يبدو أن عصر «ذروة ألمانيا» قد اقترب من الانتهاء في أوروبا، إذ إن هناك الكثير من العوامل تقوض سيطرة أكبر قوة في الاتحاد الأوروبي، وأغلب هذه العوامل تتعلق بالاقتصاد، بينما في المقابل تبرز فرنسا – ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا – مستفيدة أولى من هذا الأمر، فلماذا هذا التراجع الألماني وكيف أصبحت فرنسا المساهم الأكبر في النمو بأوروبا؟ هذا ما سنحاول الحديث حوله خلال السطور القادمة.

ولكن قبل الغوص في التفاصيل الاقتصادية يجب التعرج قليلًا على الوضع السياسي فيما يخص ألمانيا وفرنسا من ناحية السيطرة في أوروبا، خاصة أن الخروج البريطاني من الاتحاد صنع حالة من المواجهة المباشرة بين البلدين، وهنا نجد أن ما قبل 2017 يختلف تمامًا عن ما بعده، فقبل 2017 كانت ألمانيا تسيطر سيطرة شبه كاملة ورغم الأزمات السياسية والاقتصادية التي مرت بها أوروبا إلا أن ألمانيا حافظت على تماسك الاتحاد الأوروبي سياسيًا واقتصاديًا.

ومع هذه السطوة كان ينظر إلى ألمانيا على أنها ليست قوية، ليس لأنها كذلك، بل لأن جيرانها ضعفاء، وهو المعنى الذي جاء على لسان ساشا دو فايس، العامل في مركز الأبحاث، والعضو في تنظيم شبكة أزمة العمل في بروكسل، خلال تقرير لـ«دويتشه فيله» نشر في سبتمبر (أيلول) 2015، كما كتبت المجلة البريطانية «ذي إيكونوميست» في 2013 أن «ألمانيا هي قوة مهيمنة، لكن مترددة».

مع كل ذلك كانت ولا زالت حتى الآن «أوروبا هي ألمانيا»، إلا أن هذا الأمر أصبح مختلفًا ما بعد منتصف مايو (أيار) 2017، عندما تولى الرئيس الشاب، إيمانويل ماكرون، رئاسة الجمهورية الفرنسية، إذ وصف حينها بأنه «أمل أوروبا الجديد»، وكانت أسواق المال على موعد مع استقبال حافل لماكرون، إذ سيطرت النظرة الإيجابية على تداولات البورصات العالمية.

خاصة أن الرجل جاء على موعد مع دفعة قوية للعولمة التي كادت أن تفقد كل أسهمها مؤخرًا مع قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفوز دونالد ترامب برئاسة أمريكا، إذ كان ماكرون بمثابة هدية للعولمة التي يتبنى الرجل سياستها، سواء من دعوته للمزيد من التعاون المالي والاجتماعي مع الاتحاد الأوروبي أو دعمه لاتفاقيات التجارة الحرة.

وخلال أول عامين لماكرون لم يكن طريقه داخليًا مفروشًا بالورود، إذ تعرض لانتقادات ولموجة احتجاجات «السترات الصفراء»، إلا أن ملامح مشروع ماكرون بدأت تظهر خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما يعزز من فرص باريس بمكانة أكبر في الاتحاد الأوروبي، خاصة أن هذا يتزامن  مع قرب نهاية «ذروة ألمانيا».

لهذه الأسباب.. الهيمنة الألمانية في أوروبا على المحك

يقول تحليل نشر على موقع «بروجيكت سنديكيت» بعنوان: نهاية «قمة ألمانيا» وعودة فرنسا، من أعداد الاقتصاديين جاسيك روزتسكي، وأرناب داس، أن نتيجة انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو الماضي، والتي خلصت إلى اختيار أورسولا فون دير لين لتكون الرئيسة المقبلة للمفوضية الأوروبية، وتكون أول ألمانية تتولى هذا المنصب منذ نصف قرن، وإن كانت تؤكد استمرار هيمنة ألمانيا على أوروبا، إلا أن التاريخ يشير إلى كون البلد المهيمن غالبًا ما يتشبث بالقيادة الرسمية عندما تتلاشى قوته، وليس عندما تتعزز.

ويقول التقرير إن الهيمنة الألمانية تستند على عدة أسس أبرزها: ضمانات الدفاع الأمريكية الدائمة، وشركات التصنيع الرائدة عالميًا في البلاد، ومركز الدائنين الضخم، لكن هذه الأسس بدأت في الانهيار، فانتشار أسعار الفائدة المنخفضة للغاية عالميًا، خاصة في منطقة اليورو، وهو ما ظهر جليًا عبر سندات العشر سنوات الإيطالية واليونانية؛ ما يعني ضمنيًا أن أزمة الديون السيادية الأخرى في المنطقة بدأت تتراجع، وهذا يعني ضعف الدور الألماني بشكل أو بآخر.

هكذا استقبلت الأسواق العالمية ماكرون.. «أمل أوروبا الجديد»

ومن ناحية أخرى فإن الكثير من المعطيات الاقتصادية الحالية حول العالم من الحرب التجارية، والتحول إلى الطاقة الخضراء، إضافًة إلى ما يسمى بالثورة الصناعية الرابعة، والتوترات الجيوسياسية، كلها تهدد بتعطيل نموذج النمو الذي تقوده الصادرات الألمانية، إذ إن البلد الأوروبي الأكبر مهدد بالركود هذا العام، مع التحديات العميقة التي تواجهها الصناعة الألمانية، خاصة فيما يخص قطاع السيارات.

الأسوأ بالنسبة لألمانيا أن جارتها اللدودة الآن، وهي فرنسا، مهيأة لأن تصبح نقطة قوة يرتكز عليها تكامل الاتحاد الأوروبي، إذ إن باريس تلعب حاليًا شبه الوساطة بين دول الاتحاد، ولديها سياسة مستقرة، في حين أن عدم امتلاكها لفائض تجاري ضخم مع بقية دول العالم يعزز من هذه الدول، فلن تدخل في صراع مصالح في بيئة عالمية تسيطر عليها الحروب التجارية والحواجز الاستثمارية، لكن ما هي العوامل الاقتصادية التي تجعل من فرنسا حصانًا أسود لاقتصاد أوروبا؟

أهلا بك في الثورة الصناعية الرابعة

النمو.. فرنسا تتفوق على ألمانيا كمحرك لاقتصاد أوروبا

يقول تقرير منشور على موقع «بلومبرج»: «إن ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو هو اقتصاد فرنسا، يتفوق على ألمانيا، فيما يخص النمو الاقتصادي»، في إشارة إلى أن فرنسا تمكنت من الصمود أمام الحروب التجارية وضعف الزخم العالمي، إذ إن النمو جاء بسبب التخفيضات الضريبية وانخفاض الاعتماد على الصادرات، رغم أن اقتصاد فرنسا لا يزال أصغر من اقتصاد ألمانيا.

التقرير أشار إلى أننا أمام صحوة للاقتصاد الفرنسي مع تراجع ألمانيا نحو الركود، إذ إن هناك أكثر من دليل على أن فرنسا تمر بحالة مختلفة أكثر، خاصًة بالاستثمار التجاري بسبب التخفيضات الضريبية للشركات، إضافة إلى الزيادات في التوظيف بعد التغييرات في قوانين العمل، إضافة إلى أن خلق فرص العمل أصبح يسير بوتيرة سريعة للغاية.

وتشير أحدث البيانات الاقتصادية إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا سجل 0.3% على أساس فصلي، بفضل تسارع الإنفاق الأسري والاستثمار التجاري، ووفق ما ذكرت «فاينانشال تايمز»، فقد فاق الاقتصاد الفرنسي توقعات المحللين في الأشهر الثلاثة المنتهية في سبتمبر الماضي؛ مما أثبت مقاومة أكبر للتباطؤ الاقتصادي العالمي مقارنة بالدول المعتمدة على التجارة، مثل ألمانيا وإيطاليا.

في المقابل فإن ألمانيا تستعد للربع الثاني على التوالي من الانكماش، مما سيدفع أكبر اقتصاد في أوروبا نحو الركود في ظل بيئة عالمية تزداد فيها التوترات التجارية، ومع اعتماد فرنسا على الخدمات والاستهلاك المحلي. بحسب الخبير الاقتصادي في بنك بيرينبيرج الاستثماري، فلوريان هينس، فإن هيكل الاقتصاد الفرنسي يعزله عن الركود العالمي، إذ تساهم الصادرات بنسبة 31% فقط من الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي، مقابل 48% لمنطقة اليورو ككل.

وفي الربع الثالث، ارتفعت الواردات الفرنسية بنسبة 1.4%، بعد أن هبطت بنسبة 0.3% في الربع الثاني من العام، وفق بيانات المعهد الإحصائي الفرنسي «إينسي»، بينما ارتفعت الصادرات 0.3%، إلا أن الإنفاق الاستهلاكي كان الدافع التقليدي للنمو، مدعومًا بتخفيض الضرائب، فيما تجاهلت الشركات حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية والتوترات التجارية العالمية، ورفعت معدل استثماراتها بواقع 1.2%.

جدير بالذكر أن البطالة في فرنسا سجلت أدنى معدل لها خلال 10 سنوات، وذلك في الربع الأول من العام الجاري، فقد انخفض معدل البطالة إلى 8,7% في الربع الأول ليبلغ أدنى مستوى لها منذ عام 2009 وفق المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية.

هكذا بدأت إصلاحات ماكرون تؤتي ثمارها في اقتصاد فرنسا

عندما تولى ماكرون «اليساري» رئاسة قصر الإليزيه في مايو (أيار) 2017، كانت ملامح برنامجه الاقتصادي تتناسب كثيرًا مع سياسيات المؤسسات المالية العالمية، إذ كشف أنه يسعى إلى تخفيض الوظائف الحكومية، ويعتزم خفض الإنفاق الحكومي من مستويات 55 – 57% إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي، إذ قال صراحة إنه يهدف إلى تفكيك نسيج النشاط الاقتصادي وخفض أعباء الدولة، بهدف معلن هو تحرير نشاط المؤسسات.

إضافة إلى ذلك تضمن برنامج ماكرون مكافحة البطالة من خلال تدريب مليون شاب ومليون من طالبي الوظائف غير المؤهلين، ورفع بعض أعباء الرواتب المنخفضة، وخفض الضريبة على الشركات من 33.3% إلى 25%، وهو المعدل الأوروبي، وإلغاء 120 ألف وظيفة في القطاع العام، وتقليل النفقات العامة بـ60 مليار يورو على خمس سنوات.

وبعد مرور عامين ونصف العام على رئاسة ماكرون يرى هينس أن «فرنسا تستفيد من السياسات الداخلية الجيدة، موضحًا أن إصلاحات ماكرون المؤيدة للنمو بدأت تؤتي ثمارها»، بينما هناك كثير من المعطيات تعكس الأرباح المبكرة من إصلاحات ماكرون التي تهدف إلى زرع بذور النمو طويل الأجل.

ويقول هينس لـ«بلومبرج»: إنه «فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية، فكل شيء ممتاز بالنسبة لفرنسا، إذ إن سوق العمل هو في الواقع عامل أساسي لجميع طبقات الاقتصاد»، بمعنى أن الإصلاح يبدأ من سوق العمل.

هذا الأمر كان قد تحدث عنه، داني رودريك، أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي، ومؤلف كتاب «الاقتصاد يحكم: حقائق وأباطيل العلم الكئيب»، في تحليل له على «بروجيكت سنديكيت» نشر في سبتمبر 2017، موضحًا أن إصلاحات سوق العمل قد تجعل من رئاسة ماكرون نجاحًا تامًا أو فشلًا ذريعًا، إذ وصف محاولته بأنها ثورة تحويلية، إذ يعمل على زيادة المرونة لتمكين الشركات الفرنسية من التكيف بشكل أكثر كفاءة مع ظروف السوق المتغيرة.

على الجانب الآخر تأتي التخفيضات الضريبية كأحد محاور خطة الإصلاح الاقتصادي لماكرون، ففي أول موازنة له في 2018 ألغى ضريبة الثروة واعتمد برامج لتحفيز الاقتصاد صديقة لقطاع الأعمال، بينما أعلنت الحكومة الفرنسية، خفض للضرائب بمشروع موازنة 2020، مثل ضريبة ذوي الدخل المنخفض ستنخفض إلى 11% من 14% ابتداءً من يناير (كانون الثاني) 2020، وسيستفيد من الخفض 17 مليون فرنسي، بالإضافة إلى أن إجمالي الضرائب على الأفراد والشركات سينخفض بنحو 11.1 مليار دولار.

نجاح ماكرون بدأ من الخارج.. العلاقة مع الصين نموذجًا

يرى محللون أن الرئيس الفرنسي حقق بالفعل بعض النجاح من خلال اتفاق على ميزانية منطقة اليورو، وإن كان أقل بكثير من الطموحات الأولية، لكن يبدو أن الثقة مرتفعة للغاية في باريس، إذ تجتذب فرنسا حصة متزايدة من الاستثمار الأجنبي، كما حافظت الشركات الحالية على الإنفاق نظرًا لأنهم أقل تعرضًا من نظرائهم الألمان إلى أعلى مستويات التجارة العالمية.

توضح هذه الثقة مدى نجاح ماكرون خارجيًا، سواء على مستوى أوروبا أو خارج أوروبا، ونخص بالذكر هنا تطور العلاقات الفرنسية الصينية، والتي تبلورت خلال زيارة الرئيس الفرنسي لبكين، مؤخرًا، إذ شارك في افتتاح معرض «شنجهاي» الدولي، وتحدث خلال الزيادة على ضرورة التعاون مع الاتحاد الأوروبي وانفتاح الأسواق الصينية «بشكل أسرع وأكثر شفافية».

وبحسب ما قال مسؤول حكومي صيني فإن فرنسا والصين وقعتا عقودًا بقيمة إجمالية 15 مليار دولار خلال زيارة ماكرون، وذكرت «رويترز» أنه جرى إبرام الاتفاقات في مجالات الطيران والطاقة والزراعة، بما في ذلك منح موافقات لعشرين شركة فرنسية على تصدير الدواجن ولحوم الأبقار ولحوم الخنازير إلى الصين، وهو تطور كبير في العلاقات بين البلدين.

هذا الأمر لا يعد تطورًا وفقط، ولكن هو بمثابة انقلاب صيني على ألمانيا، إذ أن فرنسا قد تكون الشريك الرئيسي لبكين في أوروبا بديلًا لألمانيا، وذلك في ظل أن تجارة البلدان الأوروبية مع الصين آخذة في التباعد، ويرى سيلفان بروير، كبير الاقتصاديين في وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني، أنه «لأول مرة منذ ربع قرن تكون نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا أعلى مما هي في ألمانيا».

وما يعزز من قوة اقتصاد فرنسا هو اعتمادها على قطاع الخدمات والاستهلاك المحلي، بينما تعاني الصادرات الألمانية نتيجة لاعتماد البلاد على السوق الصينية في قطاع السيارات والمعدات الصناعية، والآن تعاني ألمانيا من  حالة خمول، في حين أن عدد الشركات الناشئة الفرنسية آخذة في التصاعد على عكس الانخفاض في ألمانيا.

أسرع وتيرة في العالم.. ثروات أثرياء فرنسا تقفز بنحو 78 مليار دولار

الطفرة الفرنسية لم تتوقف عند المؤشرات الكلية فقط، ولكن كان للأثرياء نصيب كبير من الطفرة، فوفق ما أظهرت بيانات اقتصادية نشرتها «بلومبرج» فإن النصف الأول من العام الحالي زادت ثروات أثرياء فرنسا بوتيرة أسرع من وتيرة زيادة ثروات الأثرياء في أي دولة أخرى من العالم.

وكشف التقرير عن أن أغنى 14 شخصًا في فرنسا والموجودين ضمن مؤشر «بلومبرج» لأغنى 500 شخص في العالم، زادت بمقدار 78 مليار دولار أي بنسبة زيادة بلغت 35%، مقارنة بقيمة ثرواتهم في 31 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأشارت «بلومبرج» إلى أن هذه النسبة تزيد على معدل الزيادة في باقي دول العالم، وجاء أباطرة صناعة مستحضرات التجميل والسلع الفارهة الفرنسيين، في المقدمة بقيادة برنار أرنو، وفرانسوا بينو، وفرانسواز بيتنكور مايرز، وريثة إمبراطورية مستحضرات التجميل «لوريـال»، بمجموع ثروات بلغ 53 مليار دولار خلال النصف الأول، مستفيدين من استمرار الطلب القوي على هذه المنتجات في الصين.

المصادر

تحميل المزيد