اهتزَّت أوروبا المسيحية بأسرها للأنباء الفاجعة التي سرت كالصاعقة في أجواء القارة المشحونة. جيشٌ مسيحيٌّ يجتاح ويدمِّر أكبر مدينة مسيحية في العالم آنذاك؛ القسطنطينية، ويرتكب بحقِّ سكانها ما لا يُعدُّ ولا يُحصى من الشنائع.

لم تكن بالتأكيد تلك المرة الأولى التي يقتل فيها مسيحيون إخوةً لهم في الدين، ويستبيحون ديارهم وأموالهم وأعراضهم، لكن كان منبع الصدمة أن من فعلوا ذلك كانوا من حملة لواء الصليب، الذين نفروا من أوروبا من أجل استعادة الأراضي المقدسة في فلسطين، والتي انتزعها قبل أعوام جيوش المسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي، وفشلت الحملة الصليبية الثالثة – حملة ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا – إلا في الاسترداد الجزئي لبعض تلك الأراضي، دون واسطة العقد؛ القدس.

Embed from Getty Images

لم تقُم تلك الحملة الصليبية الجديدة التي عُرِفت تاريخيًّا بالحملة الصليبية الرابعة، بما كان مخطَّطا لها منذ أن دعا إلى تجهيزها بابا روما إينوسنت الثالث عام 1198 ميلادية، باجتياح مصر، قاعدة البلاد الإسلامية في الشرق، وموئل الجيوش التي انتزعت فلسطين وغيرها من قبضة الصليبيين، وإدارة رحى الموت والقهر على الكفار المسلمين، بحسب الكنيسة، وإسقاط حكم الملك الأيوبي العادل أخي صلاح الدين، وشريك حروبه، ومن ثمَّ تصبح فلسطين والشام لقمةً سائغة بعد قطع الرأس الإسلامي في الشرق في القاهرة.

لكن في المقابل، فإن تلك الحملة انحرفت كثيرًا في طريقها الطويل إلى القدس، وانتهى بها الحال عام 1204 من ميلاد المسيح، الموافق لعام 600 هجريًّا، إلى اجتياح القسطنطينية عاصمة الدولة المسيحية الشرقية البيزنطية.

التي كانت للمفارقة، محطة مهمة لتجميع وتجهيز الجيوش الصليبية إلى الشرق منذ الحملة الصليبية الأولى قبل أكثر من قرنٍ من الزمن، والتي كان أحد أبرز دوافع البابا أوربان الثاني إلى إشعال جذوتها، هو استغاثة الدولة البيزنطية أرثوذوكسية المذهب، بأختها اللدود، دولة البابا الكاثوليكية المتعصبة، لإنقاذها من زحف الأتراك السلاجقة المسلمين الذين ابتلعوا معظم أراضيها خلال بضعة عقود، وأصبحوا على مرمى حجرٍ من عاصمتها القسطنطينية.

لكن كيف ساقت الأقدار سيوف تلك الحملة الصليبية إلى سفك دماء المسيحيين من الكاثوليك والأرثوذوكس على حدٍّ سواء؟

الطريق إلى القدس يمرُّ بمطامع العروش وصراعاتها

تحتل الحملات الصليبية مساحة ليست بالقليلة من تاريخ العصور الوسطى في أوروبا والشرق الأوسط. وهناك على الأقل سبع حملات صليبية شهيرة استهدفت الشرق الإسلامي خلال قرنيْن من الزمان شهدا وجودًا صليبيًّا في الشرق، لاسيَّما في الشام وفلسطين.

لكن الحملة الصليبية الرابعة لها خصوصيَّتها السلبية في الرواية الأوروبية للحملات الصليبية، فقد انحرفت تلك الحملة عن أهدافها، وأصبحت تمثل عارًا مشينًا لدى المتحمسين للحملات الصليبية وملاحمها، يفوق عار المذابح التي ارتكبتها الحملة الصليبية الأولى ضد المسلمين واليهود في القدس بعد اقتحامها. وقد تجلَّى ذلك العار الصليبي في نزع الرضا البابوي عن تلك الحملة، وتوقيع الحرم الكنسي على المشاركين فيها.

عندما دعا البابا لشن تلك الحملة عام 1098م، لم تكن الأمور في أوروبا على ما يُرام بالنسبة إليه؛ إذ كان التناحر السياسي بين القوى الأوروبية على أشده لاسيَّما بين ملوك ألمانيا وإنجلترا، فكانت الاستجابة فاترة، إلا من بعض المقاطعات الفرنسية والإيطالية. وأسندَت قيادة الحملة أولًا لقائدٍ فرنسي، لم يلبث أن تُوُفِّي بعد عاميْن وحلَّ محلَّه كونت إيطالي اسمه بونيفيس، والذي سيلعب دورًا خطيرًا في مصائر تلك الحملة.

Embed from Getty Images

على مدار عام 1099م = 595 هـ، كانت الاستعدادات تُجرى على قدمٍ وساق لتجهيز تلك الحملة الصليبية، وفُرِضَت من قبل الكنيسة الكثير من الضرائب لتمويل تلك الحملة الضخمة، والتي كان هدفُها الأبعد، هو استعادة القدس التي حرَّرها صلاح الدين الأيوبي من الاحتلال الصليبي قبل 12 عامًا، وذلك من خلال توجيه ضربةٍ قاصمة إلى الدولة الأيوبية في مصر. وجرى الاتفاق مع جمهورية البندقية الإيطالية، عملاق التجارة البحرية آنذاك، على القيام بمهمة نقل الحملة بحرًا إلى مصر.

خلال السنوات القليلة السابقة والمُزامنة للإعداد للحملة، كانت الدولة البيزنطية تشهد مرحلة من الاضطراب السياسي، وصراعات العرش، كما ظهرت بعض الوشائج غير المعتادة بين رموزٍ صليبية وبيزنطية، لعبت دورًا في مسرح الأحداث تلك الفترة، فقد كان للقائد الصليبي بونيفيس الذي آلت إليه قيادة الحملة الصليبية الرابعة في الخطوات الأخيرة من تجهيزها عام 1201م، أخٌ يسمى كونراد، تزوَّج من ابنة إمبراطور بيزنطي يعرف بإسحاق الثاني، والذي انقلب عليه أخوه ألكسيوس الثالث عام 1195م، وسمَّل عينيه، وألقى به في السجن لسنوات.

وكان لإسحاق هذا ابن صغير يسمى ألكسيوس – على اسم عمه وخصم أبيه – والذي نجح في الفرار من القسطنطينية عام 1201م، ولجأ إلى بونيفيس طلبًا للانتقام من ألكسيوس الثالث. قرر بونيفيس مع ألكسيوس الابن استغلال الحملة الصليبية الجديدة لإطاحة ألكسيوس الثالث، وتنصيب الابن محلَّ أبيه إسحاق، لكن فشلت محاولات إقناع البابا بذلك.

تاريخ

منذ 11 شهر
موقعة ملاذكرد 1071.. عندما فُتِحَت أبواب العالم والتاريخ للأتراك

على جانبٍ آخر، وبينما تجتمع قوات الحملة الصليبية في جمهورية البندقية الإيطالية على مدار عام 1202م، ظهر خلاف كبير نتيجة عجز الصليبيين الفرنسيين على سداد تكاليف النقل والإمدادات لخزانة البندقية. هنا ساوم دوق البندقية الفرنسيين على مساعدته في أمرٍ خطير مقابل موافقته على تأخير سداد الدين المستحق عليهم للبندقية.

كان الاتفاق أن يساعده الفرنسيون في حملةٍ عسكرية ضد مدينة زارا الكرواتية – أهلها من المسيحيين الكاثوليك – والتي كانت قبل فترة خاضعة لحكم دوق البندقية، لكنها تمرَّدت، وأصبحت شبه مستقلة تحت حماية خصمه ملك المجر – مسيحي كاثوليكي أيضًا ومشارك مفترض في الحملة الصليبية – فلم يجد الفرنسيون مناصًا من الموافقة.

في نوفمبر (تشرين الثاني) 1202م، اقتحمت القوات الفرنسية وقوات البندقية مدينة زارا، وقتلت المئات من سكانها، وتعرَّضت المدينة للنهب والتخريب، ولم يشفع للمدينة البائسة في وجه إخوة الدين المتحمسين، المئات من الصلبان التي علَّقوها على نوافذ البيوت، وعلى أسوار المدينة!

أما البابا، فقد ندَّد بشدة بما حدث، لكنه خوفًا من إفساد الحملة الصليبية بالكلية، أصدر عفوًا مشروطًا عن المشاركين فيها باستثناء البنادقة الذين صبَّ جام غضبه عليهم.

الحملة الصليبية في الطريق إلى القسطنطينية!

وجد ألكسيوس الابن الفرصة سانحة بعد ما حدث في زارا، فعرض على قادة الحملة الصليبية عرضًا سخيًّا بأن الحملة الصليبية إن أخذت طريق البر، وانعرجت على القسطنطينية، وساعدته في إطاحة ألكسيوس الثالث قاتل أبيه، وتولي العرش البيزنطي محلَّه، فإنَّه سيُخضع الكنيسة البيزنطية لكنيسة روما الكاثوليكية، وسيدعم الحملة الصليبية بمبالغ سخية للغاية وقواتٍ محاربة للمساعدة في غزو مصر والشام.

Embed from Getty Images

سال لعاب القادة للعرض السخي، لاسيَّما والحملة تعاني من مصاعب مالية جمَّة، ومطامع شخصية أكثر، بينما انسحب بعض الجنود والفرسان لاعتراضهم على انحراف الحملة عن أهدافها، وهكذا لم يأتِ صيف عام 1203م إلا وكانت جيوش الحملة الصليبية الرابعة – أو ما بقي منها – تحت أسوار القسطنطينية، وشرعت في فرض الحصار عليها.

ما إن بدأ الهجوم الصليبي على الجزء الشمالي من القسطنطينية، وبدأ قصف المجانيق يشتد، حتى ثار أهالي المدينة وأعيانها ضد ألكسيوس الثالث، فدخلها ابن أخيه على أكتاف الصليبيين، ونصَّب نفسه – مع أبيه الذي أُفقد البصر – إمبراطورًا على العرش البيزنطي، وتلقَّب بألكسيوس الرابع.

حاول ألكسيوس الرابع الإيفاء بالتزاماته للصليبيين، ففرض ضرائب باهظة على أهل القسطنطينية؛ مما قلب الرأي العام تجاهه من الضد إلى ضد في أسابيع قليلة، لاسيَّما وأن القوات الصليبية المرافقة له داخل المدينة قد اكتسبت عداء السكان لاعتداءاتها المتكررة وتحرشاتها، وأصبح الانفجار محتومًا مع تنامي مشاعر العداء والتعصب ضد الصليبيين خصوم المذهب.

استغلَّ بعض رجال القصر تنامي العداء الشعبي ضد ألكسيوس، وقاموا بانقلابٍ ضده مطلع عام 1204م = 600 هـ، وقتلوه خنقًا، ثم ألقوا بأبيه إسحاق في غياهب السجن مجدَّدا، لكنه لم يتحمَّل هذه المرة ومات خلال أيام قليلة. وكان العداء للصليبيين جليًّا من قِبل المنقلبين، وبدا أن الأمور لن تمر بسلام.

شعر الصليبيون لاسيما الفرنسيون والبنادقة بأنهم قد خسروا كل شيء، فأعلنوا الحرب على القسطنطينية، وفرضوا حصارًا مطبقًا على المدينة، وشنوا هجماتٍ متكررة عليها، وضربوا عرض الحائط بكل مناشدات البابا وغيره بالتوقف عن إهراق الدماء المسيحية، وفي أبريل (نيسان) 1204م، اقتحمت الجيوش الصليبية مدينة القسطنطينية، ووقعت الواقعة.

المذبحة والاحتلال

ولَجَأَ عَامَّةُ مَنْ بَقِيَ مِنْهَا إلى كنيستها العظمى المسماة أياصوفيا، فقصدهم الْفِرِنْجُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْقِسِّيسُونَ بِالْأَنَاجِيلِ لِيَتَوَسَّلُوا إِلَيْهِمْ ويتلوا ما فيها عليهم، فما التفتوا إلى شيء من ذلك، بَلْ قَتَلُوهُمْ أَجْمَعِينَ أَكْتَعِينَ أَبْصَعِينَ وَأَخَذُوا مَا كَانَ فِي الْكَنِيسَةِ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْأَذْهَابِ وَالْأَمْوَالِ الَّتِي لَا تُحْصَى. *ابن كثير الدمشقي واصفًا استباحة الصليبيين للقسطنطينية – كتاب البداية والنهاية

تُجمع كافة المصادر الغربية، والشرقية العربية، على شناعة ما ارتكبه الصليبيون بعد اقتحامهم القسطنطينية، ووصفته الموسوعة البريطانية بأنه واحد من أسوأ وقائع استباحة المدن المغلوبة في التاريخ الإنساني.

في يوم 12 أبريل 1204م، ذبح الصليبيون الآلاف من سكان القسطنطينية في الشوارع والبيوت، ولم يفرقوا بين صغير وكبير، أو رجل وامرأة. وركزوا جهود السلب والنهب والتخريب على الكنائس والأماكن المقدسة في المدينة؛ لما احتوته خزائنها من الكنوز والأموال الوفيرة، وكذلك للانتقام من الكنيسة الشرقية والتنكيل بها، تنفيسًا عن الخلاف العقائدي الطويل بين الطرفين.

لم تُجدِ تنبيهات البابا الكثيرة للصليبيين، وتهديده بتوقيع عقوبة الحرمان الكنسي نفعًا في كبح شهوات الانتقام والتدمير التي ساقتهم سوقًا في ذلك اليوم، كما أخلَّ القادة بشرف الأيمان المغلظة التي أعطوها للبابا في الحفاظ على هوية الحملة الصليبية وهدفها الرئيس.

بعد إحكام السيطرة على المدينة، نصب الصليبيون إمبراطورًا جديدًا في القسطنطينية اختاره مجلس مكون من ستة من القادة الصليبيين الفرنسيين، وستة من نظرائهم البنادقة، كما نُصب لكنيسة القسطنطينية بطريركًا جديدًا من البندقية، في سابقة لم تحدث في قرون تاريخ الدولة البيزنطية، وتقاسم الصليبيون الفرنسيون والبنادقة غنائم القسطنطينية التي لا تُعد ولا تحصى، بينما بقي في حوزة البيزنطيين أراضٍ قليلة في آسيا الصغرى، تولى الحكم فيها واحد من أمرائهم.

أما الهدف الأصلي لتلك الحملة، فقد وصلت قوات قليلة من الحملة الصليبية برًّا وبحرًا إلى عكا في الشام، وبدأت في الاستعداد مع صليبيي الشام لتنفيذ الغرض الأصلي للحملة، فحشد الملك العادل الأيوبي جيوشه من مصر والشام، وجرت مناوشات عديدة بينه وبين الجيش الصليبي، ما لبثت أن آلت إلى مفاوضاتٍ وهدنة طويلة، لاسيَّما وقد قدم العادل للصليبيين بعض التنازلات في حصون الشام مقابل السلام، ولم تُشن حملات صليبية كبرى على مصر والشام لمدة 10 سنوات تالية.

أما القسطنطينية، فلن تعود إلى الحظيرة البيزنطية، وتتحرر من الاحتلال الصليبي اللاتيني قبل 60 عامًا، وبالتحديد في عام 1261م.

تاريخ

منذ 3 شهور
قصة الانتصار العثماني الكبير الذي فتح الأبواب إلى القسطنطينية

لن يهنأ البيزنطيون طويلًا باستعادة عاصمتهم وروحها البيزنطية اليونانية وهويتها الدينية المسيحية الأرثوذوكسية؛ فبعد عقودٍ قليلة، سيتشكل على مرمى حجرٍ مما بقي من أراضي الدولة البيزنطية في آسيا، قوة إسلامية فتية، هي الدولة العثمانية، والتي سيكون غزوُ الأراضي البيزنطية والنفاذ عبرها إلى أوروبا المسيحية هو شغلها الشاغل.

ولن يمر قرنٌ ونصف القرن إلا وقد انتزع العثمانيون القسطنطينية في عهد سلطانهم الشهير محمد الفاتح، وتصبح عاصمة الدولة الأقوى في العالم الإسلامي لما يقارب خمسة قرون. وللمفارقة، فلن يقترن الفتح العثماني الغريب دينًا وثقافة عن القسطنطينية بمثل ما اقترن به الفتح الصليبي لها من شناعات قبل قرنين ونصف.

المصادر

تحميل المزيد