تواجه أوروبا مشاكل خارجية هائلة. ومع ذلك، ثمة مؤشرات قليلة على أن الدول الـ28 التي تشكل الاتحاد الأوروبي سوف تبدأ العمل على التهديدات والمصالح المشتركة بينها بطريقة موحدة وقوية وجادة عما قريب.

يلوم البعض سياسة التقشف وأنها المسبب لهذا التقاعس. ويقول البعض الآخر إن الاتحاد الأوروبي لم يخلق أبدا ليمارس السياسة الخارجية. ولكن آخرين يؤكدون أن الأوروبيين هم فقط سذج وغير ناضجين ويتمسكون بأمنيات وأفكار مبسطة حول الكيفية التي يعمل بها العالم.

لا شيء من ذلك صحيح. إن الأسباب الكامنة وراء ضعف السياسة الخارجية الأوروبية لها جذور أعمق من ذلك بكثير. ثمة أربعة عوامل أساسية تقف خلف ذلك، وهي: الهويات، والمؤسسات، وإهمال السياسة الخارجية، وعدم الاهتمام بالسياسة الداخلية.

 

هوية معرضة للتهديد؟

يشعر الأوروبيون بأن التهديد لهويتهم الوطنية بات أكبر حاليًا من تهديد أمنهم القومي. ألقِ نظرة فاحصة على ما يناقشه الناس خارج صفحات الرأي في الصحف الكبرى، فستجد مناقشات حول الهجرة غير الشرعية والأسلمة والجرائم المرتكبة من قبل الأجانب وتغير الثقافة المحلية بشكل يصعب من التعرف عليها وأموال دافعي الضرائب المهدرة على دول أخرى وهلم جرًا.

تهيمن هذه المواضيع على الخطاب السياسي في أكبر ثلاث دول في الاتحاد الأوروبي وهي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وكذلك في عدد كبير من الدول الأخرى بما في ذلك النمسا وهولندا والمجر.

إن المناقشات التي تركز على الهوية تميل للتأثير على المواطنين بشكل مباشر وعاطفي أكثر من التركيز على القضايا التي تبدو ملحة، مثل التهديد الروسي للنظام السياسي الأوروبي، وتهديد ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية على الاستقرار في الشرق الأوسط، وتحدي الصين لميزان القوة العالمي، أو سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية.

إن التهديدات الأمنية التي يركز عليها المحللون معظمها ذات أهمية ثانوية بالنسبة للأشخاص العاديين. وإذا كان الأشخاص العاديون لا يهتمون بذلك كثيرًا، يفضل الساسة عدم إثارة البلبلة. لا سيما إذا كانت إثارة البلبلة تعني بناء رد فعل موحد لعموم أوروبا على تهديد ما، أو جس النبض حول احتمال زيادة الإنفاق العسكري.

عدم كفاءة المؤسسات الأوروبية

السبب الثاني لضعف أوروبا هو أنه ليس هناك مؤسسة واحدة في الاتحاد الأوروبي يمكنها بناء المصالح الأوروبية المشتركة. فالمؤيدون للاندماج يميلون للاعتقاد بأن أيًا من المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي غير قادرين على إتمام هذه المهمة.

إن أجزاء من المفوضية تدافع عن المصلحة المشتركة للاتحاد الأوروبي. ولكن هناك فروعًا تنفيذية للاتحاد الأوروبي تدافع عن المصالح المشتركة لشؤون التجارة أو السوق الموحدة، وأي منهما لا يصل فعلا إلى قلب السياسة الخارجية التقليدية.

لقد تحولت ذراع المفوضية الأوروبية التي حاولت تعزيز العمل الأوروبي المشترك حول القضايا الخارجية إلى برنامج “خدمة العمل الخارجي الأوروبي”. ولكن حتى الآن، اتسمت هذه الهيئة بالعجز الشديد، حيث تسيطر عليها بشكل كبير الدول الأعضاء وتدار بشكل سيء للغاية بما يجعلها غير مؤهلة لأن تصبح قائدة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي.

أما البرلمان الأوروبي، فإنه يمثل الإرادة السياسية الموحدة لهيئة أوروبية سياسية. فمواقف البرلمان غالبًا ما تمثل أكثر من مجرد نظرة أعضائه نحو مشكلات العالم.

من الناحية النظرية، فإن تركيز البرلمان الأوروبي القوي على القيم والمبادئ شيء جيد. ولكن بما أنه لا يقترن مع اتخاذ القرارات التنفيذية في العالم الواقعي، فإنه كثيرًا ما يشكل مجرد مزايدات أخلاقية.

ربما لا يكون مفاجئًا أن المؤسسة الأكثر قدرة على بناء كيان يحدد المصلحة المشتركة للاتحاد الأوروبي هي مجلس الاتحاد الأوروبي. إن لدى المجلس تفويضًا صلبًا من جميع المؤسسات ومقره بروكسل. لكن أعضاء المجلس يحرصون على حماية امتيازاتهم الوطنية فيما يخص السياسة الخارجية، وبالتالي غالبا ما يفشل في التوصل إلى الحلول الوسط الكافية للإبقاء على أول اتصال مع العالم الحقيقي.

وفي غياب المؤسسة التي يمكنها صياغة سياسة خارجية أوروبية ذات مصداقية، فإن عمل الاتحاد الأوروبي في الخارج سيبقى غير متماسك ومقسمًا وضعيفًا، مع استثناءات نادرة ومتواضعة.

تغير موقف الولايات المتحدة تجاه أوروبا

القيد الثالث المفروض على العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي هو الدور المتغير للولايات المتحدة. فقد تقلص اهتمام واشنطن بأوروبا مما كان عليه سابقًا، مما يزيد الضغط على أوروبا لإنجاز العمل المطلوب.

يمكن القول إن أكبر إنجاز للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي في السنوات الخمس الماضية هو موقفه الموحد غير المسبوق بشأن العقوبات ضد إيران بسبب برنامجها النووي. ولكن وراء هذه الوحدة يكمن سر قذر صغير: ضغوط أمريكية هائلة على الأوروبيين، بما في ذلك ضغوط تشريعية من قبل الوكالات التابعة للحكومة الأمريكية على الشركات الأوروبية التي تتعامل مع طهران.

لا يخفى على أحد أن نشاط السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي غالبًا ما يعتمد على قيادة الولايات المتحدة. وهذا ينطبق على مشكلات البلقان وأفغانستان ومعظم مسائل الأمن والدفاع، ومؤخرًا، في الحرب ضد الدولة الإسلامية. لقد كانت أمريكا المحركة والمحددة وواضعة الأسس والمجهزة للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. كما كانت أيضًا مصدر الثقة للأوروبيين، بما يضمن أنه لا يوجد بلد في الاتحاد الأوروبي سيصبح مهيمنًا على الشؤون الخارجية للقارة، وبالتالي نزع فتيل التوترات الداخلية المحتملة منذ البداية.

ولكن في هذه الأيام، أصبح هذا النوع من القيادة الأمريكية أمرًا نادر الحدوث، مما يحد من مستوى جهود سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية المنخفضة أصلا.

انحسار طموح أكبر ثلاث دول أوروبية

العامل الرابع وراء خمول الاتحاد الأوروبي هو حقيقة أن الدول الثلاث الرائدة في الاتحاد أحجمت عن الاستثمار الصحيح في مجال السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي.

فبريطانيا مهتمة بجوانب من الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي لكنها تفتقر إلى التكامل مع بقية الاتحاد الذي قد يجعلها زعيمة القارة. بينما تدعي فرنسا اهتمامها لكن يعوقها نوبات غير واقعية للفخر الوطني التي خفضت بشكل كبير من المصداقية والموارد. أما ألمانيا، فمن الناحية النظرية، لديها الموارد ولكنها تعاني من مزيج من السلوك السلبي التقليدي، والخجل العسكري الذي يقلل كثيرًا من نفوذها.

يعاني الاتحاد الأوروبي من تفشي قضايا الهوية وضعف المؤسسات وغياب قائد للسياسة الخارجية وثلاث دول تفتقر إلى الطموح. عندما يتم الجمع بين هذه العيوب الأربعة، يظهر مزيج هائل من الأسباب الجذرية لمرض التصلب الذي تعاني منه السياسة الخارجية في أوروبا. فليس من المستغرب أن اللاعبين الخارجيين الحريصين جدًا فقط على استغلال ضَعْف الغربيين يعتقدون أن أوروبا هي قوة مستهلكة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد