تقوم بها مقابل أجر مادي أقل بكثير.

هذه الجهة هي عبارة عن شركة أو حتى «مُساعد خاص عن بُعد» يقوم بالمهام التي تفوضها إليه، والحديث هنا ليس لأصحاب الشركات الضخمة أو رجال الأعمال المعروفين أو حتى المشغولين جدًا فقط، فيكفي أن تكون موظفًا وتضطر أن تعمل كُل يوم أكثر من 8 ساعات أو لربما تطمح لأن تصبح من أصحاب «أسبوع الساعات الأربع»؛ فإن فكرة التفويض هي فكرة أساسية لا بُد أن تتدرب عليها كي تصل إلى هدفك.

ويؤكد «فيرس» في كتابه أن هذا المُساعد حتى لو لم يؤد المهام الموكلة إليه بشكل ناجع في البداية، فلا ينبغي النظر إلى الأمر وكأنه خسارة مالية، فهو «استثمار» لأنه سيجعلك تنظر لنفسك بشكل مختلف وسيشعرك بقيمتك في عالم الأعمال، ويُمكن أن يكون مدرسة لك كي تتعلم فنون الإدارة عن بُعد والتواصل المحترف، وهي مهارات أساسية ضرورية لكل من يطمح أن يدخل عالم رجال الأعمال.

فوق ذلك، فإن وجود مُساعد شخصي لك، سيضمن لك أن توفّر الوقت لشؤونك العائلية أو حتى لمشروعاتك المستقبلية وكذلك تطوير مشروعاتك العائلية، فتنشغل مثلًا بالتواصل مع عُملاء مستقبلين جدد، بدلًا من قضاء الوقت في تسجيل بيانات مملة على الحاسوب، وهي مهمة قد يقوم بها أي شخص غيرك.

طبعًا هذا غير شعور مميز لا بُد وأن يتملكك وأنت تعلم بأن هناك من يقوم بأعمالك بدلًا منك، بينما أنت مستغرق في النوم حتى ساعة متأخرة مثلًا. هذا الشعور «اللذيذ» جعل بعض الأمريكان يعيشون حالة من الهوس بفكرة التعهيد، حيث يروي تيم في كتابه حكاية صديق له اتخذ مساعدًا «هنديًا» وصار يُقحم مساعده الخاص في مشاكله الزوجية كي يكون وسيطًا بينه وبين زوجته في حالة نشوب مشاكل، عن طريق إرسال هديّة لها مثلًا، بدلًا من انشغال الزوج بهذه المشاكل التي تعيق فاعليته. والأمر لا ينتهي هنا حيث إن نفس الشخص طلب من مُساعده لاحقًا أن يقوم بقضم أظفاره عنه، بزعم أن فكرة تفويض الهموم للمساعد الخاص هي كذلك فكرة مهمة وتزيد من إنتاجية الشخص وإبداعيته.

انتبه.. الطريق ليست وردية

صحيحٌ أن للتعهيد فوائد جمّة، ولكن الطريق ليست وردية، والفيلم الهندي-الأمريكي “Outsourced يكشف هذه المصاعب بأسلوب كوميدي طريف؛ إذ تم تفويض أعمال مكتب للمبيعات من أمريكا إلى الهند، وطلب من المدير أن يذهب ليدرّب الفريق الهندي الجديد، الذي يجد نفسه في بيئة ثقافية مُختلفة تمامًا، ويضطر أن يبدأ تعليم موظفيه اللهجة الأمريكية وفي المقابل يجد نفسه بعد أيام مضطرًا لتعلم الثقافة الهندية.

فقد وقفت الفوارق الثقافية عائقًا أمام تقدّم فريق العمل، ولكن صبر المُدير واستمرار الفريق في كسب التدريبات اللازمة وظروف العمل الجيدة جعل الفريق يُحقق نتائج مُبهرة، أكثر من النتائج التي كان يحلم بها المدير نفسه والتي تخيّلها في مرحلة معينة مستحيلة. ولكن النُكتة أن تحقيق الفريق لم يشفع له بالأخص أن رب العمل وجد شركة صينية أرخص من الهندية، وتم نقل العمل إلى الصين في نهاية المطاف.

إن كان هناك درس يُمكن تعلّمه من فيلم كهذا، فهو أن فكرة التعهيد ليس بغاية البساطة؛ فلا بُد من توافر بعض الشروط كي يكون التفويض فعالًا، فمثلًا لا بُد لك أن تُركز على النتائج وتقوم بتوضيحها بدقّة لمساعدك الخاص وإلا فقد تجده يُسلّم لك عملًا بجودة سيئة جدًا، وكأنه لم يفعل شيئًا. بل إن بعض المُساعدين عن بعد قد يستغلون عدم الوضوح فيستغرقون في العمل وقتًا أطول بالأخص إن كانوا يتقاضون أجورهم مقابل كُل ساعة عمل وليس مقابل المهمة ككل، ولهذا كُلما كانت المعايير أوضح كان عملك أسهل، ففي نهاية المطاف يُمكنك أن تقوم بتفويض أي عمل فالمسؤولية لا تفوّض، وبالتالي فأنت المسؤول عن جودة إتمام المهمة وكُل نقص في الأداء مردودٌ عليك.

هذا غير أن التفويض أو التعهيد قد لا يكون ناجعًا وفعالًا إن قمت بتعيين أشخاص غير أكفاء، يرجعون إليك في كُل سؤال أو استفسار فتزداد ضغوطك أكثر، ولهذا يقول الرئيس الأمريكي رونالد ريجان: (قم بتعيين الأشخاص الملائمين، دربهم، فوض إليهم، ولا تتدخل بعد ذلك).

كما أن التفويض لا يُمكن أن يكون وحده حلًا، حيث لا بُد من اتباع قاعدة باريتو المعروفة بقاعدة 80:20، والتي يشرحها المدوّن Rudolph Musngi في مقالة بعنوان كيف تتميز في العمل الحُر بطريقة مميزة قائلًا: «إن80% من النتائج ينتج من 20% من المُسببات، بمعنى أن 80% من أسباب تأخّر مشروعاتك يأتي من 20% من العمل على مشروعات لا تستطيع الانتهاء منها، أو بمعنى آخر، يُستخدم 80% من الوقت في إنجاز ما قدره 20% من المشروع، وعلى الجهة الأخرى، يكفي استغلال 20% من الوقت لإنجاز 80% من المشروع».

أين تجد مُساعدك الشخصي؟

في العالم العربي هناك أكثر من 10 منصات للعمل الحُر على الأقل، والتي يرتادها آلاف الشباب العرب الباحثين عن فرصة للعمل عن بُعد والذين يُمكن الاعتماد عليهم في بعض المهام، كما يُمكن لصاحب العمل أن يُعلن من خلال منصات العمل الحر العربية عن عرض معيّن، ثم يقبل هو العرض الذي يجده مُناسبًا. وكذلك يُمكن الاعتماد على منصات مثل خمسات وهي منصة للخدمات المصغرة والتي لا تكلف إلا 5 دولارات غالبًا، ولا شك أن العثور على شخص مميز يقوم بالأعمال على أكمل وجه ليست مسألة أخرى ولكن كما يقول «تيم فيريس» فإن القيام بهذه الخطوة كفيل بأن يجعلك تبدأ بتعلم المهارات الأساسية في الإدارة بشكل تطبيقي وواقعي، بعيدًا عن النظريات.

عرض التعليقات
تحميل المزيد