«لن يمروا»، تغريدةٌ قصيرةٌ نشرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 16 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، عقب مقتل مدرس التاريخ الفرنسي صامويل باتي بقطع رأسه على يد لاجئ من أصول شيشانية، بعد عرض باتي لرسوم كاريكاتورية للنبي محمد على تلامذته.

تلك التغريدة التي نشرها الرئيس الفرنسي، كانت ضوءًا أخضر، لتنفيذ إجراءات أمنية عدَّة في إطار تشديد الحملة على ما وصفه بـ«التطرف الإسلامي» في بلاده.

ولكن المفارقة أن لفرنسا تاريخًا طويلًا وممارسات عديدة مع قطع الرؤوس أثناء استعمارها لأفريقيا ودول المغرب العربي في القرنين التاسع عشر والعشرين. وفي هذا التقرير نذهب في جولة تاريخية قصيرة نستعرض فيها كيف ركّز الاستعمار الفرنسي على أسلوب قطع الرؤوس والتمثيل بها عدا عن اعتزازه بذلك.

سليمان الحلبي.. ثائر من الشام لمصر

في منتصف عام 1800، وقعت الحادثة الشهيرة حين اغتال المقاوم السوري، سليمان الحلبي، قائدَ الحملة الفرنسية على مصر، جان بابتيست كليبر، بعد أن دخل قصره متنكرًا ليعرض طلبًا على الجنرال الفرنسي، وما أن اقترب منه حتى انقض عليه وأنهى حياته بطعنات قاتلة.

وبعد القبض على الحلبي، تشكَّلت محكمة عسكرية في 15-16 يونيو (حزيران) 1800 لمحاكمته. استغرقت المحاكمة أربعة أيام فقط، لتسفر التحقيقات فيها عن توجيه اتهام للحلبي ورفاقه الأزهريين، الذين أفضى إليهم بعزمه على تنفيذ خطته رغم إنكارهم، كما وُجِّه الاتهام إلى معلمه مصطفى البرصلي، وطلب القاضي من المتهمين أن يستعينوا بشخص يُدافع عنهم أمام المحكمة، لكنهم لم يستطيعوا ذلك، فطلبت المحكمة مترجمًا للدفاع عنهم.

وفي 17 يونيو (حزيران)، أصدرت المحكمة حكمًا بإحراق اليد اليمنى لسليمان الحلبي، وإعدامه على «خازوق» وترك جثته ليأكلها الطير.

سليمان الحلبي

لوحة تبيِّن سليمان الحلبي (على يسار الصورة) بعد اغتياله للجنرال الفرنسي كليبر

وحكم بإعدام رفاقه بقطع رؤوسهم وإحراق جثثهم بعد تنفيذ الإعدام، وبراءة مصطفى البرصلي وإطلاق سراحه.

ويروي المؤرخ السوري خير الدين الزركلي في مؤلفه «الأعلام»، طريقة قتل سليمان الحلبي، ورفاقه الذين أُعدموا معه، قائلًا: «نُفِّذ الإعدام صلبًا على الخازوق في تل العقارب، وعُلّقت إلى جانبه رؤوس ثلاثة من علماء الأزهر أفضى لهم بسره، وهم الشيخ عبد الله الغزي والشيخ محمد الغزي والشيخ أحمد الوالي، واحتفظ الفرنسيون بالهيكل العظمي من جسم سليمان، فوضعوه في متحف حديقة الحيوانات والنباتات في باريس، كما حفظوا جمجمته في غرفة التشريح بمدرسة الطب بباريس، وما زال الخنجر الذي طُعن به كليبر محفوظًا في مدينة كاركاسون بفرنسا».

«العوفية».. قصة إبادة قبيلة جزائرية

وفي ثلاثينات القرن التاسع عشر الميلادي، كان التوسع الاستيطاني للاحتلال الفرنسي في سهل متيجة الجزائري، يقتضي الاستحواذ على أراضي القبائل التي أزعجت المحتل، ومنها قبيلة «العوفية» التي شاركت في معركة «الحراش» عام 1831.

وفي ليلة 7 أبريل (نيسان) 1832، اقتحم القائد العسكري العام للجزائر آنذاك الدوق دو روفيجو، قبيلة العوفية في الجنوب الشرقي من مدينة الجزائر قرب الحراش، بفوج من الفرسان مدعومًا بسريتين من الفيلق الأجنبي الفرنسي وأمر بإبادة القبيلة.

وتروي بعض المصادر التاريخية أن أهالي القبيلة ذُبحوا وهم نيام، وبلغ عدد القتلى آنذاك 1800 ضحية، وتشير تقديرات لمؤرخين آخرين أن العدد لم يتجاوز 1200.

انتهج الفرنسيون أسلوب الإبادة الجماعية لاعتقادهم بفعاليته في تفريغ الأرض من أصحابها، ما يسهل تملكها والسيطرة عليها، ويذكر جمال يحياوي، مؤرخ جزائري، أن للإبادة صيتها الذي يخيف باقي القبائل ويردعها عن المشاركة في المقاومة.

ويذكر المؤرخ يحياوي أن شيخ القبيلة آنذاك هرَّب جنودًا فرنسيين بالبحر، بعد أن رفضوا الانصياع لأوامر قتل الجزائريين. ويذكر المؤرخ الفرنسي أوليفي لوكور جرانميزون، في كتابه «الاستعمار إبادة»، أنه بعد إبادة القبيلة قطع رأس الشيخ وأرسل هدية لأحد أطباء باريس لإجراء تجارب علمية عليه.

قطع الرؤوس من جديد.. وحتى للأطفال

في منتصف القرن التاسع عشر قاد الشيخ أحمد بوزيان انتفاضة جديدة ضد الاستعمار الفرنسي، بواحة الزعاطشة بمحافظة بسكرة، وعلى اسم المحافظة سميت هذه الثورة.

وبعد انضمام المتطوعين من سكان الواحة لصفوف المقاومة، حاصر الجيش الفرنسي الواحة في 17 يوليو (تموز) 1849، واستمر الحصار أربعة أشهر بلا نتيجة. وكاد الفرنسيون يُقتلون بعد تفشي الكوليرا، وخوف الفرنسيين على أسراهم.

فأرسلت القوات الفرنسية تعزيزات عسكرية من 5 آلاف جندي، بقيادة الجنرال إميل هيربيون، قائد محافظة قسنطينة الجزائرية، ليشن هجومًا عسكريًّا. انتهى الهجوم بمقتل قرابة 800 من سكَّانِ الواحة، ومعه حرقت المحاصيل وقطعت الأشجار.

لوحة لحصار الزعطاشة

رسمة لحصار الزعطاشة

تباهى الجنرال بحملته العسكرية ونتائجها الدموية، وقال في تقرير له مؤرخ في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 1849، إنه: «لم ينجُ سوى رجل أعمى، وعدد قليل من النساء».

ويصف الصحافي لويس دي بوديكور، في كتابه «الحرب والحكومة الجزائرية»، الصادر في 1853، بعضًا من الجرائم الوحشية التي ارتكبها الفرنسيون في تلك المذبحة، قائلًا: «اندفع أفراد الجيش بغضب على المخلوقات التعيسة (يقصد الجزائريين) التي لم تستطع الفرار، وهنا بَتَر جُندي ثدي امرأة، وأخذ جندي آخَر طفلًا صغيرًا من ساقيه وهشَّم رأسه».

طالت الوحشية الاستعمارية الشيخ بوزيان زعيم الانتفاضة، فأمر الجنرال بقطع رأسه بعد إعدامه بالرصاص، مع شخصين اثنين: ابنه الطفل الحسن، بعمر 15 عامًا، ومستشاره العسكري موسى الدرقاوي، مقاوم مصري، وعلقت رؤوسهم على أبواب المحافظة لتأديب بقية المقاومين.

«القلعي».. ثائرٌ على طريق المقصلة الفرنسية

اشتعلت شرارة المقاومة في الثائر الجزائري، بوزيان القلعي بعد سلب أراضي الفلاحين الجزائريين بقانونٍ سنَّه الفرنسيون سنة 1863، ووصفه القلعي بأنه «قانون العار».

عمل القلعي راعيًا للغنم وحطَّابا، وبدأت مقاومته برفضه لدفع الضرائب للقائد المكلف من الإدارة الفرنسية بشؤون المحليات، وانضمت له مجموعة أخرى من المقاومين. فكتب الحاكم العام تقريرًا لوزير الحرب الفرنسي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 1874، يبلغه بشأن القلعي وينذره بتأثر الجزائريين بأفكاره الثورية.

وفي 16 أكتوبر (تشرين الأول) 1875، ألقت سلطات الاحتلال الفرنسي القبض عليه، وحكمت عليه بالإعدام في مايو (آيار) 1876، باستخدام المقصلة (قطع الرأس)، في الساحة المركزية للحديقة العمومية لمدينة المحمدية بولاية معسكر، وأُرسلت جمجمته لتُعرض في متحف الإنسان بِفرنسا.

وهكذا تظلُّ جماجم المقاومين الجزائريين، محفوظة دون دفنها منذ المعارك التي قتلوا فيها، شاهدة عيان على جرائم الاستعمار الفرنسي، بل عرض بعضها في متحف «الإنسان» الفرنسي، إلى أن استعادت الجزائر رفات شهدائها في 2 يوليو (تموز) 2020.

«كبكب».. مذبحة فرنسية بالسواطير

في نهايات القرن التاسع عشر خاضت المقاومة في تشاد حربًا ضد الاستعمار الفرنسي، كانت آخرها معركة قتل فيها القائد الفرنسي، وقتل فيها رابح الزبير بن فضل الله، زعيم المقاومة والأمير السوداني مؤسس المملكة الإسلامية غرب بحيرة تشاد.

ذكرَ كمال الطيب، مؤلف كتاب «جولات أفريقية»، أن قوات الاحتلال الفرنسي قطعت رأس رابح الزبير، واحتلت عاصمته دكوة، ثم قاد المقاومة ابنُه ضد الاحتلال الفرنسي، إلى أن قُتل سنة 1909.

وفي 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 1917، دعا قادة الاحتلال الفرنسي 400 من علماء الدين الإسلامي وزعماء المنطقة والنخب المثقفة، لمناقشة إدارة البلاد تحت الحكم الفرنسي، وكيفية تصريف شؤونها، وعندما تجمع المدعوون في مدينة «أبشة» بإقليم «واداي»، دخل عليهم جنود فرنسيون بـ«سواطير حادة»، وذبحوا المدعوين بدمٍ باردٍ، ودُفنوا في مقبرة جماعيةٍ بمنطقة «أم كامل». وسُميت المجزرة باسم «كبكب» في إشارة للسواطير (القواطع الحديدية)، التي استخدمت في المذبحة.

تاريخ

منذ 8 شهور
«مجزرة كبكب».. حين ذبحت فرنسا 400 عالم مسلم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد