طغى العداء المستشري لفرنسا ومصالحها بالجزائر على مطالب وتوجهات الحراك الشعبي الجزائري منذ الوهلة الأولى؛ فكان رفع المطالب والشعارات المناوئة لفرنسا مدعاةً للفخر لدى قطاعٍ واسعٍ بين الجزائريين؛ واليوم وبعد مرور أكثر من سنةٍ على الحراك وبعد بروز سلطةٍ جديدة ناتجة عن انتخابات 12 من ديسمبر ( كانون الأوّل)؛ طفى على السطح مشروع جديدة تبناه الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون تحت مسمى الجزائر الجديدة. 

وبالرغم من مرور أكثر من سبعة أشهرٍ على الانتخابات الرئاسية، وبداية تبون في تجسيد معالم الجمهورية الجديدة؛ إلا أنّ المعالم الأساسية لهذه الجمهورية بدأت تتشكّل جليًا بدعم السلطة التيار الفرنكوفوني؛ وتخليها عن التيار الوطني، المسمى أيضًا بالتيار النوفمبري الباديسي، لتحسم ولو جزئيًا الصراع القائم منذ اندلاع الحراك بين التيارين.

في التقرير التالي، أبرز الشواهد على عودة التيار الفرنكفوني للمشهد بقوة، بل وسيطرته على مناصب مهمة في الدولة، وذلك منذ تولي الرئيس عبد المجيد تبون الحكم حتى الآن.

«الجزائر الجديدة».. مشروع تبون للقطيعة مع النظام السابق يتحول للتطبيع معه

منذ إعلانه ترشّحه للرئاسة نهاية شهر سبتمبر (أيلول) الماضي عوّل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون على تصدير صورةٍ مختلفة تمحو تلك الصورة – رجل بوتفليقة المخلص في وقتٍ من الأوقات – التي لازمته منذ إقالته من رئاسة الحكومة منتصف سنة 2017 مُرتكزًا على عزمه القطيعة التامة مع النظام السابق، وذلك من خلال تبنيه مشروع الجزائر الجديدة التي تلبي مطالب الحراك. 

الربيع العربي

منذ شهرين
كيف يستغل النظام الجزائري أزمة كورونا لدعم أحزابه السياسية؟

في أولى خطاباته بعد إعلان فوزه في الانتخابات الرئاسيّة، جدّد عبد المجيد تبون عزمه على بناء جمهورية جديدة يكون للحراك الشعبي دورٌ فاعلٌ بها؛ «حان وقت العمل، بلا تهميش ولا إقصاء، وللمّ الشمل، دون أي نزعة انتقام كما يروّج لها، بل على العكس تمامًا، سأعمل جاهدًا على طي صفحة الماضي، وفتح صفحة «الجمهورية الجديدة»، بعقلية جديدة، وأخلاق جديدة، ومنهجيّة جديدة». وأضاف تبون: «أتوجه مباشرة للحراك الذي أمّد له يدي، لحوار جاد من أجل الجزائر، والجزائر فقط».

نالت دعوات تبون للقطيعة مع النظام السابق، وبناء جمهورية جديدة على أسسٍ نوفمبرية ووطنية ثناء وترحيب قطاعاتٍ واسعةٍ من الجزائريين؛ بينما بقي موقف الحراك من هذه الدعوات رافضًا لاعتبار المشاكين فيه أن الرئيس الجديد امتداد للنظام القديم. 

وبينما كان التيار الوطني النوفمبري ينتظر ويأمل في أن يكون عماد الجمهورية الجديدة؛ كان الواقع عكس ذلك؛ بدايةً بتعيين تبون لعبد العزيز جرّاد وزيرًا أوّلًا للحكومة؛ وهو الاسم المحسوب على التيار الفرنكفوني بالجزائر؛ ثمّ تعيين كريم يونس وسيطًا للجمهورية؛ ثم أتت الضربة الكبرى للتيار الوطني بإعلان جرّاد عن تشكيلته الحكومية في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ وشملت أسماءً بارزة في التيار الفرنكوفوني، أبرزها وزير الصناعة فرحات أيت علي، ووزيرة الثقافة مليكة بن دودو، ووزير الاتصال عمار بلحيمر، وسليم دادة كاتب الدولة المكلف بالإنتاج الثقافي. 

إضافةً إلى استعانة تبون بوزراء من عهد بوتفليقة في تشكيل حكومته الأولى، كان أوّل تصريحٍ للرئيس تبون باللغة الفرنسية، وذلك في أوّل ظهور له بعد انتخابه.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تعهد ببناء الجزائر الجديدة.

تغييرات حكومية تعزز موقف الفرنكوفونيين

على غرار الخطوة التي اتخذها الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة بتعديل حكومته الأولى قبل أن ينقضي عامها الأوّل أجرى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تعديلًا حكوميًّا على حكومته الأولى بعد ستة أشهر من تشكيلها؛ وهو التعديل الذي كان بمثابة المسمار الأخير في نعش التيار الوطني النوفمبري، بعد تعيين نائب رئيس المنظمة العالمية للفرنكوفونية، عبد الباقي بن زيان، في منصب وزير التعليم العالي؛ وهو القطاع الذي كان يعوّل عليه التيار الوطني لدحر اللغة الفرنسية من الجامعة، من خلال الحملة التي كان يقودها الوزيران الأسبقان الطيّب بوزيد وشمس الدين شيتور؛ ومن المحتمل أن يغلق الوزير الجديد ملف إدراج اللغة الإنجليزية بدل اللغة الفرنسية في الجامعة.

ولم يكن تعيين بن زيان الصدمة الأولى للتيار الوطني؛ إذ جرى استدعاء بالوزير الأسبق عبد المجيد عطار لتولي حقيبة وزارة الطاقة، وهو الاسم الذي ارتبط بقضية التلاعب بتمويلات «النفط مقابل الغذاء» في العراق سنة 1995. 

واحتفظت الأسماء المحسوبة على التيار الفرنكوفوني بحقائبها الوزارية، بالرغم من ضعف الأداء، حسب الكثير من المراقبين؛ بينما خرج من الحكومة وزير الفلاحة، شريف عماري، الذي اشتهر بتصريحه الذي طالب فيه أحد قيادات وزارته بمخاطبة الجزائريين بالعربية، بالرغم من القبول الكبير الذي حظي به بين الجزائريين، بسبب تحقيقه نتائج جيدة في الإنتاج الزراعي، أقر بها الرئيس تبون نفسه.

سوناطراك تعيد العلاقات الاقتصادية مع فرنسا

عرفت العلاقات الجزائرية الفرنسية فتورًا وجمودًا تاريخيين طيلة عامٍ كاملٍ؛ نتيجة الحراك الشعبي الذي هاجم المصالح الفرنسية بالجزائر وتحوّل إلى ورقة ضغطٍ وقفت في طريق العلاقة بين البلدين.

كان الملف الاقتصادي على رأس الملفات التي تأثرت بشكلٍ كبيرٍ، وبدت بوادر هذا التأثر في إعلان الحكومة الجزائرية في ديسمبر الماضي عن فرض حق الشفعة على عقد الحيازة الذي أبرم بين «أناداركو» و«كونتينونتال» والذي يشمل أصول الشركة الأمريكية الأولى في الجزائر والتي كانت شركة توتال الفرنسية تنوي الاستحواذ على حصتها بالجزائر. 

وفي مايو (أيار) الماضي أعلنت وزارة الطاقة الجزائرية عن تمديد الشراكة مع شركة «أناداركو» الأمريكية بخصوص استغلال حوض بركين (جنوب الجزائر) بعد تعطيل صفقة «توتال» الفرنسية لاستغلال نفس الحوض. 

سوناطراك

لم يدم هذا المسار السلبي في العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وفرنسا، بعد أن أعلنت شركة «سوناطراك» الجزائرية وشركة «توتال» الفرنسية نهاية الأسبوع الماضي عن تجديد اتفاقية شراكتهما في مجال الغاز الطبيعي المسال لمدة ثلاث سنوات إضافية. وستسمح هذه الاتفاقية بتزويد السوق الفرنسية بالغاز الطبيعي المسال الجزائري بأكثر من 2 مليون طن سنويًا، حسب ما أوضحته «سوناطراك» في بيانها الذي اطلع «ساسة بوست» على نسخةٍ منه؛ مضيفة أن تسليم الشحنات سيكون لمحطة الغاز الطبيعي في فوس كافاو، وشدد الجانبان على أهمية هذا الاتفاق الذي يندرج في إطار «تاريخ التعاون الطويل بين سوناطراك وتوتال».

يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة الأغواط عمر موساوي في حديثه مع «ساسة بوست» أن قرار شركة «سوناطراك» لم يكن متأثرًا بالتيار التغريبي الفرنكوفوني، بقدر ما كان نابعًا من الالتزام باتفاقياتها السابقة ورغبتها في الحفاظ على سمعتها عالميًا؛ لكنه أكد أنّ «التيار الفرنكوفوني متغلغل في القطاع النفطي بالبلاد، وله إستراتيجية واضحة في الحفاظ على مصالح فرنسا الاقتصادية بالجزائر». 

تجدر الإشارة إلى أنّ شركة «توتال» الفرنسية قد وقّعت مع نظيرتها الجزائرية «سوناطراك» سنة 2018 عقد استكشاف وتطوير يتعلق بحقل الغاز تين فوي تبنكورت بالصحراء الجزائرية لمدة 24 سنة. 

مسودة الدستور.. هل هي مكسب آخر للتيار الفرنكوفوني؟

لعلّ أوّل خيبةٍ أصيب بها التيار الوطني النوفمبري بالجزائر بخصوص مسودة الدستور كانت يوم إعلان الرئيس عبد المجيد تبون عن إصدار قرارٍ بإنشاء لجنة خبراء مكلفة بصياغة مقترحات لمراجعة الدستور، وجاء على رأس تلك اللجنة أحمد لعرابة أستاذ القانون الدستوري، المحسوب على التيار الفرنكوفوني بالجزائر، إضافةً إلى عدّة أسماء محسوبةٍ على التيار ذاته. 

توالت الخيبات حين أفرج عن مسودّة الدستور مطلع شهر مايو الماضي؛ وهي المسودة التي حملت عدّة تعديلات مست الهوية الوطنية للجزائريين.

هاجم رئيس جبهة العدالة والتنمية (الإسلامي) عبد الله جاب الله مسودة تعديل الدستور المعروضة للنقاش، قائلًا: إن «التيار التغريبي العلماني يسيطر على لجنة الخبراء التي تم تعيينها لإعداد المشروع برئاسة أحمد لعرابة».

عربي

منذ 4 شهور
هل يستغل الرئيس الجزائري أزمة كورونا لتمرير الدستور الجديد؟

زادت تصريحات لعرابة من غضب التيار الوطني النوفمبري من مسودة الدستور، إذ صرّح خلال حديث صحافي مع جريدة «ليبرتي» الناطقة بالفرنسية قائلًا: «الدستور الجزائري موجّه لمواطنين، وليس لمؤمنين، وبالتالي فإن عناصر الهوية يمكن إبعادها عن الدستور ليصبح بإمكانك أن تكون جزائريًا، دون أن تكون عربيًا، أو أمازيغيًا أو مسلمًا».

وكان التعديل الذي اطلع «ساسة بوست» على نسخةٍ منه قد احتوى على موادٍ وصفت من طرف التيار الوطني بالمفخخة؛ ويتعلق الأمر بحذف المادة التي تستوجب «التمتع بالجنسية الجزائرية» لتولي المناصب السامية في الدولة، وهي المادة التي يتخوّف التيار الوطني من أن تفتح الباب أكثر لتغلل التيار التغريبي بالجزائر. إضافةً إلى المادة التي تنص على «حماية ممارسة العبادات دون تمييز».

المصادر

تحميل المزيد