في الثالث من يناير (كانون الثاني) 2021 قصفت طائرات حربية فرنسية حفل زفاف بالقرب من قرية «بونتي» النائية في دولة مالي التي مزقتها الحرب، أسفر عن مقتل 19 مدنيًا، لكن الجيش الفرنسي رفض الاتهام، وقال إنه قتل جهاديين، ونفى أن يكون حفل زفاف قد أقيم في بونتي ذلك اليوم.

لكن نتائج تحقيق بعثة الأمم المتحدة في مالي والمعروفة باسم «مينوسما (Minusma)» أثبتت لاحقًا أن حفل زفاف أقيم بالفعل، وشهده حوالي 100 مدني، كانوا قد تجمعوا لحضور الحفل، وقتل رصاص الطائرات الحربية الفرنسية 22 من الضيوف، بينهم 19 مدنيًا شيوخًا ومراهقين.

ويعد الحادث واحدًا من سلسلة حوادث مشابهة وقعت في السنوات الأخيرة، وجرى الإبلاغ فيها عن مقتل مدنيين أبرياء في عمليات فرنسية مفترض أن تكون ضد الجهاديين في منطقة الساحل الأفريقي، بعدما تسبب تمرد الجهاديين في إحداث دمار في جميع أنحاء مالي منذ عام 2012، ثم امتد التمرد إلى منطقة الساحل غربي أفريقيا؛ مما أدى إلى عودة التدخل العسكري الفرنسي في مستعمراتها السابقة، إلى أن وعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتخفيض الانتشار العسكري الفرنسي الذي امتد قرابة عقد، لكن هل يفي ماكرون بوعده؟

ما الذي خلفه التدخل الفرنسي في مالي منذ عام 2013؟

تدخلت فرنسا في مالي في عام 2013، بناءً على طلب من الحكومة الانتقالية للرئيس ديونكوندا تراوري للمساعدة في «مواجهة الجهاديين»، وأعلن الرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا هولاند أن الهدف من التدخل هو «محاربة الإرهاب»، وكانت الخطة المعلنة هي نشر القوات الفرنسية في مالي إلى جانب الجيش المالي لمنع الحركات الجهادية من الانتقال إلى الجنوب، حيث بوركينا فاسو، وساحل العاج، لكن ما حدث أن التواجد الفرنسي تركز وسط مالي رغم انتقال الجهاديين فعليًا إلى هناك، ومن هنا جرى تفسير التدخل الفرنسي على أنه لغرض حماية المصالح الأمنية والاقتصادية الفرنسية بالمنطقة فحسب.

Embed from Getty Images

امرأة فرنسية تحمل لافتة عليها «فرنسا تقتل في مالي»

لذا فبعد ثماني سنوات من الحرب في مالي كان هناك القليل من النتائج الفعلية فيما يخص القضاء على الإرهاب وإرساء الديمقراطية في البلاد، وبدأ رأي الماليين في التحول؛ إذ عاينوا الوضع الأمني ​​في البلاد وهو يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، وتحولت الأزمة في المنطقة إلى صراع عرقي داخلي، بل ارتفع عدد الماليين المنضمين للجماعات المتمردة.

وارتكبت فرنسا ثلاثة أخطاء سياسية في مالي، حسب تقرير مركز أبحاث «WATHI» السنغالي: أولها تكيفها مع السياسيين الأكثر نفوذًا في مالي وجميعهم من «المتفرنسيين (Francophiles)»؛ مما تسبب في سوء فهم كبير للواقع المحلي، لا سيما وسط مالي وشماليها، والخطأ الثاني هو اختلاف مناطق العمليات العسكرية الفرنسية عن المناطق التي يحكمها الجهاديون؛ ما تسبب في تكرار سقوط المدن في حالة فوضى دون القضاء على الجهاديين، أما الثالث فيتعلق باختلاف الرؤى بين العسكريين والدبلوماسيين وأجهزة المخابرات الفرنسية فيما يتعلق بإدارة الأزمة في مالي، ونتيجة لذلك كان من الصعب على الماليين فهم السياسة الرسمية لفرنسا في مالي.

كما أرجع تحليل صحيفة «فورين بوليسي» ذلك الفشل الفرنسي الجزئي في مالي إلى الأجندات الأمنية المختلفة التي تتبناها فرنسا وحلفاؤها المحليون بمالي، فبينما يرفض ماكرون بشدة المفاوضات بين حلفاء فرنسا والجهاديين، يعتبر الماليون هذا الرفض انتهاكًا لسيادتهم.

لماذا لن يرحل الفرنسيون عن مالي؟

لا يقرأ الفرنسيون خبرًا عن العمليات الفرنسية في مالي إلا عندما يموت أحد الجنود الفرنسيين، وعددهم 56 قتيلًا منذ عام 2013. ووفقًا لتحليل صحيفة «فورين بوليسي» فإن إيمانويل ماكرون يحرص على التقليل من أي خسائر قد تتكبدها القوات الفرنسية في مالي، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في أبريل (نيسان) 2022 بسبب ضيق الفرنسيين من عملية أمنية خارج حدودهم قدّر المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية تكلفتها بـ600 مليون يورو سنويًا مع قليل من النتائج الملموسة فيما يتعلق بالقضاء على «الإرهاب» والقادة المتطرفين.

وللمرة الأولى أظهر استطلاع رأي فرنسي في يناير 2021 أن غالبية الفرنسيين ضد التدخل في مالي، وذلك على النقيض من استطلاعات الرأي التي أظهرت دعمًا شعبيًا للتدخل في عام 2013، رغم التوقعات بوقوع «عمليات إرهابية» انتقامية بقلب باريس وهو ما تحقق بعد عامين.

فمنذ يناير 2015 شهدت فرنسا أعمال عنف متوالية شملت الهجوم على مكتب «شارلي إبدو» ومتجرًا في باريس، والهجوم المسلح على قاعة للحفلات الموسيقية، وملعب رئيس، ومطاعم، وحانات، في باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015؛ مما أسفر عن مقتل 130 شخصًا ومئات الجرحى، بالإضافة إلى هجوم نيس في 14 يوليو (تموز) 2016، ووقعت هجمات أخرى في فالينس، وباريس، وماجنفيل، وسانت إتيان دو روفراي، فضلًا عن استهداف الفرنسيين في الخارج، حتى صار ملف الإرهاب سببًا في احتمالية عدم فوز ماكرون بولاية رئاسية ثانية وفق استطلاع رأي نشرته صحيفة «الجارديان».

Embed from Getty Images

قوات عملية بارخان

وشكك مركز أبحاث «WATHI» السنغالي في احتمالية انسحاب القوات الفرنسية من مالي، وذلك لأنها تلعب الدور الأكبر بين جميع الجهات الخارجية، ولذلك أدانت فرنسا الانقلاب العسكري الأخير في البلاد في مايو (أيار) 2021 وطالبت بإجراء انتخابات في فبراير (شباط) 2022 حتى تتولى السلطة حكومة شرعية، لذلك فإن الإعلان المفاجئ عن أن العملية الفرنسية «برخان»، إما على وشك الانتهاء، أو أنها ستتغير، مشروط بالانتخابات التي ليس من المؤكد إجراؤها حتى الآن نظرًا لتصاعد العنف، وكما جاء في «المراجعة الإستراتيجية للدفاع والأمن الفرنسي 2017» فإذا كان إرساء الديمقراطية في أفريقيا هدفًا لفرنسا، فلم يزل يقلقها عدم اليقين بشأن الخلافة السياسية المقبلة.

ومن جانبه أشار تحليل مركز أبحاث «WATHI» أيضًا إلى تضرر ماكرون من ملف الوجود الفرنسي في منطقة الساحل قبيل الحملة الانتخابية المقبلة؛ لأن خسائر دافعي الضرائب الفرنسيين لم يصاحبها محو للتهديدات الإرهابية المحتملة.

فيما شكك تقرير «فورين بوليسي» هو الآخر في جدية قرار الانسحاب الفرنسي بسبب تردد ماكرون؛ إذ تعهد ماكرون بوضع حد نهائي للتدخل الفرنسي في الشأن الأفريقي منذ الأيام الأولى لرئاسته، وإنهاء نهج فرنسا الاستعماري في أفريقيا، لكنه رفع عدد قواته عام 2020 من 600 إلى 5100 جندي، وعندما وقع الانقلاب العسكري الثاني في مالي أواخر مايو 2021، علق ماكرون التعاون العسكري مع القوات المسلحة المالية، ورفض مواصلة العمل مع «بلد لا توجد فيه شرعية ديمقراطية»، ثم هاجم الحلفاء المحليين مرة أخرى بسبب سقوط مناطق مؤمنة في الفوضى، وهدد بوقف تأمين تلك المناطق ثانية.

دولي

منذ سنتين
حرب السنوات السبع المنسية.. ماذا يفعل الجيش الفرنسي في مالي؟

وصنف تقرير «فورين بوليسي» آداء ماكرون بالنهج القديم لفرنسا الاستعمارية بأفريقيا؛ إذ تتأرجح فرنسا منذ تسعينات القرن الماضي بين إغراء التراجع والحاجة إلى إعادة تأكيد دورها باعتبارها حارس الأمن الأفريقي، أما قرار الانسحاب من مالي فهو محطة جديدة في ذلك التأرجح فحسب.

واستشهد التقرير بمأساة الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، وما تبعها من تجاهل وحذر فرنسي، ثم تجاهل طلبات المساعدة من رئيس الكونغو، برازافيل، وكذلك رفض التدخل ضد الانقلاب العسكري في ساحل العاج، لكن فرنسا عادت وانخرطت في صراعات في ساحل العاج وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى، ثم انسحبت ثانية مع أزمة أخرى في ساحل العاج، ورفضت التدخل، وقلصت نشاطها العسكري لأدنى مستوى، ولاحقًا عادت عام 2011 إلى نهج التدخل، حتى ساد شعور بأن فرنسا لن تغادر منطقة الساحل وأفريقيا أبدًا.

أمريكا تعوض ماكرون عن «صفقة الغواصات» بدعم فرنسا في أفريقيا

بعد أن توترت العلاقة بين فرنسا والولايات المتحدة على خلفية أزمة إلغاء صفقة بقيمة 60 مليار دولار أبرمتها شركة فرنسية لبيع غواصات تعمل بالديزل لأستراليا لصالح صفقة غواصات أمريكية تعمل بالطاقة النووية، توصلت فرنسا والولايات المتحدة إلى تسوية تقضي بدعم المهمة العسكرية الفرنسية ضد الجهاديين في منطقة الساحل، فيما ذهبت نائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس إلى باريس لمناقشة الوعد.

جاء الوعد الأمريكي بدعم الجهود العسكرية الفرنسية في أفريقيا بمثابة بادرة صلح وفي الوقت نفسه طوق نجاة لماكرون الذي سعى مرارًا، دون جدوى، لتوريط الدول الأوروبية لتكوين جيش متحد لمواجهة «الخطر القادم من أفريقيا»، فحصل بهذا الوعد على دعم سياسي في قارة لم يكن من المرجح أن تلتزم فيها الولايات المتحدة بأي التزامات عسكرية كبيرة لعدم وجود مصالح اقتصادية وعسكرية كبرى لها هناك.

ويجادل المسؤولون الفرنسيون بأن إظهار التضامن الأمريكي القوي مع فرنسا مهم للاستقرار الأوروبي ولبقاء ماكرون في مقعده، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية أبريل 2022، خاصة بعد حصول المرشحين القوميين المناهضين للهجرة على ثلث الأصوات على الأقل حسب آخر استطلاعات الرأي المعلنة، إذ تشكل تدفقات المهاجرين الكبيرة من أفريقيا مشكلات سياسية حادة للزعماء الأوروبيين، تجلت آثارها في صعود السياسيين اليمينيين ذوي الأجندات القومية المتطرفة ضد اللاجئين.

وفي هذا السياق قالت صحيفة «فوربس» إن فرنسا قادرة على تنفيذ عمليات عسكرية في مناطق النزاع بأفريقيا، لكنها لا تملك القدرة على الاستمرار في قتال طويل الأمد، مؤكدة أن التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وفرنسا يمكن أن يُحسّن من قدرة فرنسا على تحقيق نتائج فعالة.

وأوضح بعض المحللين السياسيين أن الانسحاب من مالي لا يعني أن فرنسا ستتخلى نهائيًا عن منطقة الساحل؛ فهي تحاول دفع دول الاتحاد الأوروبي الأخرى وكذلك الولايات المتحدة والأمم المتحدة على لعب دور أكبر لتخفيف العبء المالي عنها، خاصة أن إعلان ماكرون لتقليص عدد الجنود الفرنسيين بمالي في يوليو 2021 تبعه تصريح لوزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي في سبتمبر (أيلول) 2021 بأن فرنسا لن تتخلى عن مالي، وأنها «مصرة» على مواصلة الحرب ضد الإرهاب إلى جانب القوات المالية.

لماذا تصاعدت المشاعر المعادية للفرنسيين في مالي؟

أثارت سنوات من الوجود العسكري الفرنسي مشاعر معادية للفرنسيين لدى سكان منطقة الساحل الأفريقي، بالإضافة إلى الشعور بانعدام الأمن، إذ لم يزل الجهاديون يسيطرون على مساحات شاسعة من شمالي ووسط مالي، وشمالي وشرقي بوركينا فاسو، وغربي النيجر حتى ساحل العاج وبنين، بعد ما يقرب من عقد من عمليات مكافحة الإرهاب.

وشهدت المنطقة تصعيدًا للنزاع على مدى السنوات الخمس الماضية، وارتفاع أعداد القتلى المدنيين؛ فقُتل ما يقدر بـ 2440 مدنيًا في بوركينا فاسو ومالي والنيجر في عام 2020، وكانت قوات الأمن مسؤولة عن مقتل مدنيين أكثر من الجماعات الجهادية، وفقًا لمنظمة (ACLED) لتسجيل أماكن النزاع المسلح والعنف السياسي.

Embed from Getty Images

احتجاجات مالية مناهضة للتدخل الفرنسي عام 2020

وأدت بعض عمليات «مكافحة الإرهاب» التي قامت بها القوات الإقليمية الفرنسية وقوات الدفاع المالية إلى انتهاكات وتجاوزات جسيمة لحقوق الإنسان، وسجلت بعثة الأمم المتحدة في مالي «مينوسما (minusma)» زيادة حادة في حالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات ناقصة أو الإعدام التعسفي لأكثر من 60 مدنيًا في الفترة من يناير إلى يونيو (حزيران) 2021، وقالت لجنة تحقيق إن قوات الأمن المالية ارتكبت «جرائم حرب»، بما في ذلك القتل المنهجي، والاغتصاب، والتعذيب، بل كانت الجهات الحكومية مسؤولة عن 73% من الانتهاكات الإنسانية في مالي، وليس الجهاديين.

وبموازاة ذلك اتهم مسؤولون في مالي فرنسا بحماية ودعم الجماعات الانفصالية المسلحة في «كيدال»، إحدى المناطق الصحراوية في شمال مالي، وكذلك احتلال كيدال، والسيطرة على مطار المدينة، وتدريب المسؤولين عن التحريض الإثني، وهي الاتهامات التي تسببت في استياء شعبي من وجود القوات الفرنسية في البلاد.

وتزايدت الضغوط بعد مقتل ستة أطفال في شمال شرق مالي في غارة جوية بطائرة بدون طيار، وقال الجيش الفرنسي إن الغارة استهدفت الجهاديين، لكن تحقيقات محلية أثبتت أن بينهم أربعة أطفال دون سن 16 عامًا، وتورطت فرنسا أيضًا في ضرب حفل زفاف بمالي أسفر عن مقتل مدنيين.

وقال البيان الفرنسي عن قتل مدنيي حفل الزفاف: إن القوات الفرنسية نفذت الضربات عندما اكتشفت طائرة بدون طيار فرنسية «دراجة نارية» مع شخصين، وتأكدت من عدم وجود نساء أو أطفال، وأن هذه الملاحظات كانت كافية لتحديد أن الرجال المستهدفين كانوا جزءًا من جماعة إسلامية مسلحة.

ورفضت الحكومة الفرنسية الدعوات لإجراء تحقيق في عمليات القتل، أو نشر لقطات للعملية؛ مما زاد من استياء الماليين، وفي غضون ذلك صرح أهالي القرية في تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» بأن الرجال لم يكونوا مع النساء والأطفال في الحفل بسبب قيود الفصل بين الجنسين التي تفرضها الجماعات الإسلامية المسلحة النشطة في المنطقة، فيما لم يعثر فريق تحقيق الأمم المتحدة على أي دليل مادي في مكان الحادث يمكن أن يؤكد وجود أسلحة أو دراجات نارية في الواقعة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد