يعيش العالم خلال الفترة الحالية صراعات تجارية، ربما تكون الأكبر خلال عقود طويلة، وقد ترتقي لأن تكون حروبًا تجارية، قطبيها الأساسيين هما: أمريكا، والصين، بالإضافة إلى دخول المكسيك وكندا والاتحاد الأوروبي على طول الخط، في اتجاه عالمي واضح نحو مزيد من الحمائية، وربما تقلص انتعاش العولمة الذي كان الاتجاه إليها أهم ملامح السنوات الماضية، لكن على الجانب الآخر نجد الوضع في أفريقيا مختلفًا تمامًا؛ فالقارة السمراء على أعتاب حقبة جديدة من انفتاح اقتصادي وحرية تجارية غير مسبوقة. فهل سيكون هذا الاتجاه بوابة أفريقيا لمرحلة اقتصادية جديدة؟

التجارة الحرة في خطر

ارتفعت مؤخرًا وتيرة النزاع التجاري بين الصين والولايات المتحدة فيما لم يسلم منه شركاء تجاريون كبار آخرون؛ وهو الأمر الذي دفع مؤسسة «بيرتلسمان» للتحذير من أن مصداقية وبقاء منظمة التجارة العالمية يواجهان «تهديدًا خطيرًا»، وذلك بعد تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم  تقدر بأكثر من 500 مليار دولار على منتجات صينية، بينما تعهدت الصين بالرد على كل خطوة؛ الأمر الذي يجعل أول وثاني اقتصادات العالم في حرب تجارية كبيرة؛ قد تقضي على نظام التجارة المتعدد الأطراف القائم على القواعد، والمطبق حاليًا بقيادة منظمة التجارة العالمية.

خبراء تجاريون ذكروا خلال تقرير حديث لبيرتلسمان أن تمسك المنظمة بأساليب العمل الحالية سيقودها إلى الزوال التدريجي، فعلى المنظمة أن تعمل على منع ارتداد الأعضاء صوب استخدام سياسات الحماية التجارية من طرف واحد، وضمان حل النزاعات بفاعلية وكفاءة، وهو ما لا تقوم به حاليًا؛ إذ لم تتخذ «التجارة العالمية» حتى الآن موقفًا حقيقيًا مما يحدث.

وتجدر الإشارة إلى أن الحرب التجارة الحالية التي تهدد التجارة الحرة غير قاصرة على ما يحدث بين واشنطن وبكين فقط، ولكن هناك كذلك أزمة كبيرة بين أمريكا والاتحاد الأوروبي، وكذلك كندا والمكسيك، وهو الأمر الذي يجعل حرية التجارة في خطر حقيقي.

أكبر منطقة تجارة حرة في العالم.. أفريقيا عكس التيار

وبعيدًا عن التوترات التجارية العالمية تسير أفريقيا عكس الاتجاه العالمي؛ ففي منتصف العام 2015 وقعت 26 دولة أفريقية اتفاقية تجارة حرة في مدينة شرم الشيخ المصرية، وكان هدف تلك الاتفاقية تسهيل حركة السلع بين الدول الأعضاء، والتي تشكل أكثر من نصف الناتج القومي للقارة.

وكانت الدول المشاركة هي: مصر، والسودان، وليبيا، وجنوب أفريقيا، وأنجولا، ومدغشقر، وسيشل، وموريشيوس، ومالاوي، وجزر القمر، وتنزانيا، وبوروندي، ورواندا، وأوغندا، وكينيا، والكونغو الديمقراطية، وإثيوبيا، وإريتريا، وجيبوتي، وليسوتو، وناميبيا، وبتسوانا، وموزمبيق، وسوازيلاند، وزمبابوي، وزامبيا.

وفي يوم 21 مارس (آذار) الماضي تم الإعلان عن بدء تطبيق الاتفاقية على أرض الواقع؛ كي تفتح الاتفاقية آفاقا كبيرة لعمليات التبادل التجاري بين الدول، وتسهل عملية انتقال السلع والبضائع والاستثمارات، وتساهم أيضًا في خفض الأسعار، لكن هذه المرة كان عدد الدول التي وقعت على الاتفاقية نحو 50 دولة أفريقية من إجمالي 55 دولة أعضاء بالاتحاد الأفريقي، وهو ما يعد تطورًا كبيرًا في اتجاه معظم دول القارة السمراء، بينما امتنع كلٌّ من: نيجيريا، وإريتريا، وغينيا بيساو، وبورندي، وسيراليون، عن التوقيع.

ولكن مع بداية الشهر الجاري، قال رئيس نيجيريا، محمد بخاري، إن بلاده ستنضم قريبًا إلى اتفاقية للتجارة الحرة تشمل قارة أفريقيا، وذلك في تقدم واضح نحو إزالة الحواجز التجارية بين بلدان القارة، وبهذه الاتفاقية تكون منطقة التجارة الأفريقية الحرة، أكبر منطقة تجارة حرة من حيث عدد الدول المشاركة منذ تشكيل منظمة التجارة العالمية عام 1995؛ وهو ما يعزز التجارة بين دول القارة.

ومع هذه الاتفاقية ستكون المنطقة قادرة على خلق سوق أفريقية تضم أكثر من 1.2 مليار شخص بناتج محلي إجمالي يصل إلى 2.5 تريليون دولار، إذ ستُلغى المنطقة التعريفة الجمركية تدريجيًا على التجارة بين الدول الأعضاء بالاتحاد؛ وهو ما سيسهل التجارة بالنسبة للشركات الأفريقية، إلا أن الأمر كذلك لا يخلو من الكثير من التحديات، خاصة وسط الصراعات الداخلية وعدم الاستقرار الأمني والسياسي في بعض بلدان القارة، بالإضافة إلى التحدي الأبرز وهو تعاملات التكتلات الكبرى في العالم مع تلك المنطقة.

الصين كلمة السر.. هكذا تساهم بالنقلة الأفريقية

لا يمكن الحديث عن المستقبل التجاري والاقتصادي المشرق لأفريقيا دون الحديث عن الصين، ففي 5 يوليو (تموز) الجاري دشنت جيبوتي المرحلة الأولى من أكبر منطقة تجارة حرة في القارة؛ وذلك للاستفادة من موقعها الاستراتيجي على أحد أكثر الطرق التجارية نشاطًا في العالم، فيما كشفت البلاد أيضًا عن ثلاثة موانئ جديدة وخط سكة حديد يربط بينها وبين إثيوبيا التي ليس لها منفذ بحري في إطار مساعيها لأن تصبح مركزًا عالميًا للتجارة واللوجستيات.

وفي الواقع لم تكن جيبوتي لتنجح في هذه الخطوة التاريخية بدون دعم الصين التي تمول نمو البنية التحتية السريع جدًا في البلاد؛ إذ إن البلاد جزء من مبادرة «الحزام والطريق» و«طريق الحرير البحري»، بالإضافة لاستضافتها القاعدة العسكرية الصينية الوحيدة خارج الأراضي الصينية، فيما تشير التقديرات إلى أن الصين قدمت قروضًا لجيبوتي بنحو 1.3 مليار دولار، وتبلغ تكلفة المشروع الذي تصل مساحته إلى 4800 هكتار نحو 3.5 مليار دولار، ومن المقرر أن يكتمل المشروع بعد 10 سنوات، ليشكل أكبر منطقة تجارة حرة في أفريقيا.

التواجد الصيني في أفريقيا لا يقتصر بالطبع على جيبوتي، لكنها المثال أو النموذج الأحدث لهذا التواجد العميق الذي يتطور بسرعة كبيرة في الآونة الأخيرة؛ إذ كشفت وزارة التجارة الصينية في منتصف مايو (أيار) 2017 أن الاستثمارات الصينية المباشرة في القارة قفزت 64%، وذلك إطار التعاون الذي جرى الاتفاق عليه في قمة جوهانسبرج في جنوب أفريقيا عام 2015.

وكانت الصين قد كشفت خلال قمة 2015 عن خطط لضخ 60 مليار دولار في مشروعات تنمية بأفريقيا، في قطاعات الزراعة وبناء الطرق والموانئ والسكك الحديدية، بالإضافة إلى شطب ديون؛ الأمر الذي ظهرت نتائجه خلال الربع الأول من العام الماضي؛ إذ ارتفع إجمالي التبادل التجاري الصيني مع الدول الأفريقية بنسبة 16.8%، وذلك في أول زيادة على أساس سنوي منذ عام 2015.

وتجدر الإشارة إلى أن  الرئيس الصيني، شي جينبينغ، كان في جولة أفريقية ضمن السنغال، ورواندا، وجنوب أفريقيا، شهدت عدة اتفاقات اقتصادية كلها تدعم النقلة الكبيرة المتوقعة في الواقع الاقتصادي الأفريقي، وهو نفس الاتجاه الذي تحدث فيه شي قائلًا: «في كل مرة آتي إلى أفريقيا ألاحظ الحيوية الكبيرة لهذه القارة الموعودة بمستقبل زاهر»، مؤكدًا على ثقته التامة بمستقبل التعاون الصيني – الأفريقي، فيما تتأرجح الصين ما بين أول وثاني أكبر شريك تجاري لمعظم دول القارة؛ وهو ما يجعلها عنصرًا أساسيًا في مستقبل أفريقيا.

كيف سيستفيد الأفارقة العرب من هذه المرحلة؟

تقع نحو سبع دول عربية في القارة الأفريقية، وهي: مصر، والمغرب، وتونس، والجزائر، وليبيا، والسودان، وموريتانيا، والدول الأربع الأُوَل من هذ الدول السبع من المفترض أن تكون الأكثر استفادة من التوجه التجاري الحر التي تنطلق نحوه أفريقيا؛ إذ إن هذه الدول تعمل حاليًا على إصلاحات اقتصادية، وتهدف إلى تنشيط الصادرات وخفض فاتورة الواردات، وهو الذي سيكون لأفريقيا دورًا جوهريًا فيه في ظل اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية والانتعاش الاقتصادي الحالي.

ويؤكد خبراء اقتصاد، أن التكتلات الاقتصادية الأفريقية تتسم بالقوة عن التكتلات العربية، كما أنها من الناحية العملية تعتبر سوقًا كبيرةً جدًا، وهى مناسبة لدول المنطقة الأعضاء فيها نظرًا لأن مستويات جميع الأعضاء تكاد تكون متقاربة، ولا بد أن تتبع تلك الخطوة تسهيلات لإزالة الحواجز الجمركية حتى تتمكن تلك الدول من التعامل مستقبلًا مع منظمة التجارة، وتنافس على المستوى العالمي.

في 2015 قال كالستوس جوما، الأكاديمي الكيني: «إن اتفاقية التجارة الحرة عند تطبيقها سترفع التجارة البينية في القارة إلى 30%، مشيرًا إلى أن 70% من تجارة القارة تتم في أوروبا، وبحسب لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا فإن التجارة البينية الأفريقية سترتفع إلى نسبة 52% بحلول عام 2022، مقارنة مع المستويات التجارية لعام 2010؛ وهذا الأمر بالطبع سيعود بمنافع كبيرة للاقتصادات العربية التي تسعى لزيادة صادراتها».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد