في الآونة الأخيرة، ومع اقتراب سباق الانتخابات الرئاسية الفرنسية المرتقبة في أبريل (نيسان) 2022، صارت تصريحات المرشحين المحتملين، بمثابة استفتاء على المسلمين، ودينهم، ومظهرهم، وبقائهم في المجتمع الفرنسي الأكثر قلقًا؛ إذ تلعب قضايا الأمن و«محاربة الإرهاب» دورًا أكبر في خيارات الناخبين الفرنسيين في انتخابات 2022، بنسبة 86٪، وذلك وفق نتيجة استفتاء رأي نشرته صحيفة «الجارديان»، بارتفاع بمقدار 26% عن مايو (آيار) 2020، رغم ظهور بوادر أزمة اقتصادية تلوح في الأفق.

ويمكن القول إن دمج جميع فئات مسلمي فرنسا في المجتمع الفرنسي بات قضية سياسية ملحة في السنوات الأخيرة؛ إذ يوجد في فرنسا ما يقدر بـ5 ملايين مسلم، مشكلين أكبر أقلية مسلمة في أوروبا، ونشرت «اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان-  CNCDH»، التابعة لوزارة الخارجية الفرنسية، في تقريرها لعام 2019، أن 44.6٪ من الفرنسيين اعتبروا الإسلام تهديدًا للهوية الوطنية الفرنسية، في حين ذكر مسح وزاري بالعام نفسه أن 42٪ من المسلمين أفادوا بتعرضهم للتمييز بسبب دينهم أثناء فحص الشرطة والبحث عن عمل أو إقامة، وكانت مؤسسات الخدمات العامة مسؤولة عن 59% من حوادث التمييز.

تسببت تلك الإحصاءات ونتائج استطلاع الرأي في شعور المتنافسين المحتملين على كرسي الإليزيه بأنهم مضطرون لحل أزمة المسلمين في بلدهم، وتقديم إجابة لسؤال ملح، حول ما يجب فعله مع تلك الأقلية الدينية الأكبر في فرنسا، فحتى لو لم يظهر كل المرشحين درجة التطرف وكراهية المسلمين نفسها، إلا أنهم متفقون على ضرورة القيام بشيء ما ضد مسلمي فرنسا، من أجل الفوز.

بدوافع قومية.. الموسم الثاني لازدهار العنصرية

يرجع القلق الوطني الفرنسي من توافق الإسلام مع الجمهورية الفرنسية على الأقل إلى السبعينات والثمانينات، عندما جاء المهاجرون الذين قدموا للعمل عمال مؤقتين من المستعمرات الفرنسية السابقة، خاصة في شمال أفريقيا، وبدأوا في الاستقرار بشكل دائم في فرنسا، وأطلق هذا الواقع العنان لسلسلة من محاولات الدولة لإدارة اندماج المسلمين. فقد حاولت الحكومات المتعاقبة منذ الثمانينات، تشكيل نوع من الإسلام خاص بفرنسا، بدعوى دمج الأقلية المسلمة في البلاد ومحاربة التطرف الإسلامي.

كان هدف الحكومات من ذلك، «خلق إسلام» يتوافق مع القيم الوطنية، ولا سيما العلمانية، ويكون محصنًا من التفسيرات الراديكالية التي سيطرت على بعض المناطق في العالم الإسلامي.

Embed from Getty Images

وقد رصدت صحيفة «ذي أتلانتك» في تحليلها المحاولات السابقة لتقنين نوع من الإسلام الفرنسي، أو تحويل الإسلام في فرنسا إلى إسلام فرنسي، والتي كانت تشابكت فيها فرنسا مع البلدان الأصلية للمسلمين الفرنسيين، وخاصة المغرب، والجزائر، وتركيا.

ففي عام 2015 وقع الرئيس الفرنسي آنذاك، فرانسوا هولاند، صفقة مع النظام الملكي المغربي لإرسال أئمة فرنسيين إلى معهد تدريب في الرباط، لكن تجربة المنظمات القائمة التابعة للدولتين فشلت في تمثيل الجاليات المسلمة المتنوعة في فرنسا، وقوضت اندماج المسلمين في المجتمع الأوسع، ووفقًا لحكومة ماكرون فقد خلق ذلك مساحة لـ«الأيديولوجيات الخطرة». في الوقت نفسه يرى العديد من المسلمين الفرنسيين المحاولات الفرنسية لدمجهم هي محاولات لـ«تدجين الإسلام»، وطريقة لاستيعابه بهدف القضاء عليه.

تصاعد الخطاب المعادي للمسلمين بقسوة خلال الحملات الانتخابية الرئاسية السابقة في أبريل 2017، والتي جرت تحت حالة الطوارئ الرسمية في فرنسا، وفرضها فرانسوا هولاند في اليوم التالي لهجمات باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، في أعقاب العديد من الهجمات المسلحة المدمرة التي ارتكبها متشددون فرنسيون أو أوروبيون منتمين إلى «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» أو متأثرين به؛ ما أثار الرأي العام تجاه المواطنين والمهاجرين المسلمين الموجودين في فرنسا منذ قرون.

وفي السياق نفسه، يذكر تحليل «ذي أتلانتيك» إحصاءات تفيد بانضمام ما لا يقل عن 1700 مواطن فرنسي إلى صفوف تنظيم «داعش» في العراق وسوريا منذ عام 2013؛ لكن حتى وإن كان هؤلاء الفرنسيين، وراء العديد من الهجمات التي واجهتها فرنسا في عامي 2015 و2016، فلا يعني هذا ربط السياسيين الهجرة بالتعددية الثقافية من جهة وانعدام الأمن من جهة أخرى.

وقد أوضحت صحيفة «ذا لوكال» بعض الأنماط السلبية التي يرى السياسيون وضع المهاجرين خلالها، والتحقق من الادعاءات المقدمة من قبل السياسيين والشخصيات العامة، والتي من بينها ارتكاب المهاجرين الكثير من الجرائم، ففي حين أن 15% من المدانين بجرائم من الأجانب، ويشكلون 7.5% من السكان، فإن غالبية تلك الإدانات تتعلق بمخالفات بسيطة، أو جرائم تتعلق بوضعهم كمهاجرين، مثل العمل بدون أوراق.

وتشير الأرقام الصادرة عن «هيئة الإحصاء الوطنية الفرنسية» إلى أن حوالي 10% من سكان فرنسا من المهاجرين، لكن تلك الحقيقة المجردة تخفي مجموعة كبيرة من الأشخاص المتنوعين، بدءًا من الوافدين الجدد إلى الأشخاص الذين كانوا هناك منذ عقود عديدة وحصلوا على الجنسية الفرنسية،

وفي سياق إجمالي، فقد قدِم حوالي 272 ألف مهاجر إلى فرنسا في عام 2019، دون حصر المهاجرين غير المسجلين رسميًا في فرنسا – طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم – ومن تجاوزوا مدة التأشيرة، أو فشلوا في تسوية أوضاع إقامتهم، إذ يصعب حصر هؤلاء، لكن الأرقام التقديرية قدرتهم بنحو 250 ألفًا، يعملون في وظائف مؤقتة، مثل توصيل الطعام، والطرود، أو في البناء.

جدير بالذكر، أنه رغم انخفاض عدد طلبات اللجوء حول العالم بسبب تفشي جائحة كورونا، واجراءات الإغلاق الكلي؛ إلا أن فرنسا ظلت الوجهة الثالثة في أوروبا لطالبي اللجوء العام الماضي، بعد ألمانيا وإسبانيا، ولم تزل المستعمرات الفرنسية السابقة تمثل نسبة كبيرة من الوافدين الجدد. فـ32% ممن هاجروا إلى فرنسا في عام 2019 كانوا من دول أوروبية، في حين كانت المجموعة الأكبر بنسبة 41% من قارة أفريقيا، وخاصة المغرب والجزائر وتونس، ويعد الجزائريون الآن أكبر جالية أجنبية في فرنسا، إذ يمثلون 12.7% من المهاجرين، يليهم المغاربة والبرتغاليون.

انتخابات 2022.. الطريق إلى الإليزيه ممهد بالعنصرية

تطول قائمة الأشخاص الذين يأملون في إحداث اضطراب وإزاحة إيمانويل ماكرون، مع بقاء ستة أشهر فقط قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2022. لم يعلن ماكرون بعد أنه سيرشح نفسه لولاية ثانية، لكن من المتوقع أن يفعل قريبًا، وتشير استطلاعات الرأي، في الوقت الحالي، إلى احتمالية فوز ماكرون، لكن من المعروف أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية لا يمكن التنبؤ بها؛ لأن ماكرون نفسه هو المثال الأشهر عل ذلك، عندما أطلق حركة سياسية وسطية قبل أشهر فقط من انتخابات عام 2017، التي فاز بها.

وصل الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون إلى كرسي الرئاسة عام 2017، في أعقاب موجة من الاعتداءات الإرهابية التي استهدفت باريس وضاحية سان دوني في نوفمبر 2015، وحاول منذ ذلك الوقت وقف انتشار الإسلام السياسي، دون أن يُنظر إليه على أنه يتدخل في الممارسات الدينية، أو ينتقي دينًا بعينه.

أرضٌ بلا شعب و"العثمانيون محتلون".. ماكرون يعيد كتابة تاريخ الجزائر على هواه - «قمع المسلمين منحى وطني".. هل يصبح مسلمو فرنسا كبش فداء انتخابات 2022؟

أيد المسلمون ماكرون في انتخابات عام 2017، وتحدث المرشح الشعبي المستقل وقتئذ عن ضرورة «مساعدة المسلمين على إعادة هيكلة الإسلام في فرنسا»، لكن بعد ذلك الحين لاحظ المسلمون تحولًا هائلًا في أفكاره نحو اليمين في قضايا الهجرة والأمن، حتى شعروا بأنه تخلى عنهم!

في البداية حاول ماكرون التغاضي عن الملفات الأهم للفرنسيين، مثل الهجرة والإسلام السياسي، وفضل التحدث عن التعافي بعد الجائحة، وكشف النقاب عن خطة استثمار مدتها خمس سنوات بقيمة 30 مليار جنيه إسترليني مصممة لتعزيز صناعات التكنولوجيا الفائقة وتسريع التحول إلى الاقتصاد الأخضر، لكنه شعر أيضًا بأنه مضطر لإنكار فكرة «فرنسا متعددة ثقافيًا» خلال ولاية ثانية محتملة.

وعليه أعلن ماكرون في سبتمبر (أيلول) 2019 أن التأشيرات المتاحة للمهاجرين من الجزائر والمغرب وتونس ستُخفض بشكل كبير، وعلق في مقابلة إذاعية أنه «لا يمكن لفرنسا أن تستضيف الجميع إذا كانت تريد استضافتهم بشكل جيد». وتحدث ماكرون في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 عن ضرورة الضغط على المؤسسات الإسلامية للتوقيع على «ميثاق القيم الفرنسية»، والذي بموجبه يوقع الأئمة على الاعتراف بالقيم الجمهورية الفرنسية، ورفض الإسلام كحركة سياسية، وحظر النفوذ الأجنبي.

علاوة على تدريب الأئمة داخل فرنسا على القيم الثقافية وليس النصوص الدينية، على أن يكون توقيع الإمام شرطًا مقابل اعتماده، وقد حذر ماكرون أيضًا من أن «الإسلاموية» تقوض وحدة الجمهورية، وأعلن مشروع قانون جديد يقيد حق النساء في ارتداء الحجاب الإسلامي في الأماكن العامة؛ ما دفع المسلمين للتساؤل عما إذا كان ينبغي عليهم مغادرة فرنسا.

أظهرت نبرة ماكرون المتطرفة ضد التعددية مع اقتراب انتخابات 2022 الرئاسية، حاجته لأصوات اليمينيين إذا أراد البقاء في السلطة، خاصة بعدما أطلق فاليري بيكريس وكزافييه برتران – وهما زعيمان من يمين الوسط يتنافسان على خلافة الرئيس ماكرون – انتقادات واسعة بشأن ما اعتبروه «فشلًا في تضييق الخناق على الإسلام الراديكالي»، واعتبرا تلك القضية «كعب أخيل» ماكرون، وصورا نفسيهما على أنهما ألد خصوم الإسلاميين الراديكاليين في معركتهما، ليجري اختيارهما مرشحين لجبهة اليمين الوسط.

وأين تذهب أصوات اليمين المناهض للمهاجرين؟

تجمع قضية الهجرة معظم المرشحين الرئاسيين المنتمين للتجمعات الوطنية مهما كانت خلافاتهم حول موضوعات أخرى مثل الاقتصاد، وقد أظهر بحث مدى أهمية تلك النقطة في بناء الدعم لليمين المتطرف في فرنسا منذ عام 2000. تنقسم قضية الهجرة بالنسبة للناخبين إلى جزء يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالهوية الثقافية وتاريخ بلدهم، والجزء الأساسي الآخر يكمن في رفض الدين الإسلامي بأشكاله ورموزه الأكثر وضوحًا، مثل الحجاب، والمتاجر الحلال، والمساجد.

Embed from Getty Images

تسبب ذلك في وجود علاقة قوية بين المناطق التي ترتفع فيها نسبة المهاجرين وتلك التي ترتفع فيها احتمالية التصويت لليمين المتطرف وتقبل أفكاره، وسقطت المدن الفرنسية في قبضة اليمين المتطرف بسبب مزيج من سوء الإدارة والانشقاق المتزايد بين الأحزاب التقليدية؛ ما جعل المشهد الأهم في الانتخابات الفرنسية الرئاسية لعام 2017، هو فوز لوبان بالجولة الأولى بنسبة 28٪ من الأصوات، بينما جاء ماكرون في المركز الثالث، ثم خسارة لوبان الجولة الثانية أمام ماكرون، وحصولها على 45٪ من الأصوات مقابل 55٪ لماكرون.

سمحت تلك اللحظات الانتخابية لحزب التجمع الوطني اليميني بترسيخ نفسه بقوة في المدن الفرنسية المتضررة من الهجرة وانعدام الأمن تحت لواء ماريان لوبان، وهي زعيمة الجبهة الوطنية القومية وابنة مؤسس الجبهة الوطنية، جان ماري.

كانت ماريان لوبان واضحة بخصوص موقفها من الإسلام في جولاتها الانتخابية السابقة عام 2017، فنشرت صحيفة «واشنطن بوست» تصريحها في الخطاب الذي أعلنت فيه ترشحها للرئاسة، حين وصفت الإسلام بـ«الأيديولوجية التي تريد من فرنسا أن تركع على ركبتيها»، ووعدت لوبان بالوصول بفرنسا للصدارة بتحريرها من «طغيان» العولمة والأصولية الإسلامية والاتحاد الأوروبي، ثم صرحت مارين لوبان في عام 2018 بأن «الجريمة نتيجة الهجرة»، وهي حجة تُستخدم الآن على نطاق واسع فيما يتعلق بالهجرة والإرهاب، خاصة وأن الناخبين اليمينين ما زالوا مقتنعين بحديث والد لوبان بأن المهاجرين يسرقون فرص التوظيف من الشعب «الفرنسي»، الفارق أن لوبان تستبدل «المهاجرين» بـ«المسلمين والعرب»، على حد تعبير التقرير المنشور في «الكونفرسيشن».

تكافح لوبان اليوم من أجل الفوز، وسط صعوبات في إدخال ديناميكيات جديدة في برنامجها، والتخلي عن بعض آرائها المتطرفة، في محاولة لاستمالة ناخبين أكثر اعتدالًا من خلال تخفيف حدة الخطاب الملتهب لحزبها، لكن لم تزل تتمسك بموضوعاتها المفضلة في أحاديثها، وهي الهجرة والأمن، ومن بين الإجراءات التي أوجزتها عند فوزها بالرئاسة هي إنهاء التجنس عن طريق الزواج والمواطنة التلقائية للأشخاص المولودين على الأراضي الفرنسية، كما تخطط لتقييد الحصول على العلاوات العائلية على الفرنسيين فقط، لكن واقعية أفكارها المتطرفة لم تكن كافية لشفاء صدور المتطرفين، وربما ينتهى بها الأمر بخسارة الطرفين.

لكن.. هل تحمل الأسابيع القادمة مفاجأة؟

استغل أحد المتلاعبين المتشددين اليمينيين تلك الثغرات في ملف لوبان، واقتنص فرصة «رهاب الإسلام» التي يعاني منها الفرنسيون، مع لغته المتعصبة وعنصريته اللامحدودة، فإريك زمور، المعروف بـ«دونالد ترامب الفرنسي»، ورغم عدم إعلانه ترشحه رسميًا بعد، بات يهدد بتفتيت أصوات اليمين.

اشتهر زمور، 63 عامًا، باستفزازاته للمسلمين والمهاجرين والنساء، وأدين في عام 2011 بالتحريض على التمييز العنصري، ثم بالتحريض على الكراهية تجاه المسلمين في عام 2018، ومن آرائه أن فرنسا في حالة تدهور جيوسياسيًا واقتصاديًا بسبب الهجرة و«أسلمة» المجتمع و«تأنيثه»، وصاحب فكرة منع المسلمين من إطلاق اسم «محمد» على مواليدهم.

Embed from Getty Images

كان إريك زمور في المرتبة الثالثة بعد لوبان في نتائج استطلاعات الرأي حتى بداية أكتوبر 2020 ، وأشارت استطلاعات الرأي على مدار الصيف الفائت، إلى أن النتيجة الأكثر توقعًا حاليًا هي جولة الإعادة الثانية لماكرون ولوبان كما كانت في عام 2017، حتى أظهر استطلاع رأي للمرة الأولى أجرته مؤسسة «هاريس انتراكتيف» في بداية أكتوبر 2021، تفوق اليميني المتطرف إريك زمور على زعيمة اليمين التقليدية ماريان لوبان.

فحقق ماكرون نسبة 24%، ثم تلاه زمور بنسبة 17%، بعد أن كانت نسبته 4% منذ عدة أسابيع وتحديدا في سبتمبر 2021، ما يجعله مرشحًا للتأهل للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية أمام إيمانويل ماكرون، ليضيف زخمًا إلى حملة زمور المناهضة للهجرة والإسلام، على الرغم من أنه لم يعلن رسميًا بعد نيته الترشح.

أثار زمور ضجة مؤخرًا ليس عبر استطلاعات الرأي فقط، لكن كان هناك أربعة أضعاف عمليات البحث على «جوجل» الشهر الماضي عن زمور، مقارنة بماكرون، و16 مرة أكثر من لوبان. جاء ذلك التطور المفاجئ بعدما دارت واحدة من أهم المناظرات حتى اليوم بين جبهتي اليسار المتشدد واليمين المتطرف في آخر سبتمبر 2021، بين المرشح اليساري جان لوك ميلينشون، وإريك زيمور.

وتجدر الإشارة إلى أن أصول المتناظرين تعود إلى المنطقة العربية، فالأول جان لوك ميلينشون، مغربي الأصل، وزعيم حركة «فرنسا الأبية» وشعاره «فكرة يجتمع حولها البشر ليخلقوا شيئًا مشتركًا»، ويستعد للترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة للمرة الثالثة بعد انتخابات عام 2012 و2017.

أما زيمور فقد ولد في فرنسا لأسرة جزائرية يهودية هاجرت إلى فرنسا خلال الحرب الجزائرية، ورغم ذلك لا يشارك ميلينشون وجهة نظره؛ فصرح زمور خلال المناظرة بأن الإسلام يتعارض مع شعار الجمهورية الفرنسية «الحرية والمساواة والأخوة»، وأن هناك من يشن حربًا ضد فرنسا، وأعرب عن مخاوفه من اندلاع حرب أهلية في فرنسا؛ لأن «الإسلام في الأساس هو دين يحمل أيديولوجية سياسية، وتعارض مفاهيمه أسس المجتمع المدني»، على حد تعبيره.

لا انتخابات لمسلمي هذه البلد!

يمثل المسلمون نقطة محورية في الخطاب العام الفرنسي حاليًا، وفي الوقت نفسه هم غائبون عن المشاركة في ذلك الرأي، ففي تقرير صدر عام 2016 عن الإسلام في فرنسا، نشره «المعهد الفرنسي للرأي العام (Ifop)» ومعهد مونتين للأبحاث أن المسلمين الفرنسيين لم يسمعوا عن مرشح يعرف عن وضعهم، أو استشعروا فيه أملًا لتغيير الوضع؛ ما يزيد من امتناع مسلمي فرنسا عن التصويت.

Embed from Getty Images

ازداد الأمر تعقيدًا مع إجماع كل الأطياف السياسية على قضايا اليمين المتطرف، عدا قلة من اليسار يتوقع المحللون ألا يظلوا صامدين حتى أبريل 2022؛ فيتشارك مع اليساري ميلينشون في جبهة «غير المتطرفين» من المرشحين عمدة باريس الاشتراكية آن هيدالغو، و«حزب الخضر الفرنسي» الذي أعلن ترشح يانيك جادوت في انتخابات 2022 الرئاسية.

يحاول «حزب الخضر» دفع عجلة التفاؤل بعد نجاحاته المذهلة في الانتخابات المحلية 2020، وهزيمة تحالفات اليمين والحزب الحاكم، لكن تجب الإشارة إلى أنه لم يكن للحزب أي تأثير على المستوى الوطني من قبل بسبب افتقار مرشحيهم للشعبية، واهتمامهم المتزايد بالقضايا البيئية والذي لا يشاركهم فيه الفرنسيون، بخلاف نظرائهم الخضر في ألمانيا، والذين حققوا أفضل نتائج في تاريخهم في الانتخابات الفيدرالية أواخر سبتمبر 2021، وصاروا على مشارف تشكيل حكومة ائتلافية.

يعمق ذلك شعور المسلمين والمهاجرين الفرنسيين بالانفصال والعزلة، فقد بدأت الحكومة الفرنسية في استخدام سلطتها المنصوص عليها من قانون الأمن الداخلي بحل أية منظمة تثير أو تروج لنظريات تشجع أو تبرر التمييز والكراهية، ردًا على أحداث مقتل مدرس تاريخ فرنسي، وعليه، تحدث وزراء فرنسيون عن استهداف للجمعيات المتواطئة فكريًا مع المسلمين، واعتبروه جزءًا من حملة أوسع ردًا على «الهجمات الإرهابية المنسوبة لمتطرفين إسلاميين» على حد تعبيرهم!

وقد أكدت الحكومة في ديسمبر 2020 على توسعة السلطة الأمنية القائمة على مشروع «قانون القيم الجمهورية»، والذي ضم قيودًا على الحريات الإعلامية، والحق في التعبير والاحتجاج، وحرية تكوين جمعيات، وأعلن وزير الداخلية أن الحكومة ستتخذ إجراءات بالغلق ضد 76 مسجدًا، و51 جمعية، ومدارس يُشتبه في أنها «انفصالية»؛ ما اعتبرته منظمة «هيومن رايتس ووتش (HRW)»، جنبًا إلى جنب مع منظمات حقوقية دولية وفرنسية ومحامين؛ تقييدًا للحق في حرية تكوين الجمعيات، وحرية الدين والمعتقد، وحرية التعبير، كما اعتبروا حل الجمعيات تهديدًا واضحًا ووشيكًا بالعنف.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد