«أرسل رسالة قصيرة الآن لتدخل السحب وتربح مليون دولار»، لعل هذه الجملة مرت على مسامع أغلب الناس الذين يشاهدون إحدى القنوات التلفزيونية العربية الشهيرة مؤخرًا. وربما تدور في رأسك أو رأس أحد المحيطين بك تلك الفكرة: لم لا أجرب حظي وأرسل تلك الرسالة لعلي أفوز باليانصيب وتتغير حياتي؟

بالتأكيد حلم معظمنا بذلك الفوز السهل في اليانصيب أو المسابقات الكبيرة. والسؤال هنا: إلى أي حد يغير هذا النوع من الفوز حياة البشر؟ وهل يجعلهم أكثر سعادة بالفعل؟ ولماذا يحب البعض تركيز حياتهم على الفوز في مثل هذه المسابقات أو اليانصيب؟ وماذا لو لم تتمكن من الربح مرة بعد مرة؟

يميلون إلى التيار اليميني! تأثير الربح القليل والمتوسط في البشر

توضح الدراسات أن ربح مبلغ معتدل في مسابقة ما أو في اليانصيب يكون له تأثير في هويتنا، وكيفية إنفاقنا أموالنا، بل حتى ما نريد أن نفعله في حياتنا. فالفوز بقرابة ألف دولار أو أقل يحول تفكير الناس ويجعلهم أكثر يمينية بشكل ملحوظ وأقل دعوة للمساواة، وأكثر عرضة للتحول إلى التأمين الصحي الخاص والعمل لحسابهم الخاص.

Embed from Getty Images

فقد وجدت دراسة أن الأشخاص الذين يربحون مبالغ كبيرة من اليانصيب يميلون إلى تحويل ولاءاتهم السياسية نحو اليمين المتشدد من الطيف السياسي، ويصبحون أقل مساواة. الدراسة التي أجريت في بريطانيا أوضحت كيف أن الفائزين بجوائز اليانصيب الصغيرة كانوا يغيرون ولاءاتهم تجاه حزب المحافظين اليميني بدلًا من حزب العمال.

من ناحية أخرى، فإن الأدلة حول ما إذا كان الفوز بمبلغ أكبر في اليانصيب أو المسابقات يجعلك سعيدًا إلى حد ما، مختلطة وغير واضحة. فإحدى الدراسات البريطانية التي تعاملت مع أكثر من 16 ألف فائز باليانصيب بمتوسط ربح يبلغ عدة آلاف من الدولارات، أفادت بوجود آثار كبيرة وإيجابية لهذه الثروة الصغيرة على الصحة العقلية للفائزين بعد عامين من الفوز.

في المقابل، وجدت دراسة هولندية قامت بالتركيز على الفوز الأكبر في اليانصيب بمتوسط 22500 دولار أمريكي، أدلة قليلة على أن الفوز باليانصيب يمنح الفائزين السعادة، بطريقة ذات دلالة إحصائية واضحة.

جوائز اليانصيب: معضلة دراسات الربح الكبير

لكن ماذا عن الفوز الضخم، ليس مجرد الفوز بعدة آلاف من الدولارات، ولكن المليون دولار أو أكثر؟ حتى وقت قريب، لم يكن لدى الباحثين الكثير من البيانات عن الفائزين الكبار في اليانصيب لإجراء دراسة مفيدة للتأثيرات المفترضة لهذا النوع من الفوز.

في غالبية الدول الغربية، الأشخاص الذين يربحون أكثر من 100 ألف دولار أمريكي في اليانصيب لا يظهرون عادةً في الأبحاث والدراسات التي تعتمد على القيام بمسح عام للفائزين، نظرًا إلى أن عددهم قليل، ومن ثم إمكانية ظهورهم في عينات البحث العشوائية يكون صعبًا. هذا يعني أيضًا أن أي دراسات سابقة حاولت تقدير الآثار النفسية للفوز الكبير في المسابقات سيكون لها حجم عينة صغير جدًّا؛ مما يجعل النتائج ليست ذات دلالة إحصائية قاطعة.

«الرضا عن الحياة» vs «السعادة»

في محاولة لحل هذه المعضلة، أجرى خبراء اقتصاديون واحدة من أكبر الدراسات حتى الآن حول الآثار طويلة المدى لمكاسب اليانصيب الكبيرة على الرفاهية النفسية. هذه الدراسة شملت الفائزين بمتوسط ​​قدره 106 آلاف دولار أمريكي، وعينة حجمها أكثر من 2500 فائز في اليانصيب السويدي.

Embed from Getty Images

قبل التحدث عن النتائج، علينا هنا التفرقة بين نوعين من الرفاهية. النوع الأول هو الرفاهية التقييمية التي تجسد التقييم العام الذي يقوم به الأشخاص حول حياتهم، والذي يقيم عادةً من خلال الإبلاغ عن مدى رضا الأشخاص عن حياتهم. بينما النوع الثاني هو الرفاهية المكتسبة (أو الرفاهية المتمرسة) والتي تشير إلى المشاعر الإيجابية والسلبية التي يمر بها الأشخاص يوميًّا.

يرتبط مستوى الدخل والتعليم ارتباطًا وثيقًا بالرفاهية التقييمية، لكن الصحة وتقديم الرعاية والشعور بالوحدة هي مؤشرات ترتبط بصورة أقوى بالمشاعر اليومية، ومن ثم هي مرتبطة بالرفاهية المكتسبة.

نعود إلى الدراسة السويدية، فقد وجد الخبراء أن الرضا العام للفائزين الكبار عن الحياة كان أعلى بكثير من رضا الفائزين الصغار أو غير الفائزين. هذا الشعور بالرضا عن الحياة استمر بعد أكثر من خمس سنوات من تحقيق الفوز. والرضا عن الحياة هو مقياس للرفاهية التقييمية الذي يساعد في التقييم الشامل لكيفية رؤية المرء لحياته.

في المقابل، فقد وجد الخبراء القليل من الأدلة على أن الفوز بمبلغ كبير من المال في اليانصيب كان له أي تأثير كبير في سعادة الفائزين، وهو مقياس للرفاهية المكتسبة. كما وجدوا أيضًا أن الفوز الكبير في اليانصيب لا يحسن بشكل كبير الصحة العقلية الحالية للناس.

علاوة على ذلك، لم يكن هناك دليل في دراسة اليانصيب السويدية على أن الفوز بمبلغ 100 ألف دولار أمريكي أدى إلى تحسن كبير في رضا الناس عن صحتهم وعلاقاتهم، وسكنهم ومكان إقامتهم ومجتمعهم بشكل عام. كما تشير نتائج الدراسة إلى أن الفوز بالجائزة الكبرى في مسابقة ما أو اليانصيب، سيحسن بشكل كبير ومستدام الطريقة التي نفكر بها بشأن مواردنا المالية وكيفية تحول حياتنا على المدى الطويل، ولكن من غير المرجح أن تجعل حياتنا اليومية أكثر متعة وسعادة.

الحد الأقصى الذي يجلب السعادة

تتوافق نتائج الدراسة السابقة مع دراسة أجراها الاقتصاديان الحائزان جائزة نوبل، دانيال كانيمان وأنجوس ديتون، والتي أظهرت أنه بعد عتبة 75 ألف دولار أمريكي، تستمر مقاييس الرفاهية التقييمية في الارتفاع مع زيادة الدخل، بينما لا ترتفع مقاييس الرفاهية المكتسبة، مثل السعادة والصحة العقلية.

Embed from Getty Images

أجريت هذه الدراسة عام 2010، وأظهرت أن تأثير المال يختلف بالنسبة للرفاهية المكتسبة المرتبطة بالتجارب العاطفية اليومية عن الرفاهية التقييمية. فعند زيادة الدخل، يرتفع تقييم الرفاهية التقييمية بشكل مطرد ودون توقف. في المقابل، فإن الرفاهية المكتسبة ترتفع أيضًا مع زيادة الدخل، لكن الارتفاع ليس غير محدود؛ إذ يتوقف الارتفاع في الرفاهية المكتسبة بعد الوصول إلى عتبة دخل سنوي يبلغ 75 ألف دولار.

أشارت هذه الدراسة أيضًا إلى أن الدخل المنخفض يؤدي إلى تفاقم الألم العاطفي المرتبط بالمصائب مثل الطلاق واعتلال الصحة والوحدة. ومن ثم، فإن الدخل المرتفع يشتري الرضا عن الحياة (مؤشر عن الرفاهية التقييمية كما ذكرنا) لكنه لا يشتري السعادة (مؤشر على الرفاهية المكتسبة).

تأثير «دعني أحلم»

بالنسبة لمعظمنا بالطبع، فإن تلك الأحلام بالفوز الكبير في المسابقة لن تتحقق أبدًا. كلنا نعلم ذلك يقينًا، فالآلاف وربما الملايين يشاركون، لكن عدد أفراد لا يتعدى أصابع اليدين هم فقط من سيفوزون. لكن مجرد إرسال رسالة قصيرة في تلك المسابقة، أو شراء تذكرة يانصيب أمر أقوى على مشاعر الناس مما نعتقد.

عند إرسال تلك الرسالة، يمكن أن يمنحك ذلك شعورًا دافئًا ومثيرًا بالترقب بينما ننتظر موعد السحب أو ذلك الاتصال الذي يخبرك بأنك ربحت. يسمي علماء النفس هذا بتأثير «دعني أحلم». قد يكون هذا السبب وحده جيدًا بما يكفي لمواصلة المحاولة دائمًا رغم عدم الربح مسبقًا. هذا يفسر لك إصرار الناس على شراء بطاقات اليانصيب طوال سنوات دون أن يربحوا.

علوم

منذ شهر
«اللغة التي كتب الله بها الكون».. لماذا تعتبر الرياضيات لغة حقيقية؟

قد يبدو من السهل فهم سبب استمرارنا في الاشتراك بهذه المسابقات. هنا، عليك تعليق المنطق والنظر إلى الأمر من خلال مجموعة بديلة من القواعد التي كتبها علماء الأعصاب وعلماء النفس الاجتماعي والاقتصاديون. عندما تكون الاحتمالات صغيرة جدًّا بحيث يصعب تصورها، فإن الأمر لا يكون له علاقة بالنتائج بقدر ما يرتبط بما نشعر به من مخاوف أو أمل عندما نتخذ مثل هذا القرار.

هنا تصبح شعبية اليانصيب والمسابقات أكبر، كونها لعبة يتقادم فيها العقل والمنطق، ويباع فيها الأمل والأحلام. ومن هنا يتضح لنا كيف يصل الأمر بالناس إلى البقاء ضمن حلم الثراء السريع والإصرار على المشاركة في المسابقات باستمرار، أو شراء أوراق اليانصيب، أو ربما حتى المشاركة في المراهنات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد