تبين أن الغوص مهارة فطرية يمتلكها جسدك, وبمجرد أن تغطسَ في الماء يغير جسدك آلياته تلقائيًا ليتكيف مع الحياة تحت الماء.. وربما يكون الغوص فرصتك الأخيرة لتجربة طعم الاسترخاء الحقيقي.

لم نكن نعرف هذا، وحتى التقارير الأوروبية الواردة في القرن السابع عشر عن سكان محليين استطاعوا الغوص إلى مسافة تزيد عن مائة قدم والبقاء هناك لمدة تصل إلى 15 دقيقة بنَـفسٍ واحد، كانت تُعتبر مبالغات أو تقارير خاطئة.

كما شكّل “قانون بويل” المتعلّق بسلوك الغازات عائقًا حقيقيًا أمام تجربة الغوص الحرّ العميق لما يقارب ثلاثة قرون.

توقّع هذا العالم الكيميائي استحالة الغوص تحت سطح المحيطات إلى عمق يزيد عن 30 مترًا، لأن الضغوط الناجمة عن المياه ستزداد كلما هبطَ الغوّاص إلى أسفل، مسبّبة زيادة الضغط الخارجي على الرئة، وانكماش الرئتين والأكسجين الذي بداخلهما تدريجيًا إلى مرحلة تتمزق فيها الرئة موصِلة صاحبها إلى الوفاة.


إلا أن رجلًا إيطاليًا مغامرًا يُدعى “رايموندو بوشر” وكان طيارًا حربيًا، جرّب الأمر بنفسِه عام 1949م حين تحدّى رفاقَه بأنه قادر على الغوص بجسدِه إلى عمق يزيد عن 30 مترًا والعودة سالمًا مقابل مبلغ رهان قدره 800$، وكسَب الرِهان دون أن تُصابَ رئتاه بأيّ أذى!

كيفَ نجا “رايموندو” من قانون بويل؟ وكيف نملك جميعًا هذه المقدرة؟

هكذا يعرفُ جسدك كيف يتحوّل إلى كائن بحري:

تمامًا مثل الحوت والدلفين والفقمة، والثدييات البحرية الأخرى التي لا تستطيع التنفس تحت الماء..

فبمجرّد أن يغمر الغواص وجهه بـالماء، تتفعّل في جسدِه عدة آليات تدعى سويًّا بـ”منعكس الغوص لدى الثدييات“، وتجعله يتكيّف مع الشروط المائية بشكل فطري تمامًا:

– بطء القلب:

قد تبدو فكرة انخفاض معدل ضربات القلب شيئًا مخيفًا، لكنها في الحقيقة تكيف طبيعي في جسم الإنسان للحفاظ على الأكسجين، ما يسمح للإنسان بالغوص لمدة أطول.

بمجرد تعرض الوجه للماء يبدأ معدل ضربات القلب بالانخفاض، مع زيادة التأثير طرديًا مع برودة المياه، ويزداد هذا الأمر كلما نزلَ الغواص إلى مسافات أعمق.

عند أعماق تقارب المائة قدم، سجل بعض الغواصين معدلات نبض منخفضة تصل إلى 14 نبضة بالدقيقة، وهو ما يقارب ثلث معدل النبضات في حالة الغيبوبة. وسجّل آخرون معدل 7 نبضات بالدقيقة، وهذه معدلات يفقد فيها صاحبها الوعي وفقًا للفسيولوجيين، لكن هذا لا يحصل تحت الماء.

– تضيّق الأوعية الدموية:

وهو ما يفسّر بقاء رئتيْ الإيطالي “بوشر” سالمةً من الانسحاق تحت الضغط بعكس ما توقع “بويل”..

أثناء الوجود في الماء تتضيق وتنقبض الشعيرات الدموية الموجودة في الأطراف، ويتوجه الدم بعيدًا عن المحيط متجهًا نحو المركز، ليتكثف وجوده أكثر فأكثر في الأجهزة الحيوية من الجسم، وهذا يوفّر المزيد من الأكسجين للدماغ والقلب، كما أنه يحمي الجذع ويجعله أكثر تحملًا للضغوط الواقعة عليه وذلك عبر ملء الأوعية الدموية في الرئتين بمزيد من الدم وبلازما الدم.

عند عمق 300 قدم – حيث يفترض أن ينضغط التجويف الصدري إلى نصف حجمه الأصلي – يعمل تدفق الدم والماء داخل التجويف الصدري كـصمامات محرّرة للضغط.

“المحيطات لديها قواعد مختلفة، وتتطلب عقلية مختلفة لفهمها”. جيمس نيستور

– أثر الطحال:

بخلافِ “بطء القلب وتضيّق الأوعية المحيطية”، لا يحدث أثر الطحال بمجرد الغطس في الماء، إنما يتفعّلُ استجابةً لزيادة ضغط المياه على جميع أنحاء جسم الغواص، وهو ما يمكّنه من الغوص لأعماق كبيرة جدا.

اعتبرَ الفيسيولوجيون لمدة طويلة أن الطحال عضو قليل الأهمية، لكونِه يشارك الكبد وظيفته في تدمير خلايا الدم الحمراء القديمة، ويمكن أن يُزال الطحال من الجسد دون التأثير على العمليات الحيوية الهامة في الجسد.

لكن في حالة الغوص فهو هامّ للغاية، ويعمل خزّانًا للدم، وحين يحتاج الجسد إلى كميات إضافية من الدم ينكمش الطحال موردًا الكمية المطلوبة من الدم إلى الدورة الدموية، ليتم توزيعها بشكل ملائم في أنحاء الجسم.

هذه التكيّفات الفطرية جميعها، تنعكس تباعًا في رحلة عودتك من الأعماق إلى السطح؛ يزداد معدل ضربات القلب ويعاود الدم تدفقه تجاه الأطراف المحيطية بالتدريج، وتعود رئتاك إلى طبيعتها الأصلية، لتصبح “كائنًا يابسًا” من جديد.


أجواء ساحرة يعيشها الغواصون تحت الماء- البحر الأحمر- مصر

مثلُ شعور العودة إلى الوطن

صارَ الصحافي “جيمس نيستور” مُلهَمًا بتجربة الغوص إلى حدّ كبير، واستطاعَ نقل شغفه وانبهاره الجديد على نحو مُلفِت في كتابِه “العمق” الحاصل على جوائز عدة، يقول “جيمس” أن الغواصين كانت تلمعَ أعينهم حين يحدثونه عن تجربتهم بالغوص وأنه أراد تجربة الأمر بنفسِه.

وتبدو كلمات “جيمس” شاعريّة حين يتحدث عن الغوص:

“نحن ولدنا أيضًا من المحيط، كل واحد منا يبدأ حياته وهو يعوم في السائل الأمنيوسي الذي يحمل تركيبًا كيميائيًا مماثلًا بنسبة 99% لمياه البحار، وبنسبة 98% يماثل الدم البشري مياه البحار، كما أن الطفل الرضيع يستطيع أن يحبس أنفاسه حين يُوضعُ تحت الماء كردّ فعل طبيعي وبقدرة تفوق بعض البالغين، حتى أن الثقافات القديمة كانت تعرف ذلك أبدًا وكان أفرادها يغوصون معتقدين بأنه يطيل أعمارهم”.

يؤيده في ذلك “ستيفن ويلان“، مدير موقع “ديبربلو” المخصص لرياضة الغوص الحر:

“الغوص الحر رياضة تجلب السلام إلى داخلك والاسترخاء، راقب الغواصين قبل نزولهم إلى أسفل، إنها رياضة متعلّقة بالتنفس العميق والقدرة على الوصول إلى حالة عقلية خاصة من الهدوء، إنكَ تغوص في أعماق نفسِك بقدرِ ما تغوص في أعماق المياه”.

يعاود “جيمس” التوكيد على الجانب النفسي والروحي الذي يجلبه الغوص لداخلك:

في عالم مزدحم بـ7 بلايين شخص ويغصّ بالحروب والنزاعات، ويبدو فيه أن كل شبر من الأرض قد تم حجزه سلفًا، يبقى البحر منطقة غير مرئية وبعيدة عن الأثر البشري، حيث لا تصل شبكة الهواتف المحمولة ولا رسائل البريد الإلكتروني، ولا التهديدات الإرهابية ولا الارتباطات الاجتماعية ولا الفواتير..

كل الضغوط، الضوضاء، وإلهاءات الحياة تتركها على السطح وراءك قبل أن تهبط، إن المحيط حقًا هو آخر مكان هادئ على الأرض“.

البحر مفتوح للجميع، وأنتم مدعوون جميعًا للتجربة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد