بعد مرور 44 عامًا على دفن جثته في الضريح الضخم بمقبرة «فالي دي لوس كايدوس»، عاود الظهور مرة أخرى في تابوت يُحمل على أكتاف ثمانية من نسله، ليُدفن مجددًا في مقبرة عائلته. إنه الديكتاتور الراحل فرانسيسكو فرانكو، الذي توفي عن عمر يناهز 82 عامًا في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1975، مبشرًا بنهاية الديكتاتورية التي تحمل اسمه وتطارد إسبانيا حتى الآن.

نُقل رفات الديكتاتور فرانكو، الذي حكم إسبانيا لقرابة 38 عامًا، يوم الخميس الماضي من ضريحه الضخم، وُدفن مجددًا في مقبرة عائلته بالقرب من مدريد. ووصل النعش بمروحية إلى مقبرة مينغوروبيو في شمال مدريد، حيث دُفن فرانكو إلى جانب زوجته في المكان الذي يضم أيضًا رفات الديكتاتور الدومينيكاني رافايل تروخيو الذي اغتيل في عام 1961.

ويفي الانتقال الذي طال انتظاره بالتعُّهد الرئيسي للحكومة الاشتراكية الحالية، والذي أكدت أنه يجب على إسبانيا ألا تستمر في تمجيد الفاشية التي حكمت البلاد منذ ما يقرب من أربعة عقود. وقد استمر موقع قبر فرانكو محل جدل كبير لعقود طويلة، فبعد أن ظل الأخير قابضًا على الحكم حتى وفاته عام 1975، انتقلت إسبانيا بعدها إلى الديمقراطية، وأُزيلت كل تماثيل فرانكو، وغُيّرت أسماء الشوارع. لكن جثمانه دُفن في «وادي الشهداء»، مع عشرات الآلاف من ضحايا الحرب الأهلية. 

وعززت الحكومة الإسبانية من رغبتها القوية، في أن يصبح وادي الشهداء مكانًا لإحياء ذكرى ضحايا الحرب وتقديرهم، وكانت ترى أن وجود رفات فرانكو في هذا الضريح إهانة للديمقراطية، في الوقت الذي لم يكف فيه اليمين عن اتهام اليسار بالسعي إلى إعادة فتح جروح الماضي. 

فرانسيسكو فرانكو.. من «مستعمر متطوع» إلى «أصغر جنرال» في أوروبا

ولد فرانسيسكو فرانكو في الرابع من شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 1892 لأسرة عسكرية في مدينة غاليثيا. رغب فرانكو في أن ينضم إلى الكلية البحرية تأثرًا بوالده وأخويه، إلا أن الحروب البحرية التي دخلتها إسبانيا في ذلك الوقت، وبسببها دُمر أغلب الأسطول البحري الإسباني؛ أوصدت جميع الأبواب بوجهه وحالت دون ذلك، فاضطر إلى الالتحاق بالأكاديمية العسكرية عام 1907.

في عام 1912 ذهب فرانسيسكو فرانكو تطوعًا للخدمة في حملات الاستعمار الإسباني في المغرب، كما نجح في إخماد نيران ثورة المقاومة المغربية ضد الاستعمار، مما لفت الأنظار إليه باعتباره ضابطًا محنكًا وقائد معركة بارعًا. وفي وقت قصير عُين فرانكو قائدًا في الجيش الإسباني وأصبح الجنرال الأصغر في أوروبا في عمر الثالثة والثلاثين.

انقلاب يشعل حربًا أهلية.. طريق فرانكو إلى حكم إسبانيا

بعد انتخاب حكومة الجبهة الشعبية اليسارية عام 1936، نظم فرانكو ومجموعة جنرالات انقلابًا، لتندلع حرب أهلية استمرت ثلاث سنوات. حيث استطاع الجنرال فرانكو تكوين جيش من 50 ألف جندي مغربي فقط غير الجنود الإسبان الذين يدينون له بالولاء. وبدأت المواجهات العسكرية بين الجبهة الشعبية التي كانت تضم خليطًا من الشيوعيين والاشتراكيين، والجبهة القومية بقيادة فرانكو وجيشه، وراح ضحيتها قرابة نصف مليون شخص، إلى أن انتهت بانتصار فرانكو وجيشه الذي قضى على الجبهة الشعبية، بمساعدة ودعم من كبار الطغاة في أوروبا آنذاك؛ موسوليني وهتلر.

Embed from Getty Images

أسس فرانكو حكمًا ديكتاتوريًا نصب نفسه فيه رأسًا للدولة، وتولى حكم إسبانيا، إلى جانب هتلر (حاكم ألمانيا) وموسوليني (حاكم إيطاليا) ليكتمل بذلك أضلاع مثلث الطغاة في أوروبا آنذاك. قام فرانكو بمطاردة خصومه الجمهوريين وتصفيتهم، مما دفع الجمهوريين إلى الفرار خارج إسبانيا خوفًا من بطش فرانكو. وتحولت إسبانيا خلال فترة حكمه إلى دولة بوليسية تمتهن التعذيب ضد مواطنيها.

وقد كان نظام فرانكو مرتبطًا تاريخيًا بعدائه للفن والفكر والثقافة، وكانت جريمة القتل الأولى التي ارتكبها أنصاره هي قتل الشاعر الإسباني لوركا، وقد ظلت هذه الجريمة تطارد نظامه حتى النهاية. لكن فرانكو تمكن من البقاء في سدة الحكم قرابة 38 عامًا حتى موته في 1975.

خوان كارلوس.. ملك إسبانيا الذي انتزع الديموقراطية من بين أنياب العسكر

«وادي الشهداء».. يجمع رفات القاتل وضحاياه

أمر فرانكو في عام 1940 ببناء وادي لدفن القتلى الذين سقطوا في حملته الكاثوليكية ضد الجمهوريين. وقد استغرق بناء هذا الموقع الذي شيده آلاف السجناء السياسيين خصوصًا نحو 20 عامًا. ويضم الوادي كنيسة محفورة في الصخر يعلوها صليب كبير يبلغ ارتفاعه 150 مترًا يمكن رؤيته في دائرة على بعد عشرات الكيلومترات.

وادي الشهداء، حيث كان يرقد الديكتاتور فرانكو

                                                                     وداي الشهداء

وباسم مصالحة وطنية «مزعومة»، نقل الديكتاتور فرانكو إليه جثامين أكثر من 30 ألفًا من ضحايا الحرب الأهلية التي نشبت في الفترة ما بين 1936-1936. ومنذ وفاته في 1975، ودفنه في وادي الشهداء، بقيت الورود تغطي قبر فرانكو الواقع على سفح الكنيسة.

وظلًّ موقع قبر الديكتاتور الراحل فرانكو محل جدل كبير لعقود طويلة، فبعد أن ظل قابضًا على الحكم حتى وفاته عام 1975، انتقلت إسبانيا بعده إلى الديمقراطية، وأُزيلت كل تماثيله، وغُيّرت أسماء الشوارع، ودُفن جسده في «وادي الشهداء»، مع عشرات الآلاف من ضحايا الحرب الأهلية من الجانبين. لكن عددًا كبيرًا من الإسبان كانوا يرون أن هذا المكان يعد تجسيدًا لانتصار القوات الموالية لفرانكو على معارضيه الجمهوريين. كما تحول موقع المقبرة إلى قبلة لليمين المتطرف، يزورونها تقديرًا للديكتاتور الراحل، ويجتمعون فيه لإحياء ذكرى وفاته.

معركة نقل رفات الديكتاتور.. الشعب يتذكر

أظهر استطلاع للرأي أجرته جريدة «الموندو» – ثاني أكبر صحيفة يومية مطبوعة في إسبانيا- هذا الشهر أن 43٪ أيدوا خطوة نقل الرفات، مقابل 32.5٪، بينما لم يقرر الباقي بعد.

وكانت السلطات الإسبانية وعدت بنقل رفات فرانكو من وادي الشهداء في تموز (يوليو) 2018، لكن هذه الخطوة أرجئت لأكثر من عام بسبب طعون عديدة قدمتها عائلة الديكتاتور الراحل إلى القضاء لمنع نقله.

لكن الحكومة الاشتراكية الحالية، التي أتت للحكم في يونيو (حزيران) الماضي، جعلت نقل رفات فرانكو على رأس وعودها. وأرادت الحكومة، أن يصبح وادي الشهداء مكانًا لإحياء ذكرى ضحايا الحرب وتقديرهم، وكانت ترى أن وجود رفات فرانكو في هذا الضريح إهانة للديمقراطية الناضجة.

Embed from Getty Images

مراسم نقل رفات الديكتاتور

وقال رئيس الوزراء بيدرو سانشيز: إن نقل رفات فرانكو ينهي «إهانة وخللًا لديمقراطية أوروبية»، مضيفًا: «ديمقراطيتنا تكتسب مكانة في نظرنا وفي نظر العالم أجمع أيضًا، فإسبانيا الحالية هي ثمرة الصفح لكنها لا يمكن أن تكون ثمرة النسيان».

وقد أيَد الكثير من أبناء ضحايا فرانكو قرار نقل رفاته، لكن الرأي العام الإسباني انقسم حول هذا الأمر. وفي أغسطس (آب) الماضي، وافقت الحكومة على نقل الرفات رغم معارضة أسرة فرانكو واليمين المتشدد، وأرادت الحكومة الإسبانية نقل الرفات إلى مكان أقل أهمية، ليصعب على مؤيديه إحياء ذكراه.

وخاضت أسرة فرانكو معركة قضائية كبيرة للاعتراض على نقل رفاته، ثم طالبوا بعد ذلك بنقل فرانكو إلى مدفن العائلة في كاتدرائية المودينا في قلب مدريد.

«أرامل الديكتاتور».. في مراسم نقل رفات فرانكو

لم يُسمح سوى لعدد قليل من الأشخاص بحضور هذا الحدث الذي وقع في ظل إجراءات أمنية مشددة. ومن بينهم وزير العدل وخبير في الطب الشرعي وكاهن و22 من نسل فرانسيسكو فرانكو. واسُتبعدت وسائل الإعلام من التغطية، لكن أكثر من 200 صحفي كانوا بالقرب من الموقع.

وقد وصل النعش أمس الخميس بمروحية إلى مقبرة مينغوروبيو في شمال مدريد، حيث دفن فرانكو إلى جانب زوجته في المكان الذي يضم أيضًا رفات الديكتاتور الدومينيكاني رافايل تروخيو الذي اغتيل في عام 1961.

وحمله ثمانية من أفراد عائلة فرانكو بينهم حفيد ابنته لوي دو بوربون، وهتف أحفاد فرانكو «تحيا إسبانيا» وهم يضعون النعش في السيارة قبل نقله بمروحية إلى مقبرة ميغوروبيو في شمال مدريد حيث ترقد زوجة الديكتاتور .

كما تجمع نحو 200 شخص من الذين يحنون إلى عهد فرانكو على الرغم من منع السلطات أي تظاهرة. وقال المتقاعد ميجيل ماريا مارتينيز لوكالة «فرانس برس»، أن: «فرانكو لن يموت ابدًا». 

نقل رفات فرانكو.. انتصار أخلاقي أم دعاية انتخابية؟

لم يكُفّ اليمين عن اتهام اليسار بالسعي إلى إعادة فتح جروح الماضي التي لم تلتئم بعد. ووصف حزب «الصوت» اليميني القومي إخراج جثمان فرانكو بأنه «تدنيس».

وعلًقت الزعيمة اليمينية في منطقة مدريد إيزابيل دياز أيوسو في بداية تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، على قرار نقل الرفات قائلة: «ماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل ستحترق أبرشيات الحي كما حدث في 1936؟»

Embed from Getty Images

بعض مؤيدي الديكتاتور فرانكو، يحيون ذكراه في وادي الشهداء، نوفمبر (تشرين الثاني) 2018

واتهم عدد من المعارضين رئيس الوزراء بتحويل نقل رفات فرانكو إلى قضية انتخابية، وذلك قبل أقل من ثلاثة أسابيع على الانتخابات التشريعية التي ستجري في العاشر من نوفمبر المقبل.

وأعرب حفيد فرانكو عن غضبه من الحكومة الإسبانية بسبب نقل رفات جده، قائلًا: «أشعر بالغضب الشديد لأن الحكومة استخدمت شيئًا جبانًا مثل نبش قبر دعايةً سياسية للفوز بعدد قليل من الأصوات قبل الانتخابات التي ستجرى خلال أسابيع».

على الجانب الآخر، رفضت حكومة سانشيز التلميحات بأن توقيت عملية استخراج الجثث، قبل أقل من ثلاثة أسابيع من الانتخابات العامة الرابعة لإسبانيا في عدة سنوات، كان أي شيء آخر غير الصدفة. وأشار كارمن كالفو، نائب رئيس الوزراء، إلى أن الحكومة حاولت إخراج فرانكو خلال الصيف، لكنها أُجبرت على الانتظار بينما استأنف نسله وآخرون أمام المحكمة العليا.  

فيما اختلف الأمر تمامًا مع مؤيدي نقل رفات فرانكو، ورأوه انتصارًا رمزيًا لا يمكن إنكاره لحكومة بيدرو سانشيز الاشتراكية، التي جادل حزبها منذ فترة طويلة بأن مقبرة فرانكو قامت بتمجيد الديكتاتور الراحل بينما تجاهلت نحو 500 ألف شخص قُتلوا أثناء الحرب الأهلية. 

وقال سانشيز بعد نقل الرفات: «تفي إسبانيا بواجبها تجاه نفسها، ويمثل هذا القرار نهاية للإهانة الأخلاقية التي يشكلها تمجيد الديكتاتور العلني. فنحن نخطو خطوة أخرى نحو المصالحة التي لا يمكن أن توجد إلا في الديمقراطية والحرية التي نتشاركها جميعًا».

«الملكي» والجنرال.. كيف استخدم فرانكو «ريال مدريد» لتعزيز الدكتاتورية في بلاده؟

المصادر

تحميل المزيد